تقوم أغلب الشركات عادة بإطلاق عمليات مراجعة الأداء مع بداية العام الجديد، ويتبع معظمها نمطاً يمكن التنبؤ به على الرغم من استخدام كل مؤسسة أسلوب تقييم مختلف. فهي أولاً تطلب من الموظفين كتابة ما أنجزوه وما هم بحاجة إلى تحسينه، ثم يكتب المدراء بدورهم تقييمهم لعمل الموظفين ويعطون ملاحظاتهم ويقيّمون إلى أي حد تمكن هؤلاء الموظفون من تحقيق التوقعات المتوخاة منهم.

وثمة اعتقاد سائد وراء تلك العملية مفاده أنّ تأمل أداء الأشخاص وتسجيله ضمن جداول استمارة التقييم سيعطينا القدرة على تقييم جدارتهم بموضوعية ومكافأتهم بعدل فضلاً عن تزويدهم بملاحظات مفيدة تساعدهم على التطور خلال العام المقبل. ولكن بينما نحاول جاهدين القيام بذلك بأفضل شكل ممكن، تكون تقديراتنا غالباً غير كاملة ومتحيزة.

وعلى الرغم من المثالية التي قد تبدو عليها تلك الاستمارة وعدم وجود ضرر واضح منها، فقد وجد بحثنا أنها غالباً ما تسمح بتسلل تحيز ضمني نجده ضمن سؤال "المربع المفتوح" المدرج فيها، إذ تطلب معظم الاستمارات من المدراء الإجابة على أسئلة مفتوحة حول موظفيهم على غرار، "صف الطرق التي لاقى فيها أداء الموظف توقعاتك؟" أو "ما هي أهم إنجازاته؟" مع وضع مساحة فارغة أو صندوق مفتوح يملأه المدراء بالتقييمات والنصائح والانتقادات التي يرونها ملائمة.

ويعود سبب غموض هذه الأسئلة إلى كيفية تصميمها في المقام الأول، إذ يعود السبب في كونها مفتوحة وعامة إلى حاجتها لأن تنطبق على كل شخص في المؤسسة بغض النظر عن مستواه أو وظيفته. بالتالي، وعندما يكون السؤال: "صف الطرق التي لاقى فيها أداء الموظف توقعاتك؟"، يُتوقع من المدراء تذكر أو استكشاف التوقعات التي كانت محددة لهذا الموظف.

وتكمن المشكلة هنا أنه عندما يكون السياق والمعايير الخاصة بإجراء التقييمات غامضين، يزداد الميل إلى التحيز. وكما أظهرت العديد من الدراسات، فإنه من دون هيكلية، من المرجح أن يعتمد الناس على النوع الاجتماعي والعرق والقوالب النمطية الأخرى لاتخاذ قراراتهم، بدل إنشاء تقييماتهم بتمعن باستخدام العمليات والمعايير المتفق عليها القابلة للتطبيق على جميع الموظفين بشكل متسق.

وبينما يفتح الغموض الباب للتحيز، يُظهر بحثنا أنّ بإمكان الأفراد اتخاذ إجراءات تحد من هذا الغموض وتزيد من الموضوعية عند تعبئة سؤال الصندوق المفتوح ذاك.

مربع مفتوح = تحيز مفتوح

أجرى فريقنا البحثي في "مختبر ستانفورد في إم وير للابتكار في مجال القيادة النسائية" دراسات متعمقة حول عمليات التقييم لدى ثلاث شركات في الولايات المتحدة. ولقد اكتشفنا أنماطاً من الغموض في كيفية كتابة المراجعات يمكنها أن تقود إلى تلقي النساء تقييماً غير عادل.

فعندما حللنا مراجعات الأداء الخاصة بموظفين ذكور وموظفات إناث، اكتشفنا أنّ النساء أكثر عرضة لتلقي تعليقات مبهمة لا تقدم تفاصيل محددة عما قمن به بشكل جيد وما يمكنهن فعله للتحسن. وكان من المرجح أن تُخبر النساء بأمور على غرار "القيام بعمل شخصي أكثر" من دون أي تفسير عن الأمر الواجب التغلب عليه أو هدف التغيير. وكان الرجال أكثر عرضة لتلقي مراجعات أطول تركز على مهاراتهم الفنية، في حين مالت المراجعات الخاصة بالنساء لأن تكون أقصر وتركز أكثر على مهارات التواصل الخاصة بهن.

بعد ذلك، رصدنا بعض مناقشات الأداء ضمن شركتين فيما يُعرف باجتماعات "مراجعة المعايير" أو "مراجعة المواهب". ويكون لدى القادة في هذه الاجتماعات عادة فترة زمنية ثابتة، ثلاث دقائق مثلاً، لتقديم الأساس المنطقي وراء التقييم الذي منحوه لذاك الموظف، ثم تُناقش تقييماتهم ويتم تعديلها. وتباينت تلك العروض الشفهية بنفس الطريقة التي تباينت فيها المراجعات المكتوبة، إذ تم اكتشاف تفاوت كبير في الأمور التي غطتها.  

وبينما تركزت المحادثة في بعض الجلسات على إنجازات الموظف ونقاط قوته، قدمت أخرى وجهة نظر متوازنة مع ذكر فرص التحسن. ولم يتفق المجتمعون على المعايير المهمة أو القيمة، إذ غالباً ما اختلفت بحسب جنس الشخص المراد تقييمه. وكانت غالبية الانتقادات الموجهة إلى الموظفات عدوانية إلى حد كبير، في حين كانت غالبية تلك الموجهة للموظفين ناعمة أكثر من اللازم.

وسمح شكل المناقشة غير الرسمي للقادة تقديم عروض موجزة باستخدام عبارات قليلة مثل "لا يهم ما سأقول. إنه رائع وهذا هو المهم". وقد أدى الافتقار لهيكلية صلبة إلى تقديم مراجعات متباينة جداً تميل لصالح الرجال وتصفهم بأوصاف قيادية وتوفر لهم التدريب اللازم للتقدم، في حين لا تمدح النساء كما ينبغي وتقدم إرشادات محدودة لهن للنجاح والتقدم.

ولم يتفاجأ مدراء كثر بوجود هذا النوع من التباين في التقييمات. ففي أحد المشاريع، عبّرت 15% فقط من المديرات النساء و24% من المدراء الذكور عن ثقتهم في عملية تقييم الأداء، ورآها البقية أنها شخصية وغامضة إلى حد كبير.

"تقييد" المربع المفتوح

اكتشفنا ضمن إحدى الجهات كيف يمكن للفريق إصلاح الغموض في إدارة الأداء ضمن الشركة، واتفقنا على أن إصلاح نظام مراجعة الأداء لن يكون الحل، إذ لن يجعل النظام الجديد المدراء بالضرورة يقيمون الرجال بشكل مختلف عن النساء. بالتالي قمنا بتحديد مجموعة من الإجراءات المتمايزة التي يمكن للمدراء القيام بها لجعل تقييماتهم أكثر عدالة وكفاءة.

وبحثنا عن طرق تتطلب من المدراء جعل تقييماتهم محددة أكثر نظراً لأن وجود مربعات مفتوحة في استمارة مراجعة الأداء قد يؤدي إلى التحيز. وأنشأنا باستخدام مدخلات المدراء قائمة مرجعية لمساعدتهم على العودة باستمرار إلى بيانات معينة ومحددة مسبقاً عند ملء تلك المربعات المفتوحة. وتضم قائمة البيانات تلك أموراً مثل "هل قمت بجمع الأدلة/البيانات التالية عن هذا الموظف على مدار الأشهر الستة الماضية" وذلك لضمان جمع بيانات يمكن استخدامها للمقارنة بين الموظفين. ثم تطلب قائمة المراجعة من المدراء استخدام المعايير نفسها لجميع الموظفين عبر القول، "أثناء كتابة تقييماتك، هل فكرت فيما يلي (معايير متفق عليها مسبقاً)؟".

وتمكن المدراء مسترشدين بهذه الأسئلة من تقديم ملاحظات محددة أكثر ومبنية على الأدلة لموظفيهم. وفي نهاية مشاركتنا، قال لنا 90% من المدراء أنهم شعروا أنّ العملية ساعدتهم على أن يكونوا أكثر اتساقاً وعدلاً، وزادت شعورهم بالثقة، حيث علّق أحدهم قائلاً، "عليّ الاعتراف بأني كنت في الماضي حائراً، لكنني الآن أملك مجموعة معايير واضحة استخدمها للحكم على الجميع بالطريقة نفسها".

وفي مكان آخر، وعندما طبق المدراء تلك المعايير على الموظفين، انخفضت الفجوة في التقييمات بين الجنسين، ما أدى إلى القضاء على الإفراط في مدح أداء الرجال وذم أداء النساء.

ويمكنك جعل مراجعات الأداء لديك أكثر عدالة واتساقاً أيضاً، حتى لو لم تغيّر مؤسستك نموذج المراجعة الخاص بها. وإليك فيما يلي ثلاثة أشياء صغيرة وبسيطة ومؤثرة يمكنك اتخاذها "لتقييد" المربع المفتوح:

أنشئ معايير إرشادية خاصة بالتقييمات. ذكر المدراء أنهم غالباً ما كانوا يباشرون بكتابة تقييماتهم من دون مراجعة أهداف موظفيهم الأصلية ومن دون وضع منهجية تضمن عدالة التقييمات. وتعمل المعايير الإرشادية الفعالة في البداية على تحديد المعايير التي سيتم تقييم أداء الموظف وفقاً لها، ثم تطلب استحضار أدلة من نتائج الموظف لتقييم ما إذا كان قد لاقى تلك التوقعات أم لا.

وستكون أقل عرضة للتأثر بآرائك الشخصية إن قمت بإنشاء تلك المعايير الإرشادية في البداية، ثم ملأت المربع المفتوح بتقييمك وتعليقاتك، إذ تُظهر الأبحاث أنه عندما توافق أولاً على المعايير المستخدمة في التقييم ثم تقوم بإجرائه، سيقل اعتمادك على الصور النمطية وسيقل تحيّز تقييماتك.

أنشئ ضوابط أفضل. غالباً ما يتباين ما يُدرجه مدير وآخر عند كتابة المراجعات، ومقدار ما يكتبه، وحتى مدى دقة أو عدم وضوح ملاحظاته. وقد يكون من المغري الاعتقاد بأنّ هذا الاختلاف يعكس الأداء الفعلي للموظف، حيث تعني كتابة الكثير من الكلمات عن موظف أنه "رائع". لكن يمكن أن يكون هذا الأمر في الحقيقة تحيزاً ضمنياً في العمل. ويمكن أن يساعدك وضع ضوابط أفضل على التعامل مع كل المراجعات بالطريقة ذاتها، ما يضمن تقييم الجميع بطريقة متسقة ومتكافئة. ولننظر إلى هذا السؤال: "صف الطرق التي يلبي بها أداء الموظف توقعاتك؟"؛ فلكي تكون أكثر عدلاً واتساقاً، قد تضع ضوابطاً تنص على تحديد ثلاث نتائج محددة وقابلة للقياس لكل موظف لديك.

تحقق من التناسق. ليكن لديك عادة إعادة قراءة جميع المراجعات لاحقاً لرؤية مدى اتساقها. فحتى لو كنت قد أوضحت المعايير وقمت بإنشاء قوائم مرجعية لتوجيه تقييماتك، لا يزال هناك احتمال أن تكون محاب لبعض الموظفين على حساب البعض الآخر. وقد تجد عبر البحث عن أنماط التجانس أو التباين في تقييماتك طرقاً إضافية لإزالة التحيز.

تعزيز الأداء اليومي

ويمكن استخدام الطرق أعلاه الخاصة بتقييد المربع المفتوح في تفاعلاتك اليومية في الشركة أيضاً. ففي إحدى شركات التكنولوجيا متوسطة الحجم، شاركنا نهج منع التحيز هذا مع مجموعة من المدراء. وقال لنا مدير تطوير فوراً كيف يمكن تطبيق ما سبق على اجتماعاته الأسبوعية الفردية مع فريقه والتي كان يطرح فيها غالباً أسئلة مفتوحة حول الدعم الذي يحتاجه كل عضو منهم. وبعد التفكير، أدرك المدير أنّ الرجال يميلون إلى طلب دعمه في المسائل الفنية، بينما غالباً ما تطلب النساء توجيهات حول المشاركة الفعالة مع فرقهن.

وكان هذا التباين في تقديم الملاحظات ذي قابلية لأن يجعل الرجال يطورون خبرات مختلفة عن النساء، ويجعل كل جنس يسلك طريقاً مهنياً مختلفاً. كان ما أراده ذاك المدير أن يكون كل موظف خبيراً تقنياً وقائداً كفؤاً. ونتيجة لذلك، صرح أنه سيتوقف عن استخدام الأسئلة العريضة والمفتوحة، وسيضع ضوابط توجه موظفيه إلى المسائل الفنية والإدارية معاً.

وما تعلمه مدير التطوير – والكثير ممن تناقشنا معهم – هو أنّ الغموض في التقييمات قد يؤدي إلى التحيز، الأمر الذي جعلهم يعيدون النظر في طرق التقييم الخاصة بهم وإيجاد طرق لاستخدام نماذج تقييم ومطالبات تكون أكثر عدالة واتساقاً. وقد يكون من المغري الثقة بإحساسنا فقط، إلا أنّ الأمر السلبي في ذلك هو وجود إمكانية لتسلل التحيز الضمني والذي يكون من الصعب رؤيته وبالتالي إيقافه عند حده. وقد تبدو هذه الاستراتيجيات الثلاث بسيطة إلا أنها فعالة نظراً لأنها تساعدنا على تجاوز انطباعاتنا غير الكاملة والمتناقضة في كثير من الأحيان وتوصل نيتنا في أن نعدل بين الجميع.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!