إذا كنت تدير مطعماً فاخراً، فهل كنت سترغب في أن يساهم الطاهي الذي لديك في تنظيف الصحون ومسح الأرضية؟ بالطبع لا. كنت ستحرص على توظيف آخرين للقيام بهذه الأمور وتدع الطاهي يركز على صنع الأطباق الشهية. أثرت هذه الفكرة البسيطة، وهي ضرورة المواءمة بين مستوى مهارة الفرد ومتطلبات المهارة اللازمة للمهمة، على الطريقة التي تعمل بها الكثير من المؤسسات التجارية. ولهذا السبب يستعين المحامي بالمساعدين القانونيين والأساتذة بالمعلمين المساعدين والطهاة بمساعدي الطهاة.

ويعمل هذا النوع من تفويض المهام على إبعاد المتخصصين أصحاب المهارة العالية عن المهام الروتينية التي تتطلب مستوى أقل من المهارة، فالأعمال التي يقوم بها المتخصصون يجب إنجازها بتعقل وإتقان، وإذا قام بها شخص أقل كفاءة، فسوف يؤثر ذلك على مستوى الجودة، وربما يؤدي ذلك إلى زيادة التكاليف إذا استدعى الأمر إعادة القيام بالعمل. وفي المقابل، إذا كان الشخص يتمتع بكفاءة أعلى من المطلوب للمهمة، فسوف يؤدي ذلك إلى ارتفاع التكاليف، وعلى عكس ما قد يخطر ببالك، قد يؤدي إلى انخفاض جودة العمل إذا لم يكن الشخص مندمجاً في المهمة كالشخص الذي يتمتع بالمهارات اللازمة لها. وبعبارة أخرى، ما نريده هو المطابقة التامة بين المهارات التي يتمتع بها كل فرد والمهام المطلوبة.

ويسري منطق تفويض المهام أيضاً على مجال الرعاية الصحية. فمنذ سنوات، ونحن نرى الممرضين الممارسين والأطباء المساعدين يضطلعون بمهام لطالما قام بها الأطباء سابقاً. وساعد ذلك، بالتأكيد، على توفير المال، لكنه أيضاً ساعد على تحسين مستوى الجودة، إذ تفرغ الأطباء والمسعفون للقيام بالمهام الأكثر ملاءمة لخبراتهم. وعلى الرغم من ذلك، ووفقاً للبحث الذي أجريناه في الهند، فإننا نرى أنّ هناك مجالاً أوسع لعمليات تفويض المهام في قطاع الرعاية الصحية في الولايات المتحدة. وقد أقبلت بعض المستشفيات الهندية على عمليات تفويض المهام بشكل غير مألوف نظراً للضغط الشديد الذي تواجهه بتحقيق أقصى استفادة ممكنة من عدد الأطباء والأخصائيين المحدود في البلاد مع الحفاظ على مستوى الجودة وقلة التكاليف في الوقت ذاته. ويمكن من خلال عملية أطلقنا عليها "الابتكار العكسي" نقل هذه الممارسات إلى البلاد الأخرى، بما فيها الولايات المتحدة، التي تخرج فيها تكاليف الرعاية الصحية عن السيطرة. وفيما يلي ثلاث أفكار تستحق الدراسة تعلمناها من تجربة الهند في مجال تفويض المهام.

استحداث فئات جديدة من الوظائف: ارتقت نماذج المستشفيات التي شملتها دراستنا بعملية تفويض المهام إلى آفاق جديدة من خلال استحداث فئات وظيفية جديدة تماماً من موظفي الرعاية الصحية منخفضي الأجور. على سبيل المثال، عندما أسس الدكتور غوفنداسوامي مستشفى أرافيند للعيون (Aravind Eye Care) في جنوب الهند، كان لديه عدد كبير من المرضى وعدد قليل جداً من أطباء العيون وأخصائيي البصريات. وكان الحل بالنسبة له هو الاستعانة بالنساء القرويات الحاصلات على الشهادة الثانوية وتدريبهن لمدة عامين على العمل "كمسعفات متوسطات المستوى في طب العيون". ومع مرور الوقت،  شكلن هؤلاء المسعفات ثلثي القوى العاملة في مستشفى أرافيند وأصبحن يضطلعن بمهام عديدة مثل تسجيل المرضى وحفظ السجلات الطبية وتقديم المشورة للمرضى ومساعدة الأطباء في العمليات الجراحية. وكان كل جراح في مستشفى أرافيند تعمل معه 6 مسعفات في المجال الطبي و4 مساعدات في مجال الخدمات الإدارية وخدمات الدعم. وتذهب المسعفات إلى القرى ويفحصن المرضى ويقسن المؤشرات الحيوية ويجرين التحاليل الطبية ويجهزّن المرضى للجراحة ويقدمن الرعاية اللازمة بعد الجراحة في المستشفى ويعيدونهم إلى القرية مرة أخرى ويتابعن علاجهم. وبالإضافة إلى انخفاض أجورهن، أدخلت هؤلاء المسعفات مهارات جديدة إلى المستشفى، مثل الكفاءة الثقافية والولاء المؤسسي وأخلاقيات العمل الراسخة وعمق التواصل مع المرضى وأسرهم الذين تتشابه خلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية مع تلك التي ينتمين إليها. ويقتصر ما يقوم به الجراح على إجراء العملية نفسها التي تستغرق فترات قصيرة لكن هامة ومحورية وتتمركز حولها كافة المهام الأخرى. يقتصر دور الأطباء في أرافيند على ما يمكنهم القيام به فحسب، وهو تشخيص المرض وإجراء العمليات الجراحية. وتفوق إنتاجية هؤلاء الجراحين إنتاجية الجراحين في الولايات المتحدة من 4 إلى 6 مرات، لا لأنهم مثقلون بالكثير من العمل، بل لوجود عمليات تفويض مهام تتميز بالمنطقية ومهارة التصميم.

وبالمثل، ونظراً لعدم إمكانية جذب الموظفين المدربين للعمل في المناطق الريفية بالهند، قام معهد إل في براساد لأمراض العيون (LV Prasad Eye Institute) بإعداد فريق من فنيي البصريات لإجراء فحوصات العيون الأساسية في القرى والبلدات الصغيرة. ولا يعتبر هؤلاء الفنيون أخصائيي بصريات مدربين، إلا أنهم يتمتعون بالمهارات اللازمة لفحص المرضى الذين من المقرر لهم زيارة أخصائي البصريات أو طبيب العيون في أحد مراكز الرعاية الثانوية التابعة لمعهد إل في براساد. وبالتالي، يحصل المرضى على الرعاية الطبية الأساسية في مكان قريب من محل إقامتهم ولا يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى المدن الكبيرة إلا في حالة الضرورة لفحصهم من قبل متخصصين أكثر مهارة.

الارتقاء بمهارات الموظفين: في الوقت نفسه، تسعى المستشفيات الهندية جاهدة لرفع مستوى مهارات موظفيها. وعلى سبيل المثال، قامت مستشفى إتش سي جي لعلاج الأورام (HCG Oncology) باستحداث فئة جديدة، في أرفع مجالات المهارات، من "ممرضي الأورام" الحاصلين على تدريب أفضل من الممرضين المعتادين لمساعدة الطبيب في جلسات العلاج الكيماوي والعلاج الإشعاعي. وكذلك هو الحال بالنسبة لمستشفى نارايانا هيلث (Narayana Health) متعددة التخصصات التي تشجع الممرضين على التطور والارتقاء إلى وظيفة ذات مهارات أعلى وهي "ممرض عناية مركزة" والتي تشبه وظيفة الممرض الممارس في الولايات المتحدة. كما تشجع مستشفى نارايانا هيلث أيضاً أطباء الصحة العامة على الارتقاء إلى أطباء متخصصين والأطباء المتخصصين على الارتقاء إلى أطباء دقيقي التخصص. وبالمثل يتمتع تقنيو البصريات في مستشفى إل في براساد الذين يعملون في القرى والبلدات الصغيرة بإمكانية الالتحاق بمدرسة البصريات التابعة للمستشفى ليصبحوا متخصصي بصريات إن أرادوا ذلك. وفي الحقيقة، استطاع أحدهم التأهل لوظيفة متخصص بصريات وبعدها حصل على شهادة الدكتوراه في طب العيون.

تشجيع الخدمة الذاتية للمرضى: تعتبر الخدمة الذاتية من أشكال تفويض المهام المختلفة تماماً، إذ يتولى المريض أو أفراد أسرته القيام بالمهام التي من المفترض أن يقوم بها موظفو المستشفى في العادة. على سبيل المثال، تشجع مستشفى نارايانا هيلث أسر المرضى على الاعتناء بمرضاهم بعد الخروج من العناية المركزة بعد الحصول على تدريب بالصوت والفيديو لمدة أربع ساعات تم إعداده بالتعاون مع جامعة ستانفورد. ويساعد هذا النوع من الرعاية الذاتية المدعومة بالتدريب على التقليل من تكاليف التوظيف ويسمح بتوفير رعاية صحية ذات طابع شخصي أكثر للمريض، مع ضمان اتساق الرعاية واستمراريتها عند عودة المريض إلى المنزل، وبالتالي الحد من مضاعفات ما بعد العمليات الجراحية وتقليل حالات العودة إلى المستشفى مرة أخرى. وتوفر مستشفيات لايف سبرنغ (LifeSpring Hospitals)، المتخصصة في الأمومة، سريراً إضافياً بجانب سرير الأم بحيث يتمكن أحد أفراد الأسرة من البقاء معها والمساعدة في العناية بها. وتشجع هذه الممارسات المرضى وذويهم على تولي إدارة الرعاية الصحية والعلاجية بأنفسهم.

ومع كل هذه الأمثلة، تستطيع مستشفيات الولايات المتحدة القيام بأكثر من ذلك. لكن بدلاً من اتباع مثل هذه النماذج من تفويض المهام التي رأيناها في الهند، نرى أنّ برامج خفض التكاليف في مستشفيات الولايات المتحدة تبدأ عادة في التقليل من عدد الوظائف منخفضة التكاليف وإجبار الأطباء على قضاء المزيد من الوقت في إجراء مهام روتينية بسيطة مثل أعمال التدوين واللوجستيات وإعداد الفواتير، على سبيل المثال، يقضي الأطباء في عيادة مايو كلينك (Mayo Clinic)، أكثر من نصف أوقاتهم في مهام غير طبية. وهذا بالتحديد هو النوع الخاطئ من تفويض المهام، والذي أدى إلى سخط الأطباء واستنزافهم. وكذلك، تخفق مستشفيات الولايات المتحدة في الاستفادة من المرضى كوسيلة لتحسين الرعاية الصحية (وتقليل التكاليف، بصورة عرضية).

ينبغي على صناعة الرعاية الصحية والجهات التنظيمية في أميركا التفكير مرة أخرى في المجالات المتاحة أمامها لتطبيق فكرة تفويض المهام. ويجب ألا يأتي الحافز لإجراء مثل هذه التجارب من واشنطن العاصمة فحسب، بل يمكن أن يأتي من أي من الولايات الأخرى. ويمكن أن يؤدي تفويض المهام إلى استحداث الآلاف من فرص العمل الجديدة في مجال الرعاية الصحية، ويساعد في الوقت ذاته على تحسين مستوى الرعاية المقدمة وتخفيض التكاليف الإجمالية. وهناك شركات مثل أيورا هيلث (Iora Health) وكير مور (Caremore) التي حولت مجال رعاية المرضى من الأطباء والممرضين إلى مدربي الرعاية الصحية، وأصبحت تحقق وفورات تقدر بملايين الدولارات نظراً لتقليل الزيارات للمستشفى وغرف الطوارئ والتحاليل والعمليات. لقد رسمت هذه المؤسسات الطريق، وعلى الآخرين أن يحذوا حذوهم.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!