تغيير ثقافة الشركة يتطلب حِراكاً لا إلزاماً

7 دقائق
تغيير ثقافة الشركة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

الثقافة مثل الرياح، كلاهما غير مرئي، ومع ذلك نرى تأثيرهما ونشعر بهما. وعندما تهب الرياح في اتجاهك نفسه، يكون السير سلساً، وأما عندما تهب في الاتجاه المضاد، فتصبح الأمور أكثر صعوبة. فكيف يمكن تغيير ثقافة الشركة بطريقة صحيحة؟

بالنسبة للمؤسسات التي تسعى إلى أن تكون أكثر قدرة على التكيف والابتكار، فإن التغيير الثقافي غالباً ما يكون هو الجزء الذي يمثل التحدي الأكبر في عملية التحول. ذلك أن الابتكار يتطلب من القادة والموظفين سلوكيات جديدة غالباً ما تتناقض مع الثقافات التقليدية للشركات التي كانت على مر التاريخ تركز على التفوق التشغيلي والكفاءة.

لكن التغيير الثقافي لا يمكن تحقيقه من خلال الإلزام من القمة إلى القاعدة، فهو يعيش في قلوب الناس وعاداتهم الجماعية وتصورهم المشترك حول “كيفية أداء الأعمال في الشركة”. يمكن للشخص الذي يتمتع بالسلطة أن يطالب بالالتزام، لكن ليس بإمكانه فرض التفاؤل أو الثقة أو القناعة أو الإبداع.

اقرأ أيضاً: متى يكون عصيان قواعد الشركة واجباً؟

في شركة “آيديو” (IDEO)، نعتقد أن التغيير الأكثر أهمية يحدث غالباً عن طريق الحركات الاجتماعية. وعلى الرغم من الاختلافات الموجودة بين المؤسسات الخاصة وبين المجتمع، فإنه يمكن للقادة أن يتعلموا من طريقة إشراك هؤلاء المبادرين للجماهير وحشدهم لهم، وذلك بهدف إضفاء الطابع المؤسسي على القواعد المجتمعية الجديدة.

شركة “د. ريديز” (Dr. Reddy’s): دراسة حالة منفتحة على الحركة

أحد القادة الذين يستوعبون جيداً أهمية الحِراك هو براساد، الرئيس التنفيذي لشركة “د. ريديز”، وهي شركة مستحضرات صيدلانية عالمية مقرها في الهند. تنتج الشركة عقاقير عامة بأسعار معقولة منذ 33 عاماً. ومع أكثر من 7 وحدات أعمال مميزة للشركة تعمل في 27 دولة وأكثر من 20 ألف موظف، ازدادت عملية اتخاذ القرارات تعقيداً وانحرفت فروع الشركة عن المسار. وعلى مر السنين، اتخذت الشركة إجراءات كثيرة لأسباب عديدة وجيدة أيضاً، لكنها في الوقت نفسه كانت السبب في إبطاء عمل الشركة.

سعى براساد إلى تطوير ثقافة شركة “د. ريديز” لتكون ذكية ومبتكرة ومتمحورة حول المريض. كان يعلم أن المواءمة بين جميع الموظفين وتحفيزهم رحلة طويلة. بدأ فريق القيادة لديه في البحث عن الهدف، وعلى مدار عدة أشهر، عمل فريق الشركة مع شركة “آيديو” لمعرفة احتياجات الجميع بدءاً من العاملين في المحال التجارية وحتى العلماء والشركاء الخارجيين والمستثمرين. فوضعوا معاً تعريفاً مستخلصاً لهدف الشركة الذي لخّصوه في بضع كلمات بسيطة تركّز على المريض: “الصحة الجيدة لا يمكنها الانتظار”.

ولكن بدلاً من وضع هذا الشعار الجديد على ملصقات تحفيزية وتكراره في اجتماعات موسّعة، بدأ فريق القيادة في استخدامه بهدوء في توجيه قراراته. حيث كان الهدف هو إظهار هذه الفكرة على أرض الواقع لا مجرد الحديث عنها. اُختيرت المشاريع عبر القنوات لتسليط الضوء على المرونة، والابتكار، والتركيز على الزبائن، وأُعيد تصميم تغليف المنتج ليكون أسهل في الاستخدام ويزيد من الشعور بالولاء للشركة، كما أُعيدت صياغة دور مندوبي المبيعات في روسيا ليكونوا بمثابة مراكز المعرفة للأطباء، ذلك أن وجود أطباء جيدين يسفر عن مرضى يتمتعون بصحة جيدة. كما تم تطوير منصة بيانات داخلية شاملة لمساعدة موظفي الشركة لكي يتعاملوا مع طلبات الزبائن بشكل استباقي، وحل أي مشاكل خاصة بهم بحيوية وسرعة.

وفي هذه المرحلة المتعلقة بموضوع تغيير ثقافة الشركة بطريقة مدروسة، كان قد حان الوقت لمشاركة الهدف المعلن على نطاق أوسع، أولاً داخلياً مع جميع الموظفين ثم خارجياً مع العالم. وفي فاعلية إطلاق الحدث داخلياً، تعرّف موظفو الشركة على الهدف الخاص بهم ودُعوا للمشاركة في تحقيقه، حيث طُلب من الجميع تقديم وعد شخصي حول كيفية إسهامهم من موقعهم الوظيفي الحالي في هدف الشركة الذي يتمثل في عبارة “الصحة الجيدة لا يمكنها الانتظار”. وفي اليوم التالي، كشفت الشركة النقاب عن هوية العلامة التجارية الجديدة والموقع الإلكتروني الذي أعلن صراحة هدف الشركة. وبعد فترة وجيزة، أنشأت الشركة “استوديوهَين اثنين جديدَين للابتكار” في حيدر آباد ومومباي، وذلك لتقديم دعم هيكلي إضافي للإبداع داخل الشركة.

لمس براساد تغييراً فورياً في ثقافة الشركة:

بعد أن قدمنا ​​فكرة “الصحة الجيدة لا يمكنها الانتظار”، أخبرني أحد العلماء أنه طور منتجاً خلال 15 يوماً وخرق كل قواعد الشركة في ذلك، وكان يتحدث عن ذلك بفخر! ذلك أنه عادة ما يستغرق الحصول على المواد الخام شهوراً، فضلاً عن بقية مراحل عملية صناعة الدواء، لكنه كان يتصرف بناءً على هذه الحاجة الملحة. والآن يتعلم هذا الدرس عن المرونة ويطبقه على جميع أساليبنا”.

كيف يتجلى الحراك؟

لكي نحدد أوجه التشابه بين رحلة شركة “د. ريديز” وحراك ما، نحتاج إلى فهم أفضل للحركات.

غالباً ما نفكر في الحركات باعتبارها تبدأ بنداء للعمل. لكن البحوث التي تتناول الحركات تشير إلى أنها تبدأ فعلياً بالناحية العاطفية، وذلك بحدوث حالة من عدم الرضا عن الوضع الراهن وشيوعها ووجود شعور كبير بأن المؤسسات الحالية وهياكل السلطة في المجتمع لن تعالج المشكلة. يتحول هذا السخط الملتهب إلى حراك عندما يظهر أحد الأصوات التي تقدم رؤية إيجابية ومساراً للتقدم يكون ضمن قوة الحشد.

اقرأ أيضاً: كيف تُخطف قيم الشركة ويساء استخدامها؟

والأكثر من ذلك أن الحركات الاجتماعية تبدأ عادة صغيرة بمجموعة من المتحمسين العاطفيين الذين يحققون انتصارات قليلة متواضعة. رغم صغرها، فإنها تكون قوية في إظهار الفاعلية لغير المشاركين، كما يساعد الحراك في اكتساب القدرة على التأثير. ذلك أن هذا الحراك يجمع فعلياً بين القوة والحجم بمجرد أن ينجح هذا الفريق في اختيار شبكات العلاقات الحالية والمؤثرين. وفي نهاية المطاف، في حالة الحركات الناجحة، فإن القادة يستفيدون من حماسهم وتأثيرهم لإضفاء الطابع المؤسسي على التغيير في هياكل السلطة الرسمية وقواعد المجتمع.

ممارسات لقيادة الحركة الثقافية

يجب ألا يتعجّل القادة أو يستسهلوا كثيراً في تحويل ديناميكيات الحركة الاجتماعية إلى خطط لإدارة التغيير. ومع ذلك، يمكن للقادة أن يتعلموا الكثير من ممارسات صُنّاع الحركات الماهرين من أجل تغيير ثقافة الشركة بطريقة مدروسة.

ضع إطاراً للقضية

غالباً ما يكون القادة الناجحون للحركات هم سادة وضع المواقف في أطر على أساس اعتبارات تحريك المشاعر والتحريض على العمل. يمكن أيضاً لهذه الخطوة أن تطبق الضغط الاجتماعي ليحدث التوافق. على سبيل المثال، “التدخين السلبي قاتل، لذلك من المؤسف أن تُدخّن بجوار الآخرين”.

وفيما يتعلق بتغيير الثقافة التنظيمية، فإن مجرد توضيح الحاجة إلى التغيير لن يعني إنهاءه، إذ يمكن أن يكون خلق إحساس بأهمية الأمر مفيداً، لكنه قد يكون قصير الأجل. ومن أجل تطويع التزام الناس بشكل كامل ومستمر، يجب أن يشعروا برغبة عميقة تجاه التغيير بل ومسؤولية نحوه. يمكن للقائد أن يفعل ذلك عن طريق صياغة التغيير في إطار هدف المؤسسة ضمن إجابة سؤال “لماذا نحن موجودون؟”. يدعو الهدف التنظيمي الجيد إلى السعي وراء التميّز في خدمة الآخرين، ويطالب الموظفين بأن يكونوا مدفوعين في العمل بما هو أكثر من المكاسب الشخصية، كما أنه يعطي معنى للعمل، ويستحضر المشاعر الفردية، ويحفز على العمل الجماعي. وقد صاغ براساد التحول الذي مرت به شركة “د. ريديز” على أنه السعي نحو تحقيق هدف “الصحة الجيدة لا يمكنها الانتظار”.

عبّر عن الانتصارات سريعاً

يجيد صناع الحركات إدراك قوة الاحتفال بالانتصارات الصغيرة. وقد أظهرت البحوث أن إظهار فاعلية الحِراك هو إحدى الطرق التي تضم بها الحركات أشخاصاً متعاطفين لم يتم حشدهم للانضمام بعد.

عندما يتعلق الأمر بتغيير الثقافة التنظيمية، فإن القادة غالباً ما يقعون في فخ إعلان التحولات الثقافية التي يأملون في رؤيتها. وبدلاً من ذلك، يحتاج هؤلاء إلى تسليط الضوء على أمثلة الإجراءات الفعلية التي يأملون في رؤية المزيد منها داخل منظومتهم الثقافية. وفي بعض الأحيان، توجد هذه الأمثلة بالفعل داخل الثقافة السائدة ولكن على نطاق محدود. وفي أوقات أخرى، يتعين إحداثها. عندما أطلق براساد وفريق القيادة الخاص به مشاريع عبر الأقسام الرئيسية، عملت هذه المشاريع على إظهار فاعلية طريقة العمل الذكية والمبتكرة التي تتمحور حول الزبائن، وكيف يمكن للسعي وراء الهدف أن يحقق النتائج التي يهتم بها العمل. وما إن قطعت هذه المشاريع أشواطاً كافية حتى استخدمها قادة شركة “د. ريديز” للمساعدة في توصيل هدفهم وطموحاتهم في التغيير الثقافي.

استفِد من شبكة العلاقات

يجيد صنّاع الحركات الناجحون بناء التحالفات بامتياز وتقريب المجموعات المختلفة لتشكيل شبكة علاقات أكبر وأكثر تنوعاً تشترك في هدف واحد. كما يعرف صناع الحركات الناجحون كيفية تنشيط شبكات العلاقات الحالية لخدمة أهدافهم. كان هذا هو حال قادة حركة الحقوق المدنية في الستينيات من القرن العشرين، أولئك الذين جنّدوا أعضاء من خلال الروابط المجتمعية القوية التي تشكلت في الكنائس. لكن تجنيد أعضاء جدد من أجل قضية ما ليس هو الطريقة الوحيدة التي يعمل بها صنّاع الحركات للاستفادة من الشبكات الاجتماعية. حيث يستخدم هؤلاء أيضاً الشبكات الاجتماعية لنشر الأفكار وبث انتصاراتهم.

اقرأ أيضاً: هل نستطيع النجاة بتغيير ثقافة الشركة؟

لم يختبئ قادة شركة “د. ريديز” في غرفة خلفية ويخرجون منها بهدف الشركة، بل شارك أشخاص من جميع أقسام المؤسسة على مدار عدة أشهر في هذه العملية. وقد اعتمد النهج السائد على أن أكثر الناس استعداداً لدعم الهدف هم من لديهم مصلحة في تحقيقه. وخلال أحداث فاعلية الإطلاق التي نُظّمت على مستوى المؤسسة، دعا براساد جميع الموظفين للتعامل مع الهدف باعتباره هدفهم الخاص، وذلك عن طريق تحديد كيف سيساعد كل منهم في تحقيق هدف الشركة: “الصحة الجيدة لا يمكنها الانتظار”.

أنشئ ملاذات آمنة

لا شك أن صناع الحركات خبراء في إنشاء أو تحديد المساحات التي يمكن لأعضاء الحركة من خلالها صياغة الاستراتيجية ومناقشة الأساليب اللازمة. شملت هذه المساحات صالونات تجميل في جنوب الولايات المتحدة في أثناء حركة الحقوق المدنية، ومعسكرات عمل “كوايكر” (Quaker) في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، ومخيم “سينيكا” (Seneca) للنساء في الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن العشرين. تختلف قواعد المشاركة وسلوكيات النشطاء عن قواعد الثقافة السائدة في هذه المساحات. إنها نماذج مصغرة لما تأمل الحركة أن يصبح عليه المستقبل.

وقد صمّمت الثقافة السائدة وهيكل مؤسسات اليوم بشكل مثالي لإنتاج أفعالها وتحقيق نتائجها الحالية، وذلك بغضّ النظر عما إذا كانت تلك النتائج هي التي تنشدها. وإذا كانت أمنيتك هي أن يتصرف الأفراد بطريقة مختلفة، فهذا يساعد على تغيير ظروفهم المحيطة ليكونوا أكثر دعماً للسلوكيات الجديدة، خاصةً عندما يعارضون الثقافة السائدة. وغالباً ما يتم إنشاء مواقع الرصد والمختبرات بصفتها بيئات جديدة تكون نموذجاً مصغراً للتغيير. وقد أنشأت شركة “د. ريديز” مختبرين للابتكار لاستكشاف مستقبل الطب وخلق مساحة يسهل فيها على الناس تبني معتقدات جديدة وأداء سلوكيات جديدة.

استخدِم الرموز

يُعدّ صناع الحركات خبراء في وضع ونشر الرموز والأزياء التي تخلق في نفس الوقت شعوراً بالتضامن وترسم حدوداً لهويتهم وما يمثلونه في العالم الخارجي مما يمكنهم من تغيير ثقافة الشركة بشكل صحيح. تساعد رموز التضامن والأزياء الخاصة به في تحديد حدود الحركات بين “نحن” و”هم”. يمكن أن تكون هذه الرموز بسيطة مثل قميص أو ملصق أو زرّ يدعم قضية عامة أو معقدة، ويمكن التوسع في ذلك باستخدام الدمى العملاقة التي كثيراً ما نراها في أحداث الاحتجاج.

وقد ربطت شركة “د. ريديز” تغيير الثقافة في الشركة والهدف المراد تحقيقه بهوية العلامة التجارية الجديدة، فعزز ذلك رسالة الائتلاف والالتزام في الداخل والخارج. حيث يقف جميع موظفي الشركة متكاتفين في السعي نحو تحقيق هذا الهدف.

التحدي للقيادة

على عكس صناع الحركة، يكون قادة المؤسسات غالباً في موقع السلطة عند الحديث عن تغيير ثقافة الشركة بطريقة صحيحة. يمكنهم إلزام التغييرات في المؤسسة، وفي بعض الأحيان يكون فعل ذلك فرضاً عليهم. ولكن، عندما يتعلق الأمر بتغيير الثقافة، يتعيّن عليهم تنفيذ ذلك باعتدال. ذلك أنه من السهل الإفراط في استخدام سلطة الفرد على أمل تسريع عملية التحول.

من السهل أيضاً على قائد الشركة جنب الخلاف التنظيمي. بشكل عام يُفضل تحقيق حالة من الانسجام في النهاية. وغالباً ما يتم الحكم على نجاح التحول التنظيمي على أساس اتساقه.

وفي نهج التغيير القائم على الحركات، يكون مقدار معتدل من الاختلاف أمراً إيجابياً، فغيابه التام ربما يعني أن التغيير ضئيل. ابحث عن الأماكن التي تواجه فيها الحركة مقاومة وتتعرض لاختلافات. غالباً ما ستشير إلى المواقع التي قد يحتاج التصميم التنظيمي والثقافة السائدة فيها إلى التطوير.

وعليك أن تتذكر أن تغيير ثقافة الشركة يحدث فقط عندما يتحرك الناس لاتخاذ إجراءات فعلية، لذلك ابدأ من هناك. فعلى الرغم من أن توضيح مهمة ما وتغيير هياكل الشركة أمر مهم، فإنه غالباً ما يكون أسلوباً أكثر نجاحاً لمعالجة هذه الأنواع من المشكلات بعد أن تكون قادراً على إظهار التغيير الذي ترغب في رؤيته للناس.

اقرأ أيضاً: ما هي القواعد الست لتطوير ثقافة الشركة وتوسيعها؟

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!