تعرفت في أحد برامج تدريب المدراء التي أشرف عليها على شخص سأدعوه هنا إحسان. كان حينها قد أصبح مديراً للتوّ بعد عدة أعوام من عمله كمساهم فردي ناجح، وكان في غاية الحماس لتعلم المزيد عن منصبه الجديد. وعلى مدى اليومين التاليين، انغمس إحسان تماماً في التدريب، وكان منسجماً في العمل مع المشاركين الآخرين وتدرّب على المفاهيم الجديدة بنشاط. وعند نهاية برنامج التدريب، تعهد إحسان بالتخلي عن معظم الأعمال التفصيلية التي كان يقوم بها من أجل تقوية فريق عمله وكي يتاح له الوقت للتفكير بصورة استراتيجية أفضل.

وبعد عدة أشهر، تحدثت مع إحسان بشأن كيفية سير الأمور وأخبرني أنه بعد بضعة أسابيع من تفرغه للنظر في الصورة الكبرى للعمل، وجد نفسه غارقاً بمشروع جديد وعاد مجدداً إلى الانشغال بالتفاصيل وبدأ بعض أفراد فريقه يشعرون أنه يمارس الإدارة التفصيلية عليهم، كما قدم له مديره تقييماً يقول فيه أنه بحاجة لامتلاك رؤية أكثر وضوحاً للمستقبل.

بالتأكيد إحسان لا يعاني من هذا الأمر وحده، فبحسب خبرتي في تطوير القيادات في عدة شركات مثل إنتويت (Intuit) وبنترست (Pinterest) وجوجل، وجدت أنّ كل من عملت معهم تقريباً يملكون القدرة على التطور ولديهم الرغبة في ذلك. ومع ذلك، يتكرر صراع هؤلاء الأشخاص للتطور مراراً وتكراراً برغم كل جهودهم التي يبذلونها. وأعتقد أنّ أحد الأسباب في ذلك هو أنّ برامج التعليم والتطوير تخصص وقتاً وتركيزاً أقل مما يجب بكثير حول كيفية تغيير العادات والسلوكيات الموجودة لدى الأشخاص، والتي تكون عادة أكبر العوائق في مواجهة التطوير الشخصي.

ولحسن الحظ هناك الكثير من علوم السلوكيات التي تقدّم طرقاً لتحقيق الأهداف بأفضل صورة ممكنة وتغيير السلوك. ووجد الأخصائياَن النفسيان غابريلي أوتينغن وبيتر غولويتزر في دراسة أجرياها أنه يمكن من خلال القيام بخطوتين تحقيق زيادة كبيرة في احتمالية تحقيق الأهداف في كل المجالات تقريباً.

الخطوة الأولى: هي التفكير بالوضع المستقبلي الأمثل والعراقيل التي تتوقع مواجهتها في الطريق لتحقيق ذلك الوضع. قد تكون العقبات المحتملة في حالة إحسان هي عدم امتلاك الوقت للتفكير بصورة استراتيجية، وشعوره بالرضا عند القيام بالأعمال التفصيلية، أو ربما شعوره بعدم الراحة عندما يتخلى عن السيطرة على بعض الأمور.

يكون أداء معظمنا ممتازاً في الشق الأول وهو التصريح عما نريد تحقيقه، ولكن من النادر أن نتمكن من إكمال الشق الثاني، وهو التفكير ملياً بجميع العراقيل التي سنواجهها. تطلق أوتينغن على هذا التمرين اسم "التباين الذهني"، وقد وجدت أنه يزيد من احتمالية التزامنا بتحقيق أهدافنا.

قد يبدو ذلك أمراً غير بديهي للوهلة الأولى. أليس من المفترض أن يثبط التركيز على العراقيل عزيمتنا في السعي لتحقيق أهدافنا؟ لا، بل العكس هو الصحيح. فتصوّر العراقيل واتخاذ القرار بالسعي لتحقيق الهدف برغم وجودها يزيد التزامنا، كما أنّ التفكير بالعراقيل يتيح لنا التخطيط لمواجهتها.

وتعتمد الخطوة الثانية على التباين الذهني وتتضمن وضع هدفنا ضمن جملة "إذا.. فإن" الشرطية، حيث تكون أداة الشرط "إذا" مرتبطة بالهدف، ويكون السلوك الذي تهدف للقيام به هو جواب الشرط "فإنّ". يطلق غولويتزر على ذلك اسم "النوايا التطبيقية". وهذه النوايا قوية لأنها تُنشئ رابط شراكة قوي بين أداة الشرط وجواب الشرط الذي يصبح تلقائياً مع الوقت. يمكن أن تكون النوايا التطبيقية منبه قوي للقيام بالفعل ومساعد قوي لوضع خطط طارئة لمواجهة العراقيل التي قد تنحرف بك عن مسارك. قد يفكر إحسان بالوقت أو الوضع أو الظروف التي قد تساعد على تنبيهه أو تذكيره كي يزيد تركيزه على الصورة الكبرى للعمل. وإليك بعض الأمثلة:

إذا كان العائق الأساسي الذي يواجهه إحسان هو "عدم توفر الوقت أو النسيان" فإنه سيقول: إذا كانت الساعة التاسعة صباحاً من يوم الخميس فإنني سأمضي 60 دقيقة في التركيز على استراتيجية فريقنا ورؤيته للمستقبل.

وإذا كان العائق الأساسي الذي يواجهه إحسان هو "شعوره بالرضا عند إنهاء أعمال تفصيلية" فإنه سيقول: إذا كنت أقوم بعمل يمكن أن يقوم به أحد غيري ضمن أعضاء الفريق، فإنني سأطلب منه القيام به عند لقائنا الفردي التالي.

وإذا كان العائق الأساسي الذي يواجهه إحسان هو "الشعور بعدم الراحة عند التخلي عن السيطرة على الأمور" فإنه سيقول: إذا بدأت أشعر بالانزعاج بشأن عدم إنهاء العمل بنفسي، فإنني سأطلب إبلاغي بالمستجدات في اجتماع الفريق التالي.

بدأنا في شركة بنترست باستخدام هذه العلوم لجعل نهج تخطيط التطوير مواكباً للعصر وكانت النتائج الأولية مشجعة، إذ بدأنا باختبار هذا النهج مع مجموعة من مدرائنا الذين حضروا ورشة عمل استمرت ساعة من الزمن لرسم خطة العمل بعد حصولنا على نتائج دراسة استقصائية عن انخراط الموظفين في العمل نجريها مرة كل شهرين.

أثناء ورشة العمل هذه، قام المدراء بوضع خطة عمل من صفحة واحدة، ما دعاهم إلى وضع قائمة بالأهداف والعراقيل والخطط الشرطية بصيغة "إذا.. فإن". كما قاموا أيضاً بالعمل بصورة ثنائية وقام كل منهم بتدريب الآخر. وبعد شهرين أجرينا الاستقصاء التالي وسألنا إن كان الموظفون قد لاحظوا قيام مديرهم بتنفيذ العمل الذي خطط له منذ الاستقصاء الماضي. وقد أبلغ 97% من الموظفين من مرؤوسي أحد المدراء الذين حضروا ورشة العمل أنهم شعروا بأنّ مديرهم قد نفذ العمل فعلاً.

في حين أننا لا نعلم تماماً عما إذا كانت ورشة العمل وخطة العمل التي قدمناها للمدراء قد أثرا في متابعتهم أم لا، إلا أننا واثقون من أنّ توافق هيكلية خطة العمل وتركيزها على علم السلوك المستخدم هو ما أدى إلى زيادة كبيرة في احتمالية قيام المدراء بالعمل الذي عزموا على تنفيذه.  

غالباً ما ينصح المرشدون والمدربون الأفراد بتخيل صورة بصرية عن النجاح، ولكن ذلك ليس كافياً. ولكي تتمكن من تحقيق أهدافك حقاً، لا تكتفِ بالتخيل، بل فكر بما ستواجهه في طريقك وارسم خطة للتغلب عليه.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!