نحن في العصر الذهبي للتقنية

للمرة الأولى في حياتنا، أصبح بمقدورنا جمع ومعالجة كم هائل من المعلومات وبشكل متاح للجميع. فقد تفوقت الهواتف الذكية حالياً بتطورها وفعاليتها على أجهزة الحاسب الآلي المتعارف عليها منذ عقود قريبة، كما أدى الانتشار الواسع للإنترنت إلى ارتباط شبه مستمر بالشبكة المعلوماتية لم نكن لنحلم به سابقاً. وأصبحنا اليوم نميل بشكل كبير لمشاركة معلوماتنا الشخصية مع الآخرين، في حين اضطرت قطاعات الأعمال التقليدية إلى إعادة النظر في طبيعة ممارساتها وإجراءاتها للتكيف مع عالمنا الجديد.

ومن الطبيعي أن يسير القطاع الصحي في ركب قطاعات الأعمال الأخرى. لكن على الرغم من استمراره في توظيف التقنيات الحديثة وتطوير أدوية مستحدثة لمعالجة الأمراض الجديدة، إلا أنّ الطريقة التي ندير بها هذه العلاجات لم تشهد سوى تغيّر طفيف نسبياً. فما يزال المرضى حتى الآن يربطون رحلة علاجهم بشكل كامل بزيارة الطبيب الذي يشرع بدوره في اعتماد الأساليب الوخزية، ويسعى لحثهم على إجراء فحوصات طبية متعددة، حيث يعتمد الأطباء بشكل دائم على ذاكرة المريض ومدى صراحة المعلومات التي يشاركها المرضى معهم، علاوة على ذلك، فإنّ المرضى بدورهم لا يتحكمون ببياناتهم الطبية.

لكن لحسن الحظ، ستغير التكنولوجيا الذكية من هذا الوضع بشكل لا يمكن تخيله، ويمكن اختصار سبب ذلك بكلمة واحدة وهي "البيانات".

وفي حين أنّ التكنولوجيا تتطور بشكل حثيث وعلى قدم وساق مع زيادة كم البيانات المتاحة، فقد تم توظيف ذلك في ابتكارات جديدة لتطوير تجربة طرق وأساليب العلاج للمرضى والأطباء على حد سواء، حيث سيساعد توفر هذه البيانات مقدمي الرعاية الصحية على تبسيط الإجراءات والارتقاء بخبرة المرضى، كما سيساعد الأطباء لتطوير ورفع مستوى جودة الخدمات الطبية المقدمة مع الحصول على نتائج أفضل.

البيانات وصحة الفرد

مع انتشار الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية التي يمكن ربطها بالجسم أصبح من السهل على المرضى مراقبة ومتابعة ومشاركة البيانات الطبية. علماً بأنّ هذا الانتشار الكبير للأجهزة الذكية وتطبيقاتها يبشّر ببزوغ عهد جديد من تجميع البيانات وتطبيقاتها الذكية التي تقوم بتتبع نشاط الفرد اليومي ومتابعة تحركات الأعضاء الحيوية، وهذا بدوره سيحفز مستخدمي التطبيقات على اتباع نمط حياة أكثر صحة. وفي الواقع، بدأت شركات التأمين بدروها بتسخير هذه التقنيات الحديثة لصالحها، حيث قامت شركة جون هانكوك بتقديم ساعات آبل الذكية مقابل 25 دولار فقط، وذلك لحاملي بوليصات التأمين التابعة لهم شريطة أن يمارس حاملوها التمارين الرياضية بانتظام للعامين المتتاليين.

ومن المتوقع بحلول العام 2020، أن تصل أعداد الأجهزة الذكية القابلة للارتداء إلى 830 مليون جهاز، وفي الإمارات وحدها من المتوقع أن يصل عددها إلى 14.6 مليون بحلول نهاية العام ذاته.

ومع وجود هذه الابتكارات المتعلقة بمتابعة وتشجيع المستخدمين على مراقبة صحتهم إلى جانب اتخاذ قرارات صحية أفضل، فإنه يوجد لدى المستخدمين الآن سجلات شاملة متعلقة بصحتهم، ما يساعد الأطباء ومقدمي الخدمات الطبية على تشخيص وتقييم المشاكل الطبية بشكل دقيق مع تقديم علاجات أكثر فعالية.

البيانات والصحة المجتمعية

كلما زادت إمكانية الوصول إلى المعلومات الفردية أصبح من الأسهل تتبع الاحتياجات الصحية بشكل أكبر. وستساعد هذه التقسيمات الدقيقة للبيانات على الحصول على صورة أكثر شمولية للكثافة السكانية وتفهم عاداتهم وأسلوب معيشتهم وتطوير صورة أكثر وضوحاً للصحة المجتمعية بشكل عام.

وعليه، فإنّ الذكاء الاصطناعي يمكّن الحواسب الذكية من الاستفادة من هذه البيانات لتحديد المحفزات والتوجهات الرئيسية، ما سيساعد مقدمي الرعاية الصحية على تقديم علاجات استباقية للأمراض. كما سيمكن المستشفيات من تخطيط وإدارة تجربة المريض العلاجية بشكل أفضل، ما ينتج عنه اختصار أوقات الانتظار مع تقديم علاج أكثر كفاءة.

وكمثال على ذلك، قامت شركة العلاج الرقمي أومادا هيلث باستخدام التكنولوجيا الرقمية للمساعدة في علاج مرض السكري، حيث شارك 120,000 مريض بمرحلة مبكرة من السكري في برنامج الشركة الوقائي لفحص نسبة السكر لديهم. وخضعوا لمنهج تدريبي اسشتاري إرشادي سلوكي عبر الإنترنت مدته 16 أسبوعاً، اشتمل على وحدات قياس التغذية والنشاط البدني والاستراتيجيات لتخفيف التوتر العصبي. كانت الدورة فعالة للغاية بسبب تركيزها على رقمنة برامج الوقاية القياسية لداء السكري مع ضمان أنّ التجربة تتمحور حول المريض والتركيز على تحقيق النتائج الفعالة.

البيانات والأدوات الأكثر فعالية

لقد منحتنا التكنولوجيا مجموعة أدوات أفضل. فعلى سبيل المثال، أصبحت روبوتات الجراحة أكثر شيوعاً الآن، والتي تدعم بدورها الأطباء خلال الجراحات الدقيقة وتختصر وقت التعافي للمرضى. وفي الواقع، قطعت الجراحة بمساعدة الروبوت خطوات كبيرة إلى الأمام، ومن المتوقع أن تبلغ قيمة هذه الصناعة 40 مليار دولار بحلول العام 2026. كما ساعدت التكنولوجيا المتقدمة الأطباء على تحليل جزيئات المؤشرات الحيوية للعرق لتحل محل الحاجة إلى اختبارات الدم المتكررة.  

ومع تطور الذكاء الاصطناعي والكم المتزايد من البيانات، فقد ارتفعت جودة العلاج المتاح أيضاً. ففي وقت سابق من هذا العام، طور فريق من الباحثين من مستشفى جون رادكليف في أكسفورد نظاماً معتمداً على الذكاء الاصطناعي للتشخيص، والذي أثبت أنه أكثر دقة من الأطباء في تشخيص أمراض القلب. وبالمثل، فإنّ شركة أبتيلوم، وهي شركة ناشئة توصلت إلى نظام ذكاء اصطناعي يمكنه تشخيص ما يصل إلى 4,000 مريض بسرطان الرئة كل عام قبل أن يتمكن الأطباء من ذلك. وبإمكان هذه الابتكارات إنقاذ المزيد من الأرواح وتقليل تكاليف العلاج إلى حد كبير. ومع الحد من الاختبارات المفرطة ونقص الكفاءة، فإنّ ذلك سيساعد على توجيه صرف الأموال المنفقة إلى تطوير علاجات أفضل وبشكل مبكر.

وكونها سباقة في انتهاز فرص الابتكار على جميع الأصعدة، اعتمدت دولة الإمارات العربية المتحدة مبادرة لإنشاء نظام السجلات الطبية الوطنية الموحدة تحت اسم "رعايتي" لجميع المواطنين والمقيمين في الدولة، على أن يتم تطبيق المبادرة خلال الأعوام الأربعة المقبلة لتغطي كافة المرافق الصحية بالدولة بحلول العام 2021.

وتهدف القاعدة إلى تسهيل انتقال المرضى، وتبادل بيانات السجلات الطبية بين المرافق الصحية الحكومية والخاصة، بما يضمن رعاية متقدمة للمرضى وتوفير الوقت والنفقات، وتحسين مستوى الرعاية الصحية في جميع أنحاء الدولة.

وتتجه دولة الإمارات إلى فضاءات جديدة، بكل ما للكلمة من معنى. فخلال مؤتمر الصحة العربي لهذا 2018، أعلنت وزارة الصحة ووقاية المجتمع عن خططها لبناء أول مستشفى فضائي في الإمارات لعلاج رواد الفضاء باستخدام تكنولوجيا النانو. بما يصب في احتفالات مئوية الإمارات 2071 وبرنامجها الوطني للفضاء، ويعد هذا المستشفى الفضائي الجديد مثالاً رائعاً على مستقبل الطب عن بعد.

ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لك؟

من الواضح أنّ إمكانات الرعاية الصحية الجديدة ستكون هائلة. إلا أنّ التبني السائد لها لا يزال بعيد المنال إلى أن نصل إلى وفورات أكبر في تكاليفها.

في هذه الأثناء، يمكننا كأفراد الاستفادة من التطبيقات والأجهزة الذكية للحصول على فهم أفضل لسلوكنا واتخاذ الخيارات والقرارات الصحية بشأن نظامنا الغذائي ونشاطنا البدني.

كما يمكننا أيضاً اختيار مقدم الرعاية الصحية الذي يركز على وضع تجربة المريض أولاً لضمان الحصول على حلول مبتكرة تمنحنا المزيد من التحكم في العلاج.

في حين يمكن لمقدم الخدمة الجيد جمع البيانات وتنظيمها بشكل يضمن قدرته على تحليلها بفعالية مع ترجمتها بشكل صحيح لتساعد على تقديم خدمات طبية ورعاية صحية أفضل.

ومع التطور التكنولوجي السريع، فإنها فقط مسألة وقت قبل أن ندخل العصر الذهبي للرعاية الصحية. ومن خلال اتخاذ قرارات مبنية على معلومات أكثر اليوم، فإنّ الغد سيكون أفضل عاجلاً غير آجل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!