تابعنا على لينكد إن

تبحث جميع الشركات في هذه الأيام على نموذج عمل ناجح، لكن نموذج العمل ما هو إلا جزء من المعادلة. إذ يُعدّ نموذج التفكير الكامن خلف نموذج العمل بالقدر نفسه من الأهمية، بالإضافة إلى نموذج قياس لكلّ منهما. وبناء على ذلك، نجد أنّ نموذج العمل ونموذج التفكير ونموذج القياس مزيج يسمح بحدوث التحوّل الحقيقي. ويُعد مجال شركات الطيران قصة تحذيرية لما يحدث عندما تقوم الشركات بمحاكاة نماذج أعمال جديدة من دون محاكاة نماذج التفكير المرتبطة بها.

على مدى 40 عاماً كانت شركة ساوث ويست للطيران (SouthWest) قوة مدمرة في مجال شركات الطيران، حيث شكلت فئة جديدة كلياً وسجلاً متتالياً من الربح على مدى 43 عاماً. في منافسة شركات الطيران التقليدية مثل يونايتد (United) وأميركان (American) ودلتا (Delta) التي تملك مجموعة واسعة من الأسعار، وغرف متعددة الدرجات، وأساطيل غير متجانسة، وطرق محورية للطائرات. لكن يكمن ابتكار ساوث ويست بالتركيز على أسعار منخفضة لغرف من درجة واحدة وأساطيل متجانسة وطرق لنقل الطائرات من نقطة إلى أخرى.

ورأى هيرب كيليهر، وهو المؤسس المشارك لساوث ويست، أنّ منافسته ليست مشابهة لأهداف منافسة شركات الطيران الأُخرى، بل يعتبر شركته بديل للنقل سواء سيارات أو باصات أو قطارات، حيث أراد أن يمكّن الناس الذين لا يستطيعون ركوب الطائرات من ركوبها. وبالتالي لم يركز نموذج تفكيره في كيفية حصول الشركة على حصتها من السوق، ولكن على كيفية إنشاء سوق جديدة تماماً للسفر الجوي.

ولم يكن هذا الفرق الوحيد في نماذج التفكير بين شركة ساوث ويست والشركات التقليدية. إذ يقول كيليهر: ” أُخبر الموظفين أننا نعمل في مجال الخدمات، ومن الصدفة أننا نطير بطائرات”. أي بينما تقوم الشركات الأخرى بقيادة طائرات تحمل الناس، تقوم ساوث ويست بخدمة الناس باستخدام الطائرات.

خلال الأعوام الأولى، حاولت شركات طيران أُخرى أن تقوم باستنساخ نموذج عمل شركة ساوث ويست مع إضافة جهودهم  مثل شركة كونتينانتال لايت (Continental Lite)، وتيد من يونايتد (Ted by United)، وسونغ من ديلتا (Song by Delta). ولكن جميع هذه الجهود فشلت، فما كان من شركات الطيران إلا أن ألقت اللوم على سوء التنفيذ. وعندما قامت كونتينانتال بالإغلاق، قال الرئيس التنفيذي غوردون بيثون: “لم يتم تنفيذ النموذج بطريقة منسقة”. ولكن السبب الأعمق لفشل النموذج هو قيامهم بتنفيذ نموذج عمل جديد من دون إرفاقه بنموذج تفكير أو نموذج للقياس.

فكانت شركات الطيران لا تزال تفكر في عملها على أنه تحليق للطائرات بدلاً من كونه خدمة للناس، ولا تزال قلقة حيال الحصول على حصتها بدلاً من التفكير في نمو السوق، ولا تزال تقيس النجاح بناء على مدى استفادتهم من الطائرات بدلاً من كيفية خدمتهم للمسافرين.

في المقابل، قرّرت شركات مثل جيت بلو (JetBlue) محاكاة نظام ساوث ويست بأكمله: نموذج التفكير ونموذج العمل ونموذج القياس. إذ ركزت جيت بلو على الناس أكثر من الطائرات وجعلت مهمتها الرئيسية هي “إعادة الإنسانية مرة أخرى إلى السفر الجوي”. كما تقوم بما هو أكثر من المقاييس المالية المعتادة، وتقوم بقياس قوة ثقافتها وجودة تجربتها. وبالنتيجة، تُعدّ جيت بلو فائزاً منتظماً بجائزة “أفضل أماكن للعمل”، وتقود بهذا ولاء العملاء وهي رابحة باستمرار.

ومنه، عند فشل أمر ما من السهل إلقاء اللوم على سوء التنفيذ، ولكن نادراً ما يُدرك القادة أنّ الفشل يكمن في طريقة تفكيرهم، حيث يعتقد بيثون وغيره من قادة شركات الطيران أنّ نموذج ساوث ويست يتعلق بتخفيض التكاليف، إلا أنّ هذه كانت النتيجة وليس الاستراتيجية. ما كان يجب على بيثون أن يقوله: “لم نكن على استعداد لتقديم الناس كأولوية على الطائرات”. ويُعتبر الدرس المستفاد هو ما كان ينصح به المدير التنفيذي ليونايتد، أوسكار مونوز، إذ سعى لتحويل رد الفعل العنيف نحو رحلة الطيران 3411 إلى “نقطة تحول” بالنسبة للشركة، حيث أصبحت تسعى إلى “وضع العملاء في مركز أي شيء تقوم به”.

ووفقاً لبحث أجراه زميلنا باري، فإنّ نماذج الأعمال التقنية والقائمة على الشبكة العنكبوتية أكثر ربحية ولديها قابلية نمو أسرع وتكون أكثر تقديراً في السوق. فنحن الآن في خضم هجرة جماعية في نماذج الأعمال وانتقال من إدارة الأصول وتقديم الخدمات إلى ابتكار تقنيات وتنسيق الشبكات.

وبما أنّ العديد من الشركات تحاول محاكاة نماذج الأعمال القائمة على الشبكة لشركات أخرى. مثل أوبر (Uber) وأمازون (Amazon) وإيربنب (Airbnb) وباي بال (PayPal). لكن قبل ذلك عليها التعلّم من الأمثلة الخاصة بساوث ويست. إذ نسخ نموذج العمل من دون نسخ نموذج التفكير سيؤدي إلى نتائج محبطة. لذلك عليك أن تغيّر طريقة تفكيرك قبل أن تغيّر ما تقوم بفعله.

وبالنظر إلى الإعلان الأخير الذي قامت به فولكس فاغن أنها تخطط للتفوق على تيسلا (Tesla) في سباق السيارات الكهربائية. قال رئيس العلامة التجارية (VW) أن الشركة سيكون لديها “مزايا تكلفة متنقلة ” بفضل منصة “المكوّن العرضي المعياري” (MQB) (Modularer Querbaukasten)، وهي وحدات معمارية لبناء السيارات.

وعليه، نجد أنّ ما تقوم به فولكس فاغن هو تكرار نموذج عمل تيسلا ولكن مع نموذج التفكير الخاطئ، فهي شركة مصنعة للسيارات تستخدم التكنولوجيا. بينما تيسلا شركة تقنية تقوم بتصنيع السيارات. وربما تقول فولكس فاغن عن سياراتها أنها تملك أجهزة كومبيوتر متطورة، بينما يقول المدير التنفيذي لتيسلا إلون موسك عن نموذج (S) الخاص بالشركة: “إنه عبارة عن جهاز كومبيوتر متطور جداً على عجلات”.

يولّد الاختلاف في نموذج التفكير نماذج قياس مختلفة جداً عن عقلية الشركة المصنّعة، حيث يركّز مجال صناعة السيارات بشكل كبير على قياس التغييرات في النموذج من عام لآخر. في المقابل، عقلية تيسلا التقنية تفكر في عملها على أنه إطلاق لبرمجيات وتنزيلات بدلاً من كونه أعوام النموذج وعدد الشحنات. قال موسك ذات مرة: “معظم السيارات لا تتطور مع مرور الوقت، لكن النموذج أس (S) يتحسن باستمرار”.

كما تُظهر شركة جي إي- جنرال إلكتريك (General Electric – GE) أنّ الشركات القديمة يمكنها اعتماد نموذجي تفكير وقياس مختلفين مع تغييرات في نموذج العمل. إذ قال الرئيس التنفيذي جيف إميلت ذات مرة: “أخذنا قرار تجربة أن نكوّن شركة ذات منصة وشركة تطبيق في الوقت نفسه، ونريد معالجة التحليلات على أنها بالقدر نفسه من الأهمية على مدى العشرين عاماً المقبلة”.

وتُدرك جي إي أنّ نموذج العمل الشبكي يتطلّب مؤسسة شبكية. إذ يركز نائب الرئيس بيث كومستوك على تحويل جي إي إلى شركة ناشئة. كما أنّ جي إي تستخدم مقاييساً مختلفة جداً لشركات منصتها. في حين تُعتبر المقاييس الرئيسية عبارة عن أصول المنصة بدلاً من هامش أو نمو الإيرادات. وهذا يناسب الشركات ذات المنصات، لأنها تقيس القدرة على النمو الأسي أي المتضاعف في المستقبل بدلاً من نتائج التغيير التدريجي في الماضي أو الحاضر.

وفي السياق ذاته، دائماً يوجد طرق تفكير جديدة يمكن إدخالها إلى كل مجال أو وظيفة. على سبيل المثال، معظم تجار التجزئة هم تجار عن طريق التقنية. فمثلاً أمازون هي شركة تمكين تجارية وتقنية. وتجار التجزئة التقليديون مهووسون بالمقاييس التدريجية مثل المبيعات (same-store) المرتبطة بأهداف الشركة. وفي المقابل، توفر 80 في المئة من مقاييس أمازون ردود فعل حول مدى مساعدتها للعملاء على تحقيق أهدافهم.

وفي الختام، تُجبر الثورة التقنية جميع الشركات على الانتقال من نماذج العمل التي تركز على الخدمات والمنتجات إلى النماذج التي تستفيد من الشبكات والمنصات. ويتطلب هذا التحوّل الابتعاد عن قصر النظر واحتضان نماذج تنظيمية جديدة والتخلي عن العادات القديمة، وهي تغييرات أساسية في كيفية تفكيرك والأشياء التي تقيسها. ولكن بمجرد الجمع بين نموذج التفكير والعمل والقياس، ستنجح في هذا التحوّل الرقمي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz