تتعرض بعض القطاعات مثل قطاع تجارة التجزئة إلى اضطراب كبير. إذ يُطلق رواد نماذج الأعمال الجديدة، مثل علي بابا وأمازون، ابتكارات بشكل متتابع وسريع، مثل الطلب عن طريق الصوت والتسعير الآني، وفي الوقت نفسه توسع نطاق عملها وتخفّض أسعارها أيضاً. وتتحول الكثير من مشتريات التجزئة اليوم إلى شكلها الإلكتروني، بالإضافة إلى تزايد عدد المصانع التي أصبحت الآن تبيع منتجاتها إلى المستهلكين مباشرة، ما يعني الاستغناء عن شركات التجزئة تماماً. وما يجعل الأمور أكثر صعوبة هو حدوث هذه التحولات ضمن جميع فئات قطاع التجزئة عملياً، مثل الكتب ومنتجات التسلية والأدوات المنزلية والملابس والأطعمة والخدمات المالية حتى الطاقة أيضاً.

واليوم، يمكن القول أنّ شركات التجزئة الصامدة هي تلك القادرة على التعامل مع هذا الاضطراب كغيره من الأعمال الاعتيادية في قطاع يعتمد على التخطيط الاستراتيجي البطيء. إذ بدأت شركات التجزئة العريقة بوضع استراتيجيات بيع بوتيرة تقارب الوتيرة الآنية التي وضعتها الشركات الإلكترونية المنافسة، وذلك لأن الحل يكون إما بالتكيف مع البيئة الجديدة أو بالتنحي جانباً لإفساح المجال لمنافس قادر على المتابعة.

لاستيعاب التغييرات المتكررة والأساسية الطارئة على نماذج الأعمال، تتبع شركات التجزئة الرائدة، بشكل عام، ثلاثة مبادئ وُضعت من خلال التجربة والخطأ، وغالباً في خضم هذه الاضطرابات. ونستطلع أدناه هذه المبادئ:

تمكين الفرق متوسطة المستوى

في حين يمتاز المسؤولون التنفيذيون بوضع استراتيجيات الشركات، غالباً ما تستغرق الفرق المكونة من موظفي الخط الأمامي من جميع الأقسام المتأثرة بالتغييرات المقترحة الكثير من الوقت لتطبيق هذه الاستراتيجيات ومواكبتها. ولهذا السبب تشكّل شركتي علي بابا وأمازون فرقاً مستقلة متعددة الوظائف وتوزعها عبر شركاتها لاختراع وتقديم المنتجات بطرق جديدة. وتخرج هذه الفرق دائماً بابتكارات تمكّن شركات التجزئة الإلكترونية هذه بتداول منتجات وخدمات جديدة أكثر وأسرع من منافسيها.

تترسخ فكرة تكوين الفرق المستقلة متعددة الوظائف لمواكبة التحديات دائمة التطور عند شركات التجزئة الأخرى التي تركز على المستقبل بعدة طرق مختلفة، إذ تُبقي بعض شركات التجزئة فريقاً داخلياً منفصلاً لتجربة أنظمة محتملة أحدث وأفضل لا تتبع القوانين التقليدية، وذلك بالتوازي مع متابعة العمليات الحالية. في حين ذهبت بعض الشركات الأخرى إلى حد ابتكار حاضنات تقنية خاصة بها، مثل مركز متجر رقم 8 (Store No. 8) التابع لشركة وول مارت، الذي يهدف إلى الاستثمار في الشركات الصغيرة لاختبار التقنيات الجديدة، (مثل تحليل بيانات المتقدم أو طرق جديدة لتقديم المنتجات قبل إحضارها إلى داخل الشركة). ويمكن من خلال دمج هذه العوامل المسببة للاضطراب بعمليات الشركة، لأي شركة تجزئة طرح أسئلة صعبة بسهولة أكبر واحتضان التغيير بسرعة أكبر.

وبمجرد الحصول على إذن “التفكير في ما هو غير متوقع” الذي تمنحه الفرق متعددة الوظائف، تستطيع شركات التجزئة إدراك الآثار المادية على المرونة والتكاليف. على سبيل المثال، من خلال دمج أشخاص من أقسام مختلفة كالمالية والموارد البشرية والمبيعات وغيرها من الأقسام المرتبطة بالمنتجات، استطاعت إحدى شركات التجزئة اكتشاف كيف يمكن للشركة أن تعمل بعدد من الموظفين يقل بمقدار الثلث عن العدد الحالي. لقد صممت مجموعة الموظفين نموذجاً لمتجر جديد كلياً من الألف إلى الياء، باستخدام أساليب منخفضة التكاليف، واختيار أفضل منتجات الشركة، ما خفّض عدد العروض في القائمة الخاصة بها بنسبة 70% وبنسبة الربع في متاجرها. كما قامت المجموعة أيضاً بتبسيط عمليات ومعدات الخروج والدفع وإعادة التخزين.

واستطاع الفريق أيضاً من خلال تبسيط تعقيدات المتجر، خفض تكاليف سلسلة التوريد بنسبة 20%. وبذلك أصبحت الشركة على دراية أوسع بعملائها، (ما هي تفضيلاتهم من المشتريات وطريقة تسوقهم).

تطور شركات التجزئة الرائدة أعمالها التجارية باستمرار ليس من خلال تشجيع الموظفين على التخلي عن الطرق القديمة لفعل الأشياء وحسب، بل بتشجيعهم على التفكير كما لو أنهم ينشؤون الشركة من العدم، واختيار النظام أو الأداة الأكثر منطقية. وتُعتبر هذه الطريقة فعالة بشكل خاص لكون الفرق متعددة الوظائف لا تنتمي إلى قسم معين، وبالتالي تزداد احتمالية إدراكهم، للوقت الذي يُصبح فيه أحد أنظمة تقنية المعلومات القديمة للشركة عائقاً في وجه التقدم، وهي مشكلة شائعة في عمليات تجارة التجزئة على سبيل المثال.

إشراك المسؤولين التنفيذيين في سباقات صغيرة مستمرة

عادة ما تجمع الشركات بين الفرق المكونة من التقنيين ومدراء الوظائف الأمامية لاختبار وصقل مسارات التقدم باستمرار وإزالة العوائق وإبقاء الأمور على مسارها الصحيح. إلا أنّ أفضل شركات التجزئة وجدت أنه يجب إشراك التنفيذيين، بما في ذلك كبار المسؤولين التنفيذيين، بشكل يومي حتى يقبلوا التفكير المتجدد بسرعة، وإلا فإنّ المسائل المطروحة ستبقى معلقة أو سيعود تنفيذ المشاريع إلى الطرق الأكثر تقليدية.

على سبيل المثال: يُلزم المسؤولون التنفيذيون في أمازون بالطموح والتعمق في قضايا العمل. وهذا يعني أنه من المتوقع أن يعملوا بانتظام مع الفرق التشغيلية الصغيرة لحل بعض المشاكل المعينة، وكذلك أيضاً، أن يضعوا استراتيجية الشركة، حيث يتم تقييمهم من قبل الآخرين بناء على قدرتهم على تحقيق التوازن الصحيح بين الأمرين. ومن خلال اتباع هذه الطريقة، تُطور أمازون عملياتها بسرعة مع بقاء القيادة العليا للشركة على اطلاع بما يحصل في الخط الأمامي.

وتُعد إحدى الطرق التي تتحرر فيها شركات التجزئة ذات الرؤية من ثقافاتها المحافظة، هي من خلال إدارة الرئيس التنفيذي لاجتماع أسبوعي غير رسمي مع الفرق المسؤولة عن مشروع معين أو اجتماع متابعة يومي لمدة 15 دقيقة. عندما يدير المسؤولون التنفيذيون هذه الاجتماعات، تتمكن الفرق من طرح أي مسألة سواء كانت صغيرة أم كبيرة والحصول على حلّ لها بدقائق. حتى أنه يمكن حل المسائل المعقدة التي تتجاوز الحدود المؤسسية التقليدية، مثل الحصول على موافقة لتغيير حملة تسويقية من دون استشارة مدير التسويق، أو لاختبار عرض منتج جديد في المتاجر دون الحاجة إلى اتفاق من القسم التجاري وقسم عمليات المتاجر. كما يمكن أن يساعد إشراك المسؤولين التنفيذيين في التحرر من المبادئ أو الإجراءات المتأصّلة بقوة مثل القواعد المتعلقة بكيفية عرض المنتجات.

تمكين الناس من الشعور بالراحة تجاه الفشل بسرعة – بما في ذلك الرئيس التنفيذي  

طورت شركات التجزئة الرائدة القدرة على تغيير اتجاهها بسهولة، حتى على أساس الاختبارات التجريبية. وتُعد الشركات القادرة على فعل هذا بأفضل طريقة هي تلك التي يُحارب فيها الرؤساء التنفيذيون غرائزهم لتجنب الفشل، ويتحملون بدلاً من ذلك المزيد من المخاطر ويتعلمون منها، حتى في أعلى الهرم الإداري في التحديات مؤسساتهم.

قوننت أمازون الفشل من خلال فصل القرارات إلى “أبواب باتجاه واحد” و”أبواب باتجاهين”. وتُعتبر الأبواب ذات الاتجاه الواحد هي القرارات التي يصعب عكسها، مثل قرارات الاستحواذ الكبيرة، حيث يكون من المهم جداً أن يتم التفكير في القرار بعناية أكبر وأن يتم اتخاذه ببطء. بينما تكون القرارات ذات الاتجاهين قابلة للعكس دون أن تكلّف الشركة صلاحيتها، مثل إطلاق منتج جديد أو مثل قرارات التسعير. من المفترض أنه يمكن اتخاذ هذه القرارات بسرعة وذلك بالاعتماد على معلومات محدودة ولا بأس فيها من الفشل. وكنتيجة، يمكن لأمازون أن تتكيف بانتظام مع التيارات وأن تسرع من إطلاق المنتجات.

في بعض الحالات، تقوم شركات التجزئة بإنشاء “متاجر مخبرية” وهي منشآت سريعة الافتتاح والإغلاق صُممت لاختبار فرضيات معينة. على سبيل المثال: افتتحت متاجر نوردستورم (Nordstrom) متجراً أصغر بغرض الاختبار تحت اسم نوردستورم محلي (Nordstrom Local)، حيث يتمكن العملاء في هذا المتجر من تجربة الملابس ثم إرسالها إلى منازلهم في وقت لاحق من اليوم نفسه. وتوفر نوردستورم للعملاء اهتماماً شخصياً وموفراً للوقت من خلال توفير مصممي أزياء شخصيين وخياطين وموظفي الاعتناء بالأظافر في المتجر. ولكنها أيضاً تفعل ذلك بتكاليف أقل من خلال سحب بضائعها من متاجرها الأكبر الواقعة في المراكز التجارية ومن الموقع الإلكتروني عوضاً عن إبقاء البضائع في المستودعات.

لم تقترب ثورة تجارة التجزئة التي بدأت مع تأسيس أمازون قبل عقدين من الزمن أبداً من النهاية. وعلى الرغم من أنّ هذه الفترة كانت مؤلمة، لكن هذا الاضطراب أعطى شركات التجزئة الأسبقية في اكتشاف كيف يمكن تحويل الاضطراب المتواصل إلى طرق جديدة لإطلاق الابتكارات التي تقوّي عمليات هذه الشركة. وإذا اطلع المدراء في الصناعات الأخرى على صفحة من الدليل الإرشادي الخاص بشركات التجزئة، سيصبح التعامل مع الاضطرابات وكأنه طبيعياً بالنسبة لهم أيضاً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!