"الصدق هو الفصل الأول في كتاب الحكمة"، هذا ما قاله يوماً الرئيس الأميركي الأسبق توماس جيفرسون. مع أنّ قول الحقيقة يزدهر في أيام الطفولة بين طلاب المدارس، إلا أنه يصبح أكثر ندرة كلّما تقدم بنا العمر. ولا يمكن اعتبار هذا التراجع في الصدق تصرفاً فطرياً بالضرورة، لأن عدم الصدق هو أمر يمكن تعليمه. ولاحظت أنّ من بين جميع المتّهمين بهذه الجريمة، تُعتبر مراكز التوجيه المهني في الجامعات والكليات من المتاجرين الاستثنائيين بسوء التعليم هذا. إذ تسهم في إيذاء فرص الطلاب بالدخول إلى عالم أصحاب المشاريع الصغيرة من خلال إقناعهم بتقديم إجابات غير صادقة عن الأسئلة الصعبة في المقابلات الوظيفية.

ويُعد واحداً من أكبر المخاطر التي تواجه الشركات الناشئة هو اجتماع بضعة أشخاص أذكياء على أخذ المؤسسة إلى الهاوية، لأنهم غير صادقين مع بعضهم البعض.

ومع ذلك، تواصل مراكز التوجيه المهني في الجامعات عملها في توجيه المواهب الرفيعة لتولّي المناصب ضمن شركات ناضجة ورصينة. وهذه هي الأماكن التي يرجّح أن يكون الناس أكثر صدقاً فيها عند الحديث عن نقاط قوّتهم، مقارنة مع نقاط ضعفهم. وإذا تمكّنت شركة ناضجة مرة من إنقاذ نفسها باتباع ثقافة تقوم على عدم بوح الموظفين بنقاط ضعفهم، لكن هذا الموقف قد يُصيب الشركات الناشئة بمقتل.

ومع ذلك، تظل أهمية هذه الحقيقة البسيطة غائبة عن بال مراكز التوجيه المهني في العديد من الكليات والجامعات. فإضافة إلى الإرشادات المقدّمة حول البنود الأساسية مثل السير الذاتية والرسائل التعريفية المرفقة بها، تقدم العديد من هذه المؤسسات التعليمية نصائح سيئة في ما يخص الإجابة بطريقة مناسبة عن بعض الأسئلة المهمة. لنأخذ مثلاً أحد الأسئلة الشائعة للغاية والذي أطرحه أنا دائماً: "ما هي أكبر نقاط ضعفك؟".
حتى لو سبق لك وأجريت مقابلة واحدة فقط في حياتك لشغل إحدى الوظائف، فإنك على الأغلب سمعت هذا السؤال يُطرح على مسامعك بطريقة أو بأخرى. هل تتذكر كيف كانت إجابتك؟ هل قلت بأنك تعمل بجد؟ أو أنّ لديك نزعة نحو الكمال؟ قل الحقيقة.

تكشف جولة سريعة على مواقع الإنترنت الخاصة بمراكز التوجيه المهني أنّ الطلاب يتلقون التشجيع على تطبيق تلك الحيلة على هذا النوع من الأسئلة. فما هي نتيجة كل ذلك؟ إجابات تركّز على المهارات الأقل عوضاً عن المشاكل أو التحديات الحقيقية.

ويُعد أحد أكثر الاقتراحات التي تعطيها المراكز المهنية إلى الطلاب شيوعاً هو تحويل نقاط ضعفهم إلى نقاط قوة. تنصح كلية بوسطن الطلاب التالي:"حوّلوا نقاط ضعفكم إلى نقطة قوة". على سبيل المثال: بما أنني أميل إلى المماطلة والتأجيل، فقد تعلّمت العمل بصورة جيّدة تحت الضغط كي أنجز دائماً العمل المطلوب مني في الوقت المناسب".

تُعتبر هذه النصيحة مريعة. فإجابات مثل هذه لا تخبرني الكثير حول كيفية مواجهة طالب الوظيفة للتحديات وهي تلمح ضمناً إلى عدم الصدق. كما تشير هذه الإجابات إلى أنّ طالب الوظيفة غير مستعد للوقوف بجرأة والإفصاح عن الأمور التي لا تسير على ما يُرام، وهذا عكس ما تحتاجه الشركات الصغيرة الناشئة.

إذاً، يمكنني القول أنّ إجابات كهذه، هي ما دفعني إلى اتباع النمط ذاته في جميع اللقاءات التي أجريتها مؤخراً مع خريجي الجامعات. فأنا أبدأ بقول الجملتين التاليتين: "انسوا ما علمكم إياه مركز التوجيه المهني حول المقابلات. أريد أن يكون الحديث بيننا حقيقاً وأن تكون الإجابات صادقة، وأعدكم بفعل الشيء ذاته". فإذا ما صدّق طالب الوظيفة كلامي، سيتحسن مستوى الحديث تحسناً هائلاً، ما يمنحنا فرصة عظيمة لنتعرّف على بعضنا البعض بطريقة حقيقية. إذ أنني لا أسعى فعلياً إلى معرفة ما إذا كانت مهاراتهم التنظيمية يمكن تحسينها، أو ما إذا كانوا يجدون صعوبة في تقديم عروض أمام مجموعات كبيرة من الناس. بل أحاول معرفة ما إذا كانوا يتمتعون بوعي ذاتي، وما إذا كانوا قادرين على أن يكونوا نقديين، والأهم من كل ذلك، ما إذا كانوا قادرين على النطق بالحقيقة، حتى عندما يكون ذلك صعباً.

أما مع الذين لا يقتنعون بكلامي، فإنني أقضي غالبية المقابلة محاولاً الغوص في الإجابات المقنّعة لسبر أغوارها. وأغادر المقابلة متسائلاً: من أنتم؟ بل الأسوأ من ذلك هو أنني لن أجد الإجابة عن ذاك السؤال أبداً، لأنهم ببساطة لن يحصلوا على الوظيفة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!