تابعنا على لينكد إن

أكثر من 4,000 شركة تملك جامعات خاصة تشرف عليها، ولعل أشهر هذه الجامعات هي تلك التي تتبع لشركات مثل جنرال إليكتريك، وديزني، وماكدونالدز. حيث أنه الهدف من هذه المؤسسات العلمية هو ترسيخ رؤية الشركة وقيمها وتعزيز المهارات والكفاءات التي تحتاج إليها. وأفضل هذه الجامعات هي تلك التي تمثل ممرات لنقل المعرفة من المحيط الخارجي إليها: فقد قام ستيف جوبز مثلاً بتعيين عميد كلية ييل لإدارة الأعمال لمجلس جامعة آبل، بينما قام جيف واينر بتعيين فريد كوفمان المدرب والمفكر المختص في مجال الأعمال ليكون على رأس قسم التطوير القيادي في شركة لينكدإن. ويقال إنّ بعض أفضل البرامج في هذه المؤسسات ينافس ما يُقدم في كليات الأعمال التقليدية.

ثمة افتراض في مجال التطوير القيادي يرى أنّ الجامعات المملوكة من قبل الشركات تخص موظفيها والعاملين بها، ولكن ماذا لو عرفت أنّ هذه الجامعات مفتوحة لعموم المهتمين بالدراسة بها وليس لموظفيها وحسب؟، صحيح أن هنالك كفاءات داخل الشركات ربما تكون ذات قيمة لأولئك الذين من خارجها، ولكن ماذا لو نجحنا في قلب المعادلة السائدة داخل الجامعات التابعة للشركات؟

جميع الشركات تبحث عن طرق جديدة لاستهداف العملاء وجذبهم. وربما تكون قضية التسويق بالمحتوى هي نقطة البداية، ولكن المقالات والمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي لا تنجح في الوصول إلى مستويات أعمق لانخراط الجمهور المستهدف. وحان الوقت لتغيير الأمور على مستوى جامعات الشركات رأساً على عقب، بحيث يتم دمج التسويق مع التعليم من أجل خلق علاقات تتجاوز مستوى المعاملات التجارية.

وهنالك سوابق لهذه العملية المتعلقة “بقلب” دور جامعة الشركة. فمعهد ديزني الذي يُعتبر مؤسسة تطوير مهني، يعمل مع الشركات من أجل عرض “جانب الأعمال وراء التأثير الساحر للشركة” وتعزيز الكفاءات القيادية ومستوى انخراط الموظفين ومستوى الخدمات، وهي الجوانب التي كانت سر النجاح لشركة ديزني. وتستخدم الشركة الفعاليات والبرنامج والاستشارات من أجل نشر مبادئها التي يرى المعهد أنها أسلوب التفكير الخاص بديزني (#DThink) وذلك للتعامل مع مجتمع يزداد توسعاً على مستوى الأفراد والمؤسسات. ويُعد معهد ديزني مؤسسة منفصلة عن جامعة ديزني، وإن كان مكملاً لدورها، ويرتاده ممثلو ديزني الذي يعملون في مدنها الترفيهية.

وتتّبع شركة ريتز كارلتون وشركة زابوس هذا النموذج. فعبر برامج التدريب والاستشارات يقوم مركز ريتز كارلتون للقيادة بتمكين الشركات من اكتساب الكفاءات التي تؤهلها الوصول إلى مستوى “التميز في الخدمات” الذي تشتهر به مجموعة ريتز كارلتون. ويحظى هذا المركز باحترام كبير في مجاله، حتى أنه دخل ضمن قائمة البرامج الأكثر تميزاً في مجلة “Training Magazine”. أما مركز زابوس إنسايتس “Zappos Insights” فقد تم تأسيسه من أجل “نشر ثقافة شركة زابوس مع العالم” ومساعدة الشركات على تنمية ثقافتها وقيمها الأساسية. إذ يوفر فريق هذا المركز جولات تعريفية داخل المقرات الرئيسية لشركة زابوس، بالإضافة إلى جلسات نقاشية مفتوحة مع قادة الشركة، كما تقدم عروضاً للحصول على نشرات دورية، وبرامج “انغماس متكامل” في ثقافة الشركة عبر فعاليات مباشرة.

تُعد كل من شركة ديزني وريتز كارلتون وزابوس مؤسسات أعمال معنية بشكل خاص بجانب الخدمات، ومع هذا فإنّ النموذج الذي تتبعه هذه الشركات قابل للتطبيق في مجالات أُخرى أيضاً. فعلى مدار عدد من السنوات قامت شركة آي بي أم بإنشاء مركز التدريب القيادي للمدراء التنفيذيين للمعلومات ليكون “مجتمعاً عالمياً يسعى لتطوير هذه المهنة”. وفي وقت تأسيس المركز عام 2007 كانت معظم برامج التطوير القيادي ترتكز على مساعدة المدراء التنفيذيين للمعلومات من أجل أن يكونوا مدراء أفضل في مجال تكنولوجيا المعلومات. أما برنامج آي بي أم فقد ساعد هؤلاء المدراء على أن يكونوا قادة أعمال أفضل. وأهّلهم البرنامج ليكون لهم حضور أقوى وأكثر تأثيراً في المجالس الإدارية في شركاتهم، كما عزز العلاقات مع العملاء الأساسيين لشركة آي بي أم. (وأود أن أشير هنا إلى أنني قدمت استشاراتي لشركة آي بي أم فيما يخص تصميم هذا البرنامج).

وهنالك أيضاً برنامج بي آند جي المهني (P&G Professional) والذي يخدم الشركات العاملة في مجال التنظيف التجاري. فهذا القطاع يُعاني من معدل دوران عال، كما أنّ معظم شركات التنظيف التجارية هي شركات صغيرة نسبياً لا تمتلك ما يكفي من الموارد التي تؤهلها للانخراط في تدريب مكثف. وهذا ما دفع شركة بي أند جي مؤخراً إلى إطلاق جامعتها لتكون “حرماً افتراضياً” يقدم مواد تدريبية تتعلق بتقنيات التنظيف وأفضل الممارسات في هذا المجال.

وتُعتبر فكرة استخدام التعلم لتعزيز العلاقات مع العملاء ليست بالأمر الجديد. ففي العامين 1920-1921 تعرّض المزارعون لضرر كبير بسبب التضخم، وكان المزارعون عنصراً بالغ الأهمية بالنسبة لشركة سيرز-رويبك (Sears-Roebuck)، والتي كانت ما تزال في تلك الفترة شركة عادية إلى حد كبير. وكان المذياع في ذلك الوقت تقنية جديدة، ولكن المزارعين اهتموا كثيراً باقتنائه. وبدأت شركة سيرز بنشر إعلاناتها على الراديو، ولكنها كانت تريد خلق علاقة أكثر عمقاً مع عملائها. وفي عام 1924، أطلق سيرز مؤسسة سيرز-رويبك الزراعية وراديو “دبليو إل أس” (WLS Radio). وكان الهدف من هذه الخطوة مساعدة المزارعين لزيادة إنتاجهم، وتمكنوا بالفعل بفضل ما تعلموه توليد المزيد من الدخل. وهكذا وعبر التركيز على الهدف المشترك نجح سيرز في خلق علاقات متبادلة تجاوزت مستوى الولاء ووصلت إلى مستوى الامتنان.

كما يوجد فرصة كبيرة لتحويل الإمكانات التي تتمتع بها الشركات إلى علاقات متميزة مع العملاء. فتخيل مثلاً لو كان بالإمكان تعلّم تصميم المنتجات من شركة آبل، والمبيعات ومن شركة سيلزفورس (Salesforce)، والإعلام الرقمي من شركة أدوبي، والاستدامة من شركة باتاغونيا (Patagonia)، والتنظيم من شركة “كونتينر ستور”، والإنترنت الصناعي من جنرال إليكتريك، والخدمات اللوجستية من فيديكس، وصناعة العلامة التجارية من نايكي، وبناء علاقات الأعمال من لينكدإن.

لكن لماذا لا تقوم المزيد من الشركات بذلك؟، السبب هو الطلب. فكلما كنت أتحدث مع أفضل العملاء في شركة ما فإنهم يخبرونني بأنهم يريدون تعلم المزيد عما تعرفه الشركة، لكن المشكلة تكمن بأنّ الشركات لا تستغل هذه الفرصة على نحو جيد.

ويعود هذا أساساً إلى الذهنية وطريقة التفكير. فلا أحد يفكر بالتعليم بوصفه استراتيجية لبناء علاقات أكثر عمقاً مع العملاء والشركاء. والأمر الثاني هو زاوية النظر، وذلك أنّ التفاعل مع العملاء غير المرتبطين بشكل مباشر بالمبيعات يُعتبر أمراً غير فعال. والأمر الثالث هو المهارات المتوفرة، فالشركات لا تنظر إلى نفسها باعتبارها “مؤسسات تعليم” أو لا ترى أنها تمتلك القدرة على تقديم تعليم عالي الجودة. أما الأمر الرابع فهو عدم التكامل، إذ نادراً ما تجد تفاعلاً حقيقياً بين مجالي التسويق والتعليم.

وثمة سبب أخير، ألا وهو الثقة. فالشركات تعتقد عادة أنه ليس لديها شيء لتقدمه. حيث أنه قبل بضع سنوات كنت أعمل مع شركة عالمية كانت تحاول القيام بفعالية تستقطب كبار المدراء الماليين. وكانت الشركة أعدت الكثير من الدراسات الفكرية والمقترحات حول كيفية مساعدة المدراء الماليين لأداء مهامهم بشكل أفضل. لكن حين تحدثنا مع المدراء الماليين فجلّ ما كانوا يرغبون في معرفته هو كيف كانت الشركة تدير شؤونها المالية في أفرعها المختلفة حول العالم. وحين نقلنا هذه الرغبة لإدارة الشركة، كان ردها: “حقاً؟ هذا أمر بسيط”.

فحين تفكر بمسألة جامعة الشركة عليك البحث عن المعارف أو الكفاءات التي تتميز بها، والتي يمكن أن تمثل حلاً لمشكلة تتعلق بالتعلم أو الأعمال للعميل المحتمل. وفيما يتعلق بجانب الأعمال فهنالك عنصران اثنان: الأول هو أنّ حلك لمشكلة العميل سيخلق علاقة أكثر عمقاً وسيكون هذا العميل ممتناً لك على مستوى يتجاوز مجرد العلاقة التجارية معك. والأمر الثاني هو أنّ البرنامج الذي يتم تصميمه بالشكل الأنسب سيخلق مزيداً من الأعمال للجهة الراعية له. فعبر مساعدة المزارعين ليحققوا إنتاجاً أكبر كان سيرز يساعد على توفير دخل يمكّن المزارعين من شراء منتجاته. ومن خلال مساعدة شركات التنظيف التجارية لتحقق أرباحاً أكبر، كانت شركة بي آند جي تخلق المزيد من الطلب على منتجاتها. وهكذا نجد أنّ المزج بين المنفعة الاقتصادية والعائد الاجتماعي أمر بالغ الأهمية في استراتيجية الاستقطاب والتفاعل.

وتذكر أنك لست بحاجة لإنشاء جامعة بالمعنى المتعارف عليه للكلمة كي تطبق هذه الاستراتيجية. فقد قامت شركة سيفورا مثلاً بجعل التعلم والتعليم جانباً أساسياً في استراتيجية التسويق والمبيعات وخدمة العملاء لديها، وذلك عبر “ورشة عمل الجمال” والتي تقدم للعملاء نصائح وتطبيقات عملية على الإنترنت وضمن المتاجر. وهذا ما تفعله كذلك شركة “هوم ديبو” (Home Depot) والتي تقدم ورش عمل تطبيقية مجانية في متاجرها بالإضافة إلى توفير عدد جيد من مقاطع الفيديو التعليمية على الإنترنت. وترى كل من شركة سيفورا وهوم ديبو أنّ التعليم يعزز العلاقة مع العلامة التجارية ويخلق المزيد من الطلب على المنتجات. فكلما ازداد لدى العميل مستوى الإبداع والثقة بمهاراته باستخدام مستحضرات التجميل أو البناء مثلاً فإنه سيكون أكثر رغبة في شراء المزيد من المنتجات ضمن هذه المجالات.

من المهم في هذا العصر الرقمي أن تقوم الشركات ببناء نطاق علاماتها التجارية مع علاقاتها القائمة مع العملاء بشكل يتجاوز مستوى المعاملات التجارية الفردية. فمن الضروري أن تقوم هذه العلاقة على أكثر من مجرد عرض القيمة وصافي نقاط الترويج. فمن منا لا يذكر الأساتذة الذين تركوا أثراً عظيماً في حياتنا؟ كما أننا ما نزال حتى الآن نحب تلك المدارس والكليات التي نشأنا بها وساعدتنا للوصول إلى ما نحن عليه اليوم. إذن، لقد حان الوقت للدمج بين التسويق والتعليم من أجل خلق علاقات أكثر استدامة وعمقاً مع العملاء.

هنالك مثل يقول: “إنك إن بعت شخصاً سمكة فإنك ستطعمه ليوم واحد، ولكن لو علمته الصيد فإنك ستضمن عدم حاجته للطعام طوال حياته”. وفكرة الجامعة والتدريب العملي من قبل الشركات ينطلق من المبدأ نفسه، ولكن بتغيير طفيف، وهو أنك إن كنت تبيع أدوات الصيد وعلمت مهارة الصيد للآخرين فإنك ستضمن عملاء لمصلحتك طوال العمر.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz