تابعنا على لينكد إن

لدي صديق يعمل مديراً تنفيذياً في مؤسسة عالمية. وهو غاية في الذكاء والاندفاع، لكنه مشتت دائماً. فتجده يُجري عدة محادثات على مواقع التواصل الاجتماعي (تويتر وجيميل وفيسبوك) في آن معاً. مع أنّ معظم هذه المحادثات مفيد بطريقة أو بأُخرى، إلا أنه يعلم في عقله الباطن أنّ هناك أهدافاً أكثر أهمية يجب عليه تحقيقها. وتمرّ الأيام ويجد نفسه يستمر بالعمل طوال عطلة نهاية الأسبوع ليستطيع إكمال ما تراكم عليه، حتى أصبح يسهر طوال ليل يوم العطلة لساعات الصباح الباكرة من أول يوم في الأسبوع بشكل دائم. قال لي، وهو يتفقد هاتفه مرة أُخرى، أنه أصبح يفتقد للحياة الاجتماعية. وساء الأمر لدرجة أنه طلب من مساعده التنفيذي قطع اتصال الإنترنت عن كمبيوتره في المكتب، لكن لا تزال هناك طرق كثيرة جداً للاتصال مجدداً. وعندما كان يصارع لإنهاء مشروع مهم جداً قام أخوه باحتجاز هاتفه النقال وتركه في فندق لا يوجد فيه اتصال بالإنترنت. ومع ذلك، حتى في ذاك المكان، استطاع إيجاد طريقة خلال 10 دقائق للاتصال بالإنترنت عن طريق جهازه الخلوي القديم (نوكيا) وتفقد بريده الإلكتروني. وفي النهاية استطاع أن يُنهي مشروعه بعد ثمانية أسابيع، فيما يمكننا تسميته احتجازاً إفرادياً.

لماذا يسهل على الأذكياء صرف انتباههم عن الأمور الهامة حقاً؟

ليست مواقع التواصل الاجتماعي سبب مشكلة تشتيت الانتباه، إنما وبحسب دراسة أجراها الأستاذ كليفورد ناس في جامعة ستانفورد، يتعرض الأشخاص الذين يعملون بصورة كثيفة على عدة مواقع للتواصل الاجتماعي في وقت واحد، أو كما يسمى “تعدد المهام”، لتدخل محفزات من بيئات بعيدة عن بيئة عملهم أكثر ممن يقومون بذلك بصورة بسيطة. إذ يقود تعدد المهام بكثافة إلى تفاقمه وتزايد كثافة العمل بهذه الطريقة، لأنه يؤدي إلى “تخفيض القدرة على فلترة الأمور الدخيلة”. فهل يمكن أن يتسبب ذلك بضمور القسم الذي يعمل على التفكير التأملي العميق من دماغنا؟

لن يكون لكل هذا أي أهمية لو كان ارتباط الجهد والنتيجة مباشراً. لكننا نعيش في عالم لا قيمة فيه إلا للقليل من الأشياء الاستثنائية. هذه فكرة غير متوقعة. ولكن في النهاية، تبدو فكرة أنّ 50% من النتائج المثمرة تأتي مما يقارب الـ50% من المجهود أمراً عادلاً. إلا أنّ هناك أبحاث أُجريت على العديد من المجالات ترسم صورة مغايرة تماماً.

في تسعينيات القرن الثامن عشر، راقب عالم الاقتصاد المشهور فيلفريدو باريتو هذا النمط غير المباشر في إيطاليا. ووجد أنّ 20% من الناس يملكون 80% من الأراضي. وبعد ذلك بفترة طويلة، أطلق جوزف موزس جوران، أحد مؤسسي حركة الجودة، اسم “مبدأ باريتو” على هذه النظرية (قاعدة 20/80) وطبقها على مجالات غير اقتصادية. ودعاها “قانون القليل الأساسي” في دليل مراقبة الجودة. وكانت ملاحظته تقول أنه بإمكانك تحسين جودة المنتج بصورة كبيرة جداً عن طريق معالجة جزء صغير جداً من المشكلة. ووجد أذناً صاغية في اليابان، حيث كانت البلاد هناك تقوم بإنتاج بضائع منخفضة الكلفة والجودة. وبتطبيقهم عملية الجودة هذه أصبحت عبارة “صنع في اليابان” ذات معنى جديد كلياً. وتدريجياً أدت ثورة الجودة إلى نهوض اليابان كقوة اقتصادية عالمية.

يمكن تطبيق مبدأ تمييز “الكثير عديم الأهمية” من “القليل الأساسي” على كل عمل من أعمال البشر. وهذا ما فعله بصورة مقنعة جداً ريتشارد كوتش، مؤلف عدة كتب عن طريقة تطبيق “مبدأ باريتو” (قاعدة 20/80) في الحياة اليومية. وبالفعل، يمكننا رؤية الأمثلة في كل مكان.

فكّر بالمخترع سير إيزاك بيتمان من مدينة شورتلاند، الذي اكتشف أنّ اللغة الإنجليزية تتألف من 700 كلمة فقط (وهو الأمر الذي أكده قانون زيف لاحقاً). وكذلك ناثان مايرفولد، رئيس قسم التكنولوجيا الأسبق في مايكروسوفت، الذي قال: “يُصبح أفضل مطوري البرامج أكثر إنتاجية عن المعدل ليس بعشرة أضعاف ولا مئة ضعف ولا حتى ألف ضعف، بل بعشرة آلاف ضعف”. وكرر ذلك لي شخصياً في مقابلة خاصة من أجل هذا المقال. ربما يكون كلامه مبالغاً فيه، لكنه لا يزال يؤكد فكرة أنّ الجهد والنتيجة لا يرتبطان بعلاقة مباشرة.

ستصبح لدينا مجموعة جديدة من السلوكيات الغريزية بمجرد التخلي عن منطق (50/50). وسنبدأ بالبحث في بيئاتنا عمّا هو أساسي حقاً، ونسارع في إلغاء الكماليات. وسنرفض 100 مشروع من أجل الموافقة على المشروع الوحيد الذي نبحث عنه بالتحديد.

فكّر بفلسفة وارن بافيت التي اقتبستها ماري بافيت وديفيد كلارك في كتابهما “الحكمة من وارن بافيت”. يرد في الكتاب: “لا يجب عليك أن تنجح سوى بالقليل من الأمور في حياتك، طالما أنك لا تفشل بالكثير. وجد وارن في وقت مبكر من حياته المهنية أنه من المستحيل أن يقوم بمئات القرارات الناجحة في الاستثمار، لذلك قرر أن يستثمر فقط في العمل الذي كان واثقاً منه تماماً، وراهن عليه بقوة. ويعزي 90% من ثروته إلى عشرة استثمارات فقط. ففي بعض الأحيان يكون مالم تفعله مهماً بقدر ما تفعله”.

قُم بما يلي:

أنصحك بقائمة أعمال بسيطة للبدء.

  • قبل مغادرة المكتب اليوم، اكتب أهم 6 أمور أولوية للغد على ورقة. واشطب آخر 5 أمور.
  • اكتب الأمر الأهم على ورقة ملاحظات لاصقة وضعها على جهاز الكمبيوتر خاصتك.
  • خصص 90 دقيقة في جدول أعمالك للعمل على الأولوية الأهم، ويفضل أن تكون أول ما تفعله في بداية يومك.
  • في كل مرة تقبل فيها على تفقد بريدك الإلكتروني أو مواقع التواصل الاجتماعي، قم بكتابة الأمور التي ستقوم بها لأجل ذلك.

يمكن أن يكون التأثير التراكمي لهذا التغيير الصغير عميقاً. وبالفعل، تلقيت للتو رسالة على بريدي الإلكتروني من مدير تنفيذي بشأن أحد أفراد فريقه لديه نزعة للقيام بكل شيء. والمثير للانتباه أنّ هذا الشخص هو أكثر أعضاء الفريق إنتاجية، لكنه تعلّم عندما كان شاباً أن يتغلب على نزعته هذه. لم يتعلم معظمنا ذلك بما يكفي، لكن بإمكاننا تعلمه.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

1 تعليق على "تعدد المهام سبب التشتت في العمل"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
Dapody
Member
Dapody
8 شهور 1 يوم منذ

مقال شيق جدا .. موضوع التركيز من الأشياء الضائعة في الوطن العربي

wpDiscuz