تميل التطورات التكنولوجية إلى تصدر مشهد الرعاية الصحية، في حين يُنظر إلى التحليلات التنبؤية والتطبيب عن بعد والسجلات الصحية الإلكترونية على أنها بحق القوة التحويلية في مجال تقديم الخدمات الصحية.

ولكن كل ما سبق ليس الأمر الوحيد، إذ أنه في مستشفى روتردام للعيون، وجد مدراء المستشفى من خلال برنامجهم المستمر المتصل بتطوير الأفكار الجديدة أنه يمكن لأمور أُخرى غير متصلة بالتكنولوجيا القيام بتحسين الرعاية الصحية أيضاً، إذ أدت تدابير بسيطة مثل بناء موقع إلكتروني أكثر ذكاء، واستبدال الإضاءة الفلورية القاسية بإضاءة ودية أكثر وأرضيات المشمع الباردة بأرضيات من الخشب وإعطاء أطباء الأطفال وطب عيون الأطفال قمصان متطابقة إلى تخفيف مخاوف المرضى بشكل كبير. وتُعتبر عملية معالجة مخاوف المرضى أمراً مهماً نظراً لأن الخوف يُصعب من جراحة العين، بل ويجعلها مستحيلة. علاوة على ذلك، يؤدي تقليل خوف المرضى إلى زيادة رضاهم.

حالياً، بات لدى مستشفى روتردام للعيون إجراءات متكاملة غير متصلة بالتكنولوجية، مثل كيفية إجراء المحادثات مع المرضى. لدى المرضى خوف عميق للغاية من جراحة العيون، ويريدون بطبيعة الحال مناقشة ظروفهم وخيارات العلاج مع أطبائهم. ولكن عند اطلاع فريق تطوير الأفكار الجديدة في المستشفى على تلك المحادثات، أدركوا بأن لكل مريض طريقة محادثة مختلفة. ورأى الفريق (الذي ضم أحد مؤلفي هذا المقال) أنّ معظم المرضى ينتمون إلى واحدة من أربع فئات وهي: مرضى “جوجل”، وهم من يهمهم المعلومات. والمرضى المهيمنين، والذين يرغبون أن يكونوا مسؤولين بحزم عن تفاصيل حالتهم. والمرضى الهادئين، الذين سيقولون بأنّ كل شيء سيكون على ما يرام، حتى عندما لا يكون كذلك. والمرضى العاطفيين، الذين يريدون الحصول على الطمأنينة من مقدمي رعايتهم الصحية أكثر من أي شيء آخر.

بعد إجراء الأبحاث عن الطرق المختلفة التي يستجيب بها الناس للخوف، قام مدرب فريق تطوير الأفكار الجديدة بتدريب موظفي المستشفى على محاولة رؤية مجموعة الإشارات اللفظية وغير اللفظية الفريدة التي تميز سلوك المريض ومن ثم محاولة وضعه بناء عليها ضمن فئة من الفئات المذكورة أعلاه. وبعد ذلك، العمل على تقديم الاستجابة المناسبة (انظر قسم “تحسين محادثات مقدمي الرعاية مع المرضى”).

تحسين محادثات مقدمي الرعاية مع المرضى

يتفاعل المرضى بشكل مختلف ضمن المحادثات المتصلة بمشاكلهم الطبية وخيارات الرعاية المتوفرة لهم. ويقع المرضى ضمن واحدة من أربع فئات، ويتصرف شخص ما في حالة ضمن فئة ما، وفي حالة أُخرى ضمن فئة ثانية.

مرضى “جوجل”

أكبر مخاوفهم: عدم اليقين والخوف من السلوك غير العقلاني للآخرين.

الأعراض: يعرفون سجلاتهم الصحية ويعتقدون أنهم يعرفون سبب أعراضهم ويطرحون أسئلة تؤكد وجهة نظرهم. وإذا لم يتم تأكيد وجهة نظرهم تلك، فقد يشككون في رأي مقدم الرعاية. وفي حال تلقوا معلومات غير كاملة أو غامضة أو متناقضة، ينتابهم الغضب.

هؤلاء المرضى مباشرون، وحركاتهم قليلة ويسيطرون على إيماءاتهم. سيصافحونك بشكل موجز وبطريقة تقترح قيامك بأخذ زمام المبادرة. ويتكلمون بهدوء وبرتابة ويميلون إلى التوقف أثناء الحديث وسينظرون في بعض الأحيان بعيداً خلال المحادثة، كما لو كانوا يفكرون.

الوصفة الطبية: توفير معلومات واضحة ومرتبة وإعطاء المريض معلومات مفصلة خلال التشاور سواء في البروشورات أو في موقع الويب. ويجب أن تكون المعلومات شفافة ومتصلة بالنتائج والمخاطر الطبية.

المرضى المسيطرون

أكبر مخاوفهم: الظهور بمظهر الضعفاء.

الأعراض: يغضبون إذا طُلب منهم القدوم عدة مرات. ويكرهون الجلوس في غرف الانتظار وغالباً ما يكونون عديمي الصبر. ويسيرون بشكل هادف وسريع، ويستخدمون وقتهم وحركاتهم وكلماتهم بكفاءة. ويصافحونك بطريقة قصيرة وقوية، ويتكلمون بصوت عال وبسرعة، ويبقون كل شيء وجيزاً ولكن شاملاً، ويحاولون الوصول إلى صلب الموضوع على الفور.

الوصفة الطبية: تطوير عملية تعيين موعد فعال ونظام علاج يقدم الخدمات في الوقت المحدد في ساعات مريحة للمريض. والقيام بالتواصل الصريح مع المريض وتخطي الحديث الاجتماعي.

المرضى الهادئون

أكبر مخاوفهم: التغيير.

الأعراض: يكرهون إعطاء ردود فعل سلبية لمقدمي الرعاية لدرجة أنهم يميلون إلى تغليف اقتراحاتهم في قصة أو مثال. ويحييون بشكل مقتضب بأيديهم ويصافحونك بهدوء. ويتكلمون بنعومة وبشكل متناغم.

الوصفة الطبية: لا تأخذ “نعم” أو “جيد” على أنها إجابة، وتابع طرح الأسئلة حتى عندما يقولون إنّ كل شيء على ما يرام. ابحث عن مناسبات لإجراء محادثات فردية معهم لأن هؤلاء المرضى لا يحبون أن يكون مركز الاهتمام في المجموعة.

المرضى العاطفيون

أكبر المخاوف: الشعور بالوحدة والإهمال.

الأعراض: كثيرو الحركة ويقومون بحركات درامية وذلك باستخدام كامل الجسم. يصافحونك لبعض الوقت وربما يربتون على كتفك. ويتكلمون بصوت عال، وبسرعة، وغالباً ما يكون بصوت متناغم. وتكون المحادثات الصغيرة معهم مهمة بالنسبة إليهم: البدء بمقدمة لتحديد طبيعة العلاقة، وبعد ذلك تفسير سياق مشكلتهم.

الوصفة الطبية: قضاء بعض الوقت في الحديث الاجتماعي وبناء علاقة شخصية. وخلال فترة العلاج، طمأنة المريض أنّ كل شيء يسير على ما يرام وبأنّ مقدمي الرعاية يقومون بالأبحاث لحل تلك المشكلة.

المصدر: مشفى روتردام للعيون

ومن جانب آخر، يتصرف المرضى وأحبائهم بشكل مختلف ضمن الأوضاع المختلفة. فقد يكون الشخص هادئاً كمريض ولكنه يشعر بالحاجة للسيطرة على الغرفة إذا كان يحاول معرفة ما يخطط الأطباء لأمه المسنة. أو عندما يكون عملية تشخيصه صعبة، فقد يتحول من كونه مريض “جوجل” إلى مريض عاطفي. وبالنظر إلى قيام الناس في بعض الأحيان بالانتقال ما بين فئة وأُخرى، من المهم للطبيب البقاء على اطلاع بالإشارات اللفظية وغير اللفظية للمرضى، إذ يمكن أن يشير التغيير إلى أنّ المريض خائف أو شاعر بالعجز. وفي كلتا الحالتين، من الأهمية بمكان أن يستجيب مقدم الرعاية بشكل مناسب.

بات عمر البرنامج الآن سبع سنوات، وتم فيه تدريب مجموعة اختبارية عام 2010، ويجري تدريب جميع الموظفين سنوياً. ويستغرق التدريب يومين في اليوم الأول، يتعرف المشاركون على أنواع المرضى المختلفين ويكتشفون إلى أي نوع ينتمون، وفي اليوم الثاني يحاولون ضمن مجموعات صغيرة معرفة كيف يمكنهم التعرف على باقي الفئات والاستجابة لها. ثم يعود المشاركون إلى وظائفهم ويتم دعوتهم إلى تطبيق ما تعلموه. وبعد مرور أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، يجتمع المشاركون ويشاركون تجاربهم.

ويتم إلى جانب التدريب السنوي مراجعة فئات المرضى في كل اجتماع موظفين صباحي عبر لعبة تتضمن أيضاً أسئلة حول قضايا مثل الوقاية من العدوى وسلامة الأدوية وقوائم المراجعة. ويتمثل الهدف مما سبق في مناقشة الموضوعات الحالية والقضايا الصعبة بطريقة مسلية وقابلة للوصول إليها. وللتأكد من بقاء المعلومات التي تم توليدها من البطاقات واللعبة عالقة في الذاكرة، ويتم تشارك النتائج مع المجموعة صباح اليوم التالي.

وبعد كل برنامج تدريبي، يتم إجراء مسح لمقدمي الرعاية الذين شاركوا وذلك سنوياُ وعلى مدار عدة سنوات. وفي عام 2016، أعطى موظفو مستشفى روتردام للعيون الدورات التدريبية السنوية علامة 8.7 من أصل 10، وقال 99% من المشاركين إنهم سيوصون بالبرنامج لزملائهم. وقال 96% أنهم يرغبون في حضور دورة تدريبية للمتابعة.

أخبرنا العديد من موظفي المستشفى بأنّ هذه الجلسات مفيدة. وقال أحد المرضى الطبيين: “بفضل التدريب السنوي، أصبح لدي الآن عدد أقل من المرضى صعبي المراس نظراً لأنني بت قادراً على التعرف على علامات الخوف ومعرفة كيفية الاستجابة”.

أظهرت فوائد هذه الطريقة أيضاً قدرتها على تحقيق مستويات رضا مرتفعة بين المرضى. ففي عام 2016، أجرت شركة “ميديكيست” (MediQuest)، وهي شركة أبحاث مستقلة، مسحاً شمل 850 مريضاَ في مستشفى روتردام للعيون لمعرفة درجة رضاهم. وطلب المسح منهم الإشارة وفق مقياس من 0 إلى 10 (كان 0 مستبعدا جداً و10 من المرجح جداً) باحتمال التوصية بالمشفى إلى العائلة والأصدقاء. تم طرح نسبة المرضى الذين أجابوا بين 0 و6 من النسبة التي أجابت بدرجة 9 أو 10. وفي عام 2016، تلقت الرعاية الخارجية للمرضى في المستشفى نسبة 54.7%، وهي واحدة من أعلى النسب من بين 31 مستشفى هولندي تم إجراء المسح فيها (بلغ متوسط جميع مؤسسات الرعاية الصحية المشاركة 42.7%). وفيما يتعلق بالرعاية في المستشفيات، حصل مستشفى روتردام للعيون على نسبة 70.7% من المستشفيات (كان متوسط عدد المستشفيات التي شملتها الدراسة الـ39 هو 42.2%).

يختلف هذا البرنامج عن العمل التقليدي لتطوير الأفكار كون تأثيره الإيجابي يتجاوز بكثير “العميل”. كما أدت الدورات التدريبية السنوية لتحديد فئات المرضى إلى تحسين كيفية عمل الموظفين مع بعضهم البعض.

قالت إحدى الممرضات: “علمني التدريب كيفية تقديم الملاحظات لزميلة مهيمنة، وأعجبها ذلك. كنت أظن أنّ الحديث عن صلب الموضوع كان وقحاً، لكنه كان تصوري”.

نجح هذا البرنامج بشكل جيد جداً في مستشفى روتردام للعيون لدرجة أنه في عام 2014 قرر “دار ايرشوف” (Irishof)، وهو دار تمريض خاص للمسنين ضعاف البصر، اعتماد النظام. كما استخدم المنزل الذي يديره زورغارتنرز ميدن-هولاند (Zorgpartners Midden-Holland) نفس الفئات ولكن مع توسعتها لتشمل تفاصيل حول كيفية تعامل هذه الأنواع الأربعة من المرضى مع الحزن وتدهور الصحة، وأحب مقدمي الرعاية فيه هذا البرنامج.

يقوم مركز إعادة التأهيل الذي يديره زورغارتنرز ميدن-هولاند حالياً باختبار النظام، حيث يريد المركز تصميم برامج تحفيزية مفصلة وفق احتياجات المريض، مع الأخذ بعين الاعتبار كيف يؤثر الهذيان والخرف على المرضى المختلفين. كانت النتائج الأولية (للمرضى والموظفين) واعدة جداً. وقال جميع المشاركين إنهم سيوصون بالبرنامج لزميل، ويرغب 99% من مقدمي الرعاية المدربين في حضور برنامج المتابعة.

أدرك الأطباء، منذ أيام الإغريق القدماء أنّ الشخصية تلعب دوراً هاماً في صحة الإنسان. وكتب أبقراط نفسه ذات مرة، “من المهم أن نعرف نوعية الشخص المريض بدل معرفة نوعية المرض التي لدى الشخص”. وفي هذا العصر الذي يركز على التكنولوجيا، من السهل أن ننسى أنّ هناك أوقات يمكن فيه للبشر إعطاء بعضهم البعض ما هم في أمس الحاجة إليه.

وقال طبيب عيون: “اعتقدت دائماً أنه كلما تم تقديم معلومات أكثر، كان ذلك أفضل. أما الآن فأعلم أنّ هذا مفيد فقط لبعض المرضى، في حين يصبح مرضى آخرون أكثر خوفاً وخشيةً عندما أقول لهم ما سيحدث”.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!