بقلم ميغيل خاورغيزار، الأستاذ في معهد إمبرسا للأعمال

لقد كُتب الكثير حول إدارة المخاطر، وما يزال من المرجح أن يؤجج هذا الموضوع المزيد من الجدال الأكاديمي ويلهب ممارسات الأعمال لعقودٍ مقبلة. وبالفعل، فإن الجهود التي تبذلها المؤسسات المالية التي تمثلها معايير لجنة بازل خير تمثيل كانت هائلة، لكن إذا أردنا أن نتجنب وقوع أزمة شاملة في المستقبل، فإنه ينبغي معالجة المخاطر الناشئة الأكبر والأكثر تعقيداً.

وفي هذا السياق، يمكن أن تظهر فرصة لمواجهة تحدياتٍ مثيرة، في مجالٍ محددٍ مثل التمويل الإسلامي على سبيل المثال.

فبالنسبة للمؤسسات المالية التقليدية فإن الجمع بين طريقة معايير COSO/ISO31000 في إدارة المخاطر وقواعد نظام بازل للمخاطر التشغيلية يُعدّ عموماً ممارسة جيدة ستتيح للمؤسسة أن تقدّم أداءً أفضل الآن وفي المستقبل، وأن تحسب أيضاً متطلبات رأس المال ومدى توافقها مع الجهة الناظمة لعملها.

وهناك منهجية متّبعة على نطاق واسع في إدارة المخاطر المالية تقوم بتفسير جميع عوامل المخاطرة -التي يجري تجميعها عادةً على أساس المصدر: السوق والائتمان والسيولة- وتحدّد العمليات المرتبطة بها، ومن ثم تنظمها من أجل وضع إطارٍ منظمٍ في خطوطٍ دفاعية. وهذا هو جوهر المخاطر التشغيلية. حيث وصل القطاع المصرفي إلى هذا الإطار بعد سنواتٍ عديدة من التجربة والخطأ، وللأسف، مع بعض الأزمات التي تهدد النظام فيما بينهما.

وهذا المخطط ليس على هذه الدرجة من التطور في مجال التمويل الإسلامي. فأولاً، لم يكن هناك الزمن أو الحجم الكافيين للوصول إلى هذه الدرجة من الخبرة في مختلف المنتجات والاختصاصات والسيناريوهات لبناء الهيكلية من الأساس إلى القمة. وثانياً، هناك عوامل ومصادر معيّنة للمخاطر مرتبطة بتطبيق الشريعة (نحو: تحريم الربا، وبيع الغرر، والميسر)، التي يشرف عليها في المؤسسات المالية الإسلامية ويصححها المجلس الشرعي.

وإطار العمل اللازم لإدارة المخاطر بصورة متجانسة ومتطورة هو نموذج خطوط الدفاع الثلاثة. حيث يكون الحاجز أو خط الدفاع الأول ضد المخاطر على مستوى الإدارة التشغيلية الأساسية، أي الضوابط والاختبارات اليومية التي تُرفع إلى مديري الوحدة.

ويتكوّن خط الدفاع الثاني من جميع الوظائف والعناصر التي تتضمن المخاطر المحددة في مختلف وحدات العمل، وتُرفع إلى الإدارة العليا ومجلس الإدارة. أما خط الدفاع الثالث فهو التدقيق الداخلي المستقل للغاية ويُرفع إلى مجلس الإدارة فقط. ويُنظر إلى المنظمين والمدققين الخارجيين على أنهم هيئات أفقيّة يمكن اعتبارها في بعض الحالات خطوط دفاع إضافية إذا كان أداؤها جيّداً للغاية.

وإذا طورت المؤسسات المالية الإسلامية إطار عملٍ لإدارة المخاطر، فإنها سوف تستفيد من التجربة السابقة للمؤسسات المالية التقليدية فيما يخص مصادر المخاطر الشائعة المشتركة، مثل المخاطر المتعلقة بأسواق رأس المال. والأمر الأكثر إثارةً هو أن التفكير في المجلس الشرعي على أنه خط الدفاع الرابع سوف يتيح الانسجام المثالي لمواصفات المؤسسات المالية الدولية.

وبالفعل، يترافق نمو كل خط إضافي من خطوط الدفاع مع المزيد من الاستقلالية والكفاءة المهنية واتساع المعرفة والرجوع إلى سلطة أعلى، إضافةً إلى درجة أكبر من عدم الموضوعية وتعقيد المخاطر التي تنطوي عليها. ويبدو أن ذلك يتناسب بصورة جيدة مع الالتزام بأحكام الشريعة، حيث أنه من المهم للغاية تقديم أداء لا تشوبه شائبة، وهذا من شأنه أن ينعكس جيداً على التسلسل الهرمي.

وعلى الجانب الآخر، قد تبدو إقامة وظيفة شرعية منفصلة مجرد إضافة خطّ دفاعٍ آخر إلى النموذج التقليدي. ولذلك فإن ترابط الوظيفة الشرعية مع بقية الخطوط وتغذيتها الراجعة -خصوصاً مع الخط الأول- سوف يكون في غاية الأهمية: وهذا هو أحد التحديات التي يواجهها التمويل التقليدي اليوم، إضافةً إلى ما يخص البيئة والمجتمع والحوكمة.
وفي نهاية الأمر، يُعدّ اتباع الموظفين والمديرين المنهج الشرعي من وجهة نظرٍ تشغيلية أمراً مفيداً على عدة مستويات: إذ أن جمع المعلومات حول الحالات التي تخالف أحكام الشريعة في المؤسسات المالية الدولية المختلفة وأسباب عدم الالتزام بها سوف يطوّر إدارة المخاطر التشغيلية في مجال التمويل الإسلامي -حتى في ظل أحكام متنوعة من المجالس الشرعية المختلفة- إذ أنه سوف يوفّر المدخلات التي هي في أمسّ الحاجة إليها من أجل التقديرات المستقبلية لمختلف المؤسسات المالية الدولية. ويمكن أن يكون في نهاية المطاف أساس قاعدة البيانات العابرة للحدود لتقدير المخاطر التشغيلية المتعلقة بالالتزام بالشريعة.

وسوف يندمج هذا النموذج بسهولة ضمن أفضل الممارسات الحالية في مجال التمويل التقليدي، ويوفّر الإرشادات لفهم مواصفات التمويل الاسلامي بطريقة أسهل. ومن شأن ذلك أن يجلب أوجه التشابه إلى وظائف البيئة والمجتمع والحوكمة التي يُرجح أن تبدأ في الظهور بطرق مشابهة في مجال التمويل التقليدي، إذ أن المجتمع أكثر التزاماً بكثير بشأن الآثار المترتبة على الحوكمة في المؤسسات المالية. وأخيراً، فإنه سيكون ذا قيمة بالنسبة للجهات الناظمة، خصوصاً في البلدان غير الإسلامية.

أصبحت الحوكمة الأخلاقية في إدارة المخاطر في عالم ما بعد الأزمة المالية العالمية، مجالاً يلقى المزيد من الاهتمام ويضم الكثير من الفرص. وفي ضوء أُطر العمل المطبّقة عالمياً، من الممكن جداً أن يكون هناك مكان يلتقي فيه مجال التمويل التقليدي الذي يعمل من القاعدة إلى القمة، مع مجال التمويل الإسلامي الذي يسير من الأعلى إلى الأسفل ويتفقان على وضع أهداف وإجراءات حيادية، ما يؤدي إلى تحسين الطريقة التي تنعكس فيها المطالب الأخلاقية للمستثمرين على إدارة المصارف.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!