كثيراً ما نجد أنفسنا في نقاش مع أفراد من مؤسسات كبيرة، لنعرف كيف يمكن أن يكون الموظف أكثر ابتكاراً وأكثر قدرة على ريادة الأعمال. وفي كل مرة تقريباً نسمع إجابة من هذا القبيل:

"تتكون لدي فكرة لمنتج جديد (أو عملية أو نظام أو برنامج أو غير ذلك). ولكني لست متأكداً تماماً إن كانت ستنجح أو لا، ولكني أعلم أنها في حال نجحت ستؤثر بشكل كبير على المؤسسة. كما أنّ هذه الفكرة لا تقع ضمن النطاق المعتاد لعملي، ولذلك فإني بالتأكيد لا أرغب في أن أعرّض نفسي أو شركتي لمخاطرة كبيرة، وفي الوقت ذاته سيكون من المخجل ألا أحاول على الأقل تطوير هذه الفكرة. فكيف لي أن أفعل ذلك في بيئة تنظيمية تقليدية إلى حد كبير؟".

قررنا أن نطلق على هذا النوع من الموظفين اسم "الروّاد غير المستقلين"، وذلك ورغم أنهم يعملون ضمن مؤسسات وبيئة تنظيمية راسخة، إلا أنهم يمتلكون أفكاراً تزعزع الوضع التقليدي القائم، تماماً كما هي حال رواد الأعمال. كما أنهم يواجهون مجموعة مهولة من المخاطر، بالرغم من أنّ المؤسسات تدّعي أنها تريد المزيد من الإبداع والابتكار والسلوك الريادي من قبل الموظفين.

ولتقديم المساعدة لهؤلاء الأشخاص بادر الخبراء بتقديم أدوات تشخيصية ومنهجيات تنظيمية مصممة من أجل إطلاق العنان لهذه الأنماط المرغوبة من السلوك الريادي. قدمت جنيفر بروسك عدداً من هذه المنهجيات في كتابها "جيش من رواد الأعمال" (Army of Entrepreneurs)، ولكن لم نجد نحن ولا سوانا سوى القليل من الأدلة التي تشير إلى قدرة هذه المنهجيات على إحداث أي تغيير معتبر. فقد أشار 85% من المشاركين في استبيان أجرته مؤسسة أكسنتشر (Accenture) إلى أنّ "أفكار الموظفين تتعلق غالباً بتحقيق التحسينات على المستوى الداخلي لا على المستوى الخارجي". والواقع هو أنّ معدل عمر المؤسسات المصنفة وفق مؤشر ستاندرد أند بورز لأكبر 500 شركة في أميركا مستمر في التقلص؛ فبعد أن كان 67 عاماً في عشرينات القرن الماضي فإنه لا يتجاوز في يومنا الحاضر 15 سنة فقط، وفقاً للأستاذ ريتشارد فوستر من جامعة ييل الأمريكية. أضف إلى ذلك أيضاً أن عدد الأفكار القادرة على إحداث التغيير العالمي والتي تقدمها هذه الشركات آخذ في التراجع هو الآخر. وهنالك تحدّ كبير حقاً يواجه أفكارنا التقليدية المتعلقة بميزة التنافس المستدام.

كيف يمكن للشركات إذن أن تولد المزيد من السلوك الريادي بين الموظفين، وكيف يمكن للرواد من الداخل تطبيق أفكارهم دون تعريض أنفسهم أو مؤسساتهم لقدر كبير من المخاطر؟

لمعرفة الإجابة عن هذا السؤال، قمنا بالاعتماد على دراسات عن رواد الأعمال من داخل الشركات والمستقلين بوضع عملية من أربع خطوات بسيطة للإقدام على التحركات الريادية الفعالة ضمن المؤسسة (أو لإدارة مشاريعك الريادية داخلياً).

هذه الخطوات في واقع الأمر تقدم فرصاً أكبر لرواد الأعمال "من الداخل" تساعدهم على توليد الأفكار واختبارها، وزيادة فرصة تحقيق التطور على المؤسسة.

أولاً، الأمر بأكمله يعود إلى عنصر الرغبة. فإن كنت تريد أن تشرع بجهد ما بقصد إحداث التطوير فإنه يلزمك أن تمتلك الرغبة في ذلك. فعند غياب الحافز الذاتي للإقدام على خطوة في المجهول، مهما كانت هذه الخطوة صغيرة، ستنعدم عادة إمكانية النجاح. الفضول أمر حسن وكاف، ولكن إن كان الأمر "مجرد فكرة جيدة" لا تثير اهتمامك الشخصي كثيراً، فإن عليك أن تتوقف عن تضييع وقتك ووقت من حولك وأن تتجنب الخوض فيه أكثر.

ثم اسأل نفسك: "ما الذي يلزمني للإقدام على الخطوة الأولى؟". رائد الأعمال الناجح لا يحسب عادة ما الذي سيجنيه كثمرة لجهوده، بل يطرح على نفسه هذا السؤال: "ما الذي يسعني أن أخسره" لو أنّ الخطوة التالية لم تأت حسب المتوقع. نظراً إلى حالة عدم التيقن المسيطرة على أنشطة رواد الأعمال فإنّ هذه "الخسارة المقبولة" تشكل إطاراً مرجعياً يخالف الفكرة التقليدية عن "العائدات المتوقعة" والتي تكون كفيلة بإجهاض أي جهد حتى قبل أن يبدأ.

رواد الأعمال المستقلون مستعدون للمخاطرة بالمال والوقت وتحمل تكلفة الفرص البديلة، وغير ذلك كعناصر أساسية تكون في حسبانهم إلى جانب رغبتهم الجامحة في تحديد ما إذا كان عليهم الإقدام على تلك الخطوة الأولى أم لا. لكن الأمر مختلف إلى حد كبير بالنسبة لرواد الأعمال غير المستقلين، وذلك لأن المعايير الأكثر أهمية عند تفكيرهم بالاستثمار (والمخاطرة) تتعلق بوضعهم الاجتماعي ورأس المال الخاص بالعلاقات ضمن المؤسسة التي يعملون بها. فبالنسبة إليهم يصبح الزملاء والمدير المباشر ذوي تأثير كبير على تلك الخطوة الأولى. نحن نجد أنفسنا نعمل مع رواد الأعمال غير المستقلين من أجل التعامل مع هذه القضايا المتعلقة برأس المال الاجتماعي الذي يمتلكونه وننصحهم باتباع نفس النصائح التي نوجهها لرواد الأعمال المستقلين في إدارة مخاطرهم المالية.

ثمّ اسأل عن الشخص الذي يمكن أن يساعدك على تلك الخطوة. رواد الأعمال المستقلون يعقدون باستمرار صفقات لأصول ومصادر مجانية أو متدنية التكلفة، ورواد الأعمال غير المستقلين يقومون بذلك أيضاً، ولكنهم كذلك يكونون في أمسّ الحاجة لزملاء مشاركين ومدير داعم (أو غير سلبيّ على الأقل) أثناء سعيهم لتسويق فكرتهم الناشئة وحشد الدعم لها. هذه الشبكة الداخلية تتألف من الدعم العاطفي والمادي، فرائد الأعمال يحتاج إلى القدر الكافي كي ينطلق متسلّحاً بتحليل الاستثمار المتوافر لديه، بالإضافة إلى وجهة تحرص على التطوّر أثناء تعزيز الجهود لإنجاح الفكرة.

والآن قد حان وقت العمل. عليك أن تبقى متيقظاً لما يحدث من حولك وكيف يؤثر على خطوتك التالية، ثم قم بالترتيب لهذه الخطوة وفق ما يتوفر لديك من معلومات وبناء على النتائج التي حققتها من الخطوة التي سبقت. دورة العمل-التعلم-البناء وصفة مضمونة للنجاح في ريادة الأعمال. حاول أن تنمّي القدرة على التحرك العمليّ نحو مستقبلك ضمن خطوات متدنية التكلفة وبدون مخاطرة كبير، باستخدام أدوات تتوفر لديك ولدى الشبكة التي حولك. أما الإفراط في التخطيط والتفكير فلن يعود عليك بالنفع الكثير. عادة ما يجد رواد الأعمال المستقلون العون في الانضباط الذي تمنحه الترتيبات الخاصة برأس المال المخاطر. أما رائد الأعمال غير المستقل فيستخدم شبكة الدعم الناشئة من حوله من أجل أن يتعلم ويحشد الدعم لما سيقدم عليه من خطوات.

هذه الخطوات البسيطة عادت بالفائدة على الآخرين، واستفاد منها كثيرون ممّن عملنا معهم داخل المؤسسات، ونرجو أن تساعدك على العثور على الطريقة الأسلم للانطلاق.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!