ما زالت الطبيبات تواجهن تحديات لا حصر لها في مجال الطب تتراوح بين التحيز الضمني والفجوات الموجودة في الأجور والترقيات بالإضافة إلى تعرضهن للتحرش. لذلك، ليس غريباً (ولو أنّ الأمر ما زال مهولاً)، أنه على الرغم من تساوي أعداد الخريجين في كلية الطب من الذكور والإناث، إلا أنّ نسبة ضئيلة فقط من الطبيبات تشغلن مناصب قيادية في هذا المجال. وتشكل النساء في الولايات المتحدة حالياً نسبة 3% فقط من الرؤساء التنفيذيين في مجال الرعاية الصحية، و6% من مسؤولي الأقسام، و9% من رؤساء الأقسام، و3% تعملن رئيسات للخدمات الطبية. هذا على الرغم من أنّ النساء تشكلن نسبة 80% من القوة العاملة في مجال الرعاية الصحية، ووجود أدلة على أنّ شغل النساء لمناصب في الإدارة العليا وفي مجالس إدارة الشركات يرتبط بتحسين الأداء المالي وتعزيز المساءلة.

تشير هذه الأرقام إلى وجود حاجة واضحة لتمثيل أفضل للطبيبات في مجال القيادة، ولكن لا يتضح بعد كيف يمكن بلوغ هذا الهدف بالنظر إلى وجود العديد من العقبات التي تعترض طريقهن. ولكن هناك نقاط مضيئة سواء في قطاع الرعاية الصحية أو في قطاعات أخرى والتي تطرح على نفسها سؤالاً مماثلاً. نسلط الضوء فيما يلي على أربعة مجالات يجب أن تحظى بأولوية لدى المؤسسات التي تسعى إلى تعزيز دور المرأة على نحو منهجي.

1- القياس الكمي

تحتاج مؤسسات الرعاية الصحية قبل أن تتمكن من إحراز أي تقدم في هذا الأمر إلى معرفة مدى تمثيل النساء (أو مدى ضعف تمثيلهن) ضمن صفوف قياداتها. وستستفيد المؤسسات أيضاً من فهم الخبرات التي تمتلكها الطبيبات في مكان العمل وكيف يمكن مقارنتها بخبرات نظرائهن من الأطباء الذكور. ويلعب القياس الكمي دوراً رئيسياً في تيسير التغيير المطلوب لتناول قضية التفاوت بين الجنسين. وهناك  مثال قوي لهذا القياس الكمي يتمثل في ميثاق وجوائز أثينا سوان التابع للمملكة المتحدة (Athena Swan Charter and Awards)، إذ يُقر الميثاق بالالتزام بتعزيز دور النساء في التعليم العالي ومجال البحوث. وتصبح المؤسسات مؤهلة للحصول على الجوائز البرونزية أو الفضية أو الذهبية اعتماداً على مدى استيفائها لمتطلبات هذا الميثاق. واعتباراً من عام 2011، وجب على المؤسسات أن تكون قد حصدت جوائز فضية على الأقل للتأهل للمعهد الوطني لتمويل البحوث الصحية (National Institute for Health Research Funding). ويشير التقييم حتى الآن إلى أنّ الميثاق زاد نسبة الوعي فيما يتعلق بالقضايا الجندرية وقضايا التنوع الأخرى، وخلق دوافع رقمية ومالية للتغيير، وحفز التغييرات الهيكلية والثقافية، مثل رفع مستوى الدعم المهني للباحثات.

2- إعادة التفكير في الجوائز والترقيات

تتخلف الطبيبات عن زملائهن الذكور في معدلات تلقيهن للجوائز أو شهادات التقدير الهامة، ومن الواضح أنّ لهذا تأثير على الترقيات. ويوفر التنظيم المنهجي ضمانة  الاعتراف بإنجازات أعضاء هيئة التدريس الذكور والإناث على نحو منصف. ويوضح أحدث عمل قامت به مستشفى بريغهام للنساء أنّ الفجوات بين الجنسين فيما يتعلق بالاعتراف بالإنجازات تظهر مبكراً خلال مسيرة الطبيبات المهنية، ولكن التحديد المنهجي لإنجازاتهن والإعلان عنها يمكن أن يضيّقان الفجوات القائمة على أساس النوع الاجتماعي. ويمكن تطبيق هذا الدرس على نطاق أوسع، بما في ذلك التنظيم المنهجي لعمليات البحث، وتعيين الأطباء في اللجان، والترشيح للأدوار القيادية وزيادة المسؤولية.

على مدى عدة عقود، كان الأطباء الذين أجروا أيضاً بحوثاً في مجال الطب البيولوجي موضع تقدير ومنحوا ترقيات على نحو تفضيلي. ولكن على الرغم من اتساع المسارات الوظيفية المتاحة في مجال الطب لم تتسع التوصيفات الوظيفية لأولئك الذين يحصلون على الترقيات على نحو متناسب. وقد يؤدي الاستمرار في إعطاء الأولوية في منح الترقيات للأطباء الباحثين إلى إلحاق الضرر بمجموعات معينة (من بينها الطبيبات اللواتي تُعتبرن أكثر ميلاً لاختيار مهنتهن كمعلمات في مجال الطب) بينما لا تتماشى مهاراتهن بالضرورة مع المهارات المطلوبة لقيادة نظام الرعاية الصحية الحديث. بدأت عدة مؤسسات في منح الترقيات نظير الإنجازات المتحققة في المسارات الوظيفية غير التقليدية التي قد تكون النساء ممثلة فيها تمثيلاً زائداً. على سبيل المثال، لدى جامعة ديوك (Duke) مسارات ترقية مخصصة لأعضاء هيئة التدريس ممن يقدمون خدمات سريرية للمرضى ويهتمون بالتعليم في خلال مسيرتهم المهنية. كما توفر الجامعة إرشادات حول مسار التثبيت للتقدم من درجة أستاذ مساعد إلى درجة أستاذ متفرغ. وبالمثل، فإنّ معهد دانا فاربر للسرطان (Dana Farber Cancer Institute) يمنح ألقاباً في كل عام للأعضاء الأكثر إنجازاً من بين أعضاء هيئة التدريس الذين يقدمون خدمات سريرية للمرضى مثل كبير الأطباء وكبير أطباء المعهد، معترفاً بذلك بالبراعة الطبية التي لا يُعترف بها غالباً في المؤسسات التقليدية التي تركز على الأكاديميين.

3- المشاركة على نطاق واسع

يجب على الرجال والنساء على حد سواء العمل من أجل تعزيز التنوع الجندري في مجال القيادة. فهناك بيانات هامة حول انتشار التحيز الضمني وممارسات عدائية صغيرة قائمة على أساس النوع الاجتماعي في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات عموماً والطب خصوصاً. وقد تبين أنّ التدريب على مخاطر التحيز الضمني يقلل من المعتقدات والسلوكيات السلبية التي تضمر ضمناً حول قدرات النساء في تلك المجالات (أي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات). وقد ثَبتت فاعلية إشراك الرجال إلى جانب النساء في الجهود المبذولة للحد من التحيز. في شركة ديل على سبيل المثال يُشرك برنامج مناصرة الرجال للتغيير الحقيقي "مين أدفوكيتينغ ريل تشينج" (Men Advocating Real Change) الرجال كحلفاء رئيسيين في قيادة المساواة بين الجنسين، مستهدفاً القيادة التنفيذية الذكورية إلى حد كبير. وتدير هذا البرنامج مؤسسة كاتاليست (Catalyst) غير الربحية، ويغطي مواضيع مثل الحظوة والتحيز اللاواعي والثقافة السائدة وتكييف المناصب لمواءمة النوع الاجتماعي وصلة ذلك بالقيادات. تشير التقييمات المتناقلة إلى أنّ البرنامج كان له تأثير إيجابي على قدرة شركة ديل على توظيف النساء والحفاظ عليهن وترقيتهن، كما كان له تأثير إيجابي أيضاً على إحداث التوازن بين الجنسين ضمن الأقسام التي يهيمن عليها الذكور كالمبيعات على سبيل المثال، وذلك على الرغم من استمرار وجود التفاوت بين الجنسين في مجال القيادة عموماً.

4- خلق فرص للتطور والرعاية

ويشير درس أخير من قطاع التكنولوجيا إلى أنّ دعم عملية تعزيز دور النساء يجب أن يتجاوز التواصل الشبكي والحضور في المحافل باتجاه الرعاية الحقيقية وتقديم فرص للتقدم الوظيفي. ويجب على القادة الذكور والإناث تولي أدوار الرعاية لتعزيز وصول النساء ذوات الإمكانات العالية إلى الفرص المتنوعة، وتجنب المشكلة الشائعة المتمثلة في أن تصبح القائدات مثقلات بطلبات المتدربين. ويُعتبر برنامج إعداد النساء التقنيات "تكنيكال ويمين بايبلاين بروغرام" (Technical Women Pipeline Program) التابع لشركة آي بي إم والذي تأسس في عام 2010 مثالاً جيداً على ذلك، إذ إنه يُشرك النساء في المستويات المتوسطة والعليا، واللواتي عُرفن بصفتهن مرشحات تتحلين بمهارات قيادية قوية، في برنامج لمدة يومين يهدف إلى تعزيز مسيرتهن المهنية. وتنضمّ النساء إلى مناصرين تنفيذيين لهن يعملون معهن على خطط تنموية ويتابعونهن مرة كل ثلاثة أشهر بعد الاجتماعات الأولية التي تكون قد عُقدت وجهاً لوجه. كما تنضمّ النساء إلى محادثات هاتفية ربع سنوية ودولية مع الآخرين ضمن مجتمع برنامج بايبلاين. وقد حسّن البرنامج معدلات الاحتفاظ بالنساء التقنيات في المستوى المتوسط والأعلى وزاد عدد النساء اللواتي يُعتبرن مهندسات متميزات.

بالنظر إلى القيمة المعلقة على البيانات والأدلة في مجال الطب، فإنّ تأثير هذه التدخلات سوف يزداد من خلال دراسة دقيقة لآثارها. وفي غضون ذلك، فإنها تعمل على توفير نقاط بداية قيمة لمشكلة تؤثر ليس فقط على الطبيبات، بل أيضاً على صحة النظم التي يعملن فيها وأدائها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!