على الرغم من الجهود المبذولة مؤخراً لزيادة التنوع في موظفي قطاع التكنولوجيا، فإنّ معدلات التوظيف والاحتفاظ بالمجموعات المهمشة في هذا القطاع الصناعي لا تزال بالغة السوء. حتى موقع "فيسبوك"، الذي يملك المليارات في سيولته النقدية، لم يتمكن سوى من زيادة عدد موظفاته من 31% إلى 36% خلال السنوات الخمس الماضية.

نشهد نفس المشكلة في مدرسة "تري هاوس" (TreeHouse) الإلكترونية التي تساعد الشركات في الاستعانة بخدمات مطوري البرامج والمصممين عبر الإنترنت. قبل عامين، عندما ألقيت نظرة على قوة العمل لديّ، وجدت أنني لم أقم بتأسيس فريق متنوع. على الرغم من اتباعنا للدليل الإرشادي، أي الإعلان عن الوظائف الشاغرة في لوحة إعلانات الوظائف المتخصصة في جذب المرشحين المنتمين لمجموعات مهمشة، ورعاية الفعاليات، وتقديم المنح الدراسية، وتدريب موظفينا على إدماج الفئات المتنوعة وتجنب الانحيازات الخفية، فإننا لم نكن نرى تقدماً على الأرض.

لكي يتوافق فريقنا ويعكس التنوع الذي تعيشه أميركا، كنا نحتاج إلى 13,4% من الموظفين من ذوي البشرة السمراء، و1,3% من السكان الأصليين الأميركيين، و18,1% من ذوي الأصول اللاتينية، و50% من النساء. لم نكن قريبين من هذه الأرقام أبداً، وأعتقد أنّ تغيير طبيعة شركتي كان أمراً حتمياً تفرضه ضرورة أخلاقية وضرورة تجارية.

احتجت أولاً إلى معرفة ما كانت الشركة تفتقده. أجريتُ مقابلات مع أكثر من 50 شخصاً من المجموعات المهمشة ممن حققوا نجاحات بارزة في قطاع التكنولوجيا، وطلبتُ منهم مساعدتي في فهم أسباب عدم تقدمهم للوظائف التكنولوجية المعلن عنها. كانوا طيبين لدرجة جعلتهم يُصرّحون بالتالي: "مجتمعي لا يثق في الشركات ذات الأغلبية البيضاء من الذكور. لا نرى أشخاصاً يشبهوننا يحققون نجاحات في تلك الشركات، فلماذا سنتقدم لوظائفكم؟".

بحثتُ عن عدد الموظفين الذين يشغلون مناصباً فنية. تفشل الشركات الأميركية في توظيف خريجي علوم الحاسب الآلي من أصحاب البشرة السمراء وذوي الأصول اللاتينية وكذلك النساء. تُظهر الأبحاث أنه بمجرد انضمام النساء وأصحاب البشرة السمراء إلى شركات التكنولوجيا، فإنّ معدلات الإبقاء عليهم في وظائفهم أقل بكثير من تلك الخاصة بالرجال ذوي البشرة البيضاء، وهو ما يرجع غالباً إلى سوء المعاملة التي يلقونها في مكان العمل. تغادر النساء وظائفهن في الشركات التكنولوجية بسرعة مضاعفة للرجال.

بناء على المقابلات والأبحاث التي قمت بها، خرجت بأربع ملاحظات أساسية:

1- لا تدرك المجموعات المهمشة أنها وبشكل عام قد تحصل على وظائف ذات رواتب عالية في قطاع التكنولوجيا، وأنها لا تحتاج إلى شهادة جامعية للقيام بذلك. ويرجع ذلك إلى أنّ قلة قليلة، إن وُجدت، تعمل في مجتمعها ضمن قطاع التكنولوجيا وتنجح فيه، لذلك لا يتم تشجيعهم على البحث عن هذه الفرصة.

2- يقل متوسط ​​دخل الأسرة من العائلات ذات البشرة السمراء في الولايات المتحدة بنسبة 39% عن دخل مثيلتها من ذوات البشرة البيضاء. وتصل نسبة الاختلاف بالنسبة للعائلات ذات الأصول اللاتينية إلى 27% أقل من مثيلاتها البيضاء. يجعل هذا الواقع الأمر أكثر صعوبة في الحصول على إجازة من العمل، ودفع مصروفات رعاية الأطفال، والحصول على درجة علمية في علوم الحاسب أو حضور معسكر تدريب على البرمجة، إن لم يكن من المستحيل.

3- تصل الثقة بين المجموعات المهمشة وشركات التكنولوجيا إلى مستويات منخفضة للغاية، لذا حتى لو كانت هناك فرص عمل شاغرة، فلن يتقدم لها الكثيرون.

4- حتى في حالة اكتساب الأشخاص المنتمين لهذه المجموعات المهمشة المهارات المناسبة وتقدّمهم بطلب للحصول على وظائف في مجال التكنولوجيا، فلن يحظون بتقدير العديد من الشركات لإجراء مقابلة معهم إن لم يكونوا من حاملي شهادات في علوم الحاسب الآلي.

لمعالجة بعض هذه القضايا، قررت شركتي إطلاق برنامج تدريب مهني تجريبي لإنشاء مسارات للمواهب المتنوعة والمستدامة وتنميتها بشكل منفصل عن خريجي الجامعات.

في شهر يناير/كانون الثاني 2017، دخلنا في شراكة مع كولين شوالتر من نادي الفتيان والفتيات المحلي في مدينة بورتلاند بولاية أوريغون، وسألناهم إن كانوا سيقدمون لنا المساعدة في توظيف مواهب جديدة، تتراوح أعمارها بين 18 عاماً فما فوق، من المجموعات المهمشة. قلنا إننا نبحث عن أشخاص مجتهدين يعملون بجد، من حاملي الشهادة الثانوية، ممن يمكننا تدريبهم على جميع المهارات الصعبة اللازمة ليصبحوا مهندسي برمجيات ومن ثم نقوم بتوظيفهم كمتدربين بأجر.

على عكس الشركات التكنولوجية، فإنّ نادي الفتيان والفتيات المحلي هو مؤسسة تحظى بثقة مجتمعها المهمش. قام النادي بتوظيف مجموعة من 30 شخصاً، تتراوح أعمارهم بين 18-20 عاماً، وقد أعربوا عن اهتمامهم بالبرنامج التدريبي. اخترنا من هؤلاء 15 شخصاً ممن أظهروا أخلاقيات عمل قوية كما أظهروا شجاعة وإصرار وشغف بالبرنامج. قمنا بتسجيلهم في دورات تدريبية عبر الإنترنت لتعلّم المهارات الوظيفية والفنية اللازمة، مثل أساسيات علوم الحاسب، وحل المشكلات المعقدة، والتعاون الجماعي، والمنهجية الرشيقة، والتواصل النصي الفعّال، وما إلى ذلك. وقدمنا لهم توجيهات وإرشادات ودعم على مدى ستة أشهر حتى انتهوا من دوراتهم.

أنهى خمسة، من أصل 15 مشاركاً بالبرنامج، التدريب بنجاح وتم تعيينهم كمتدربين في مدرسة "تري هاوس" الإلكترونية وفي شركتي توظيف أخريين في مدينة بورتلاند (هما نايكي Nike وإن فيجين InVision). أما العشرة الذين لم يكملوا البرنامج فقد عادوا إلى وظائفهم السابقة التي كانوا يعملون فيها قبل بدء البرنامج. وفيما يخص الطلاب الخمسة الناجحين، أنشأنا برنامجاً تفصيلياً مخصوصاً لإعداد الموظفين الجدد على مدار ستة أشهر في شركتنا وفي شركات شركائنا، وقد صمم البرنامج لاستيعاب أصحاب البشرة السمراء المهمشين والنساء اللواتي لم يحصلن على شهادة في علوم الحاسب ولم يكن لديهن تجربة سابقة في أي قطاع تكنولوجي.

وقد أوصى البرنامج بالتدريب على المهارات الناعمة، ووضع خطط يومية وأسبوعية للوصول لمراحل فنية فاصلة، وتوضيح التوقعات الخاصة بالإنتاج والأداء، وإجراء مكالمات مصورة بالفيديو يومياً لقياس السعادة وتشجيع الآخرين وإعطاء الآراء والتعليقات لهم. حصل المتدربون على ما لا يقل عن 15 دولاراً في الساعة الواحدة من إجمالي 40 ساعة عمل في الأسبوع على مدار ثلاثة أشهر، وبمجرد استيفائهم للمتطلبات المحددة سلفاً تحدث لهم نقلة نوعية من أجر بالساعة إلى راتب سنوي لا يقل عن 55 ألف دولار، بخلاف المزايا الطبية التي يحصلون عليها بشكل كامل بجانب علاج الأسنان.

أطلقنا أيضاً برنامج إرشاد تفصيلي لمدة ستة أشهر لشركائنا من شركات التوظيف، أعطى إرشادات للمدراء حول كيفية تعيين موجهين مناسبين لكل موظف وعرض على الموجهين بعض الموارد مثل: التدريب على التنوع ودمج الفئات المختلفة، تخطيط تفصيلي يومي وأسبوعي للعمل مع المتدربين، وإرشادات معينة لقياس نجاحهم (لأن تقدمهم لن يكون بالضرورة مماثلاً لخريجي علوم الحاسب). في البداية، كنا قلقين من صعوبة توظيف الموجهين بسبب عبء العمل الإضافي، لكن انتهى بنا الأمر بمتطوعين كثر.

كانت نتائج هذا البرنامج التجريبي ناجحة بشكل ساحق. نجح أربعة من المتدربين الخمسة في التحول من الأجر بالساعة إلى تقاضي راتب ثابت بخلاف المزايا الأخرى، بينما لا يزالون يعملون بنجاح مع الشركات التي قامت بتوظيفهم. وكانت ردود الفعل من أصحاب العمل إيجابية.

كانت هناك بالطبع بعض المجالات التي تحتاج لمواصلة العمل عليها وتحسينها من أجل البرنامج التجريبي التالي. على سبيل المثال، وجدنا أنّ العديد من المشاركين شعروا بضغوط للانضمام إلى البرنامج حتى يتمكنوا من تحسين دخل أسرهم. ولكن في غياب الشغف الحقيقي بالتكنولوجيا، فلن يتمكنوا من التحول بنجاح من وضع المتدرب إلى مُطوّر له راتب ثابت. في المستقبل، سنقوم بمسح للمشاركين للتأكد من رغبتهم في السير ضمن مسار مهني تكنولوجي، وليس مجرد الحصول على راتب أعلى.

أدركنا أيضاً أننا بحاجة إلى توفير إمكانية الوصول إلى الحواسيب المحمولة والإنترنت فائق السرعة. وتعلمنا أننا بحاجة إلى توفير المزيد من التدريبات حول الإنصاف والتنوع ودمج الفئات المختلفة لشركائنا من الشركات، إذ كان عدد مدراء التوظيف المتحمسين للمشاركة معنا أكبر من توقعنا. في البرامج التجريبية المستقبلية، سنقوم أيضاً بمد فترة التدريب على التنوع ودمج الفئات المختلفة لتكون مدة البرنامج ثمانية أسابيع.

نعتقد أنّ الاستثمار في مجتمعنا المحلي هو مسألة أخلاقية يجب القيام بها، ولكن ما هي التكلفة وعائد الاستثمار من مثل هذه البرامج؟ لنفترض أنك ستقوم بتعيين عشرة مطورين وستستعين بفريق توظيف تقني داخلي وجهة توظيف خارجية لتأمين موظفين لهذه الوظائف العشر لديك. باستخدام المقاييس المعيارية في القطاع الصناعي مثل بيانات التعويضات التي يحصل عليها الموظفين العشرة ووقت مقابلات العمل وإعداد هؤلاء الموظفين الجديد للعمل، يمكنك أن تعرف سلفاً أنّ ذلك سيكلفك ما يقرب من 2,046 مليون دولار لتأمين وظائف لتلك المجموعة من المطورين لمدة عام واحد (والذين يُحتمل ألا يكونوا من المجموعات المهمشة). ومع ذلك، إذا قمت بالاستثمار في تكوين مواهب، فإنّ هذه التكاليف نفسها سوف تصل إلى 723 ألف دولار فقط، أي أنك ستوفر 1,323 مليون دولار أو سيبلغ عائد استثمارك 894%، بالإضافة إلى أنك ستنشئ فريقاً متنوعاً ثبت أنه سيحقق المزيد من الأرباح.

كانت النتائج المبكرة لبرنامجنا التجريبي الداخلي مشجعة للغاية لدرجة أنّ مسؤولين تنفيذيين تكنولوجيين آخرين طلبوا مني تأسيس برنامج مماثل لهم. نحن بصدد إجراء تغييرات مهمة على البرنامج ستنتفع منها المجموعات المستقبلية، ويتم تثبيتها في شركات أير بي إن بي (Airbnb)، ونايكي، وميل تشيمب (Mailchimp)، وهاب سبوت (HubSpot)، وأكويا (Acquia)، وإن فيجن، ومايند بادي (MINDBODY)، وأدوبي، وشيج (Chegg).

ما زلنا نتعلم ونكرر ما قمنا به ونطور حلولنا التي نصل إليها دوماً. وما زالت التحديات الشاملة التي نختبرها جميعاً فيما يتعلق بإنشاء فرق متنوعة موجودة، ولكن ما قمنا به يعد بداية لحل بديل قابل للتطبيق يجابه النقص التاريخي لتنوع فرق العمل في قطاع التكنولوجيا.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!