العمل عن بعد، أي من المنزل أو من مكان بعيد عن المقر الرئيسي أو الفرعي لشركة معينة، هو ممارسة مألوفة لدى الكثير من الشركات في الدول المصنّعة أو المتقدمة، خاصة  في أميركا الشمالية وأوروبا وجنوب شرق آسيا وأستراليا. الأهداف المتوخاة من ذلك هي  أولاً، التخفيف من تكاليف التنقل والزمن الذي يستغرقه القدوم من المنزل إلى مكان العمل، خاصة في المدن الكبرى، وكذلك، التخفيف من التكاليف المتعلقة بمساحات مواقف السيارات وإيجارات المكاتب وأيضاً تكاليف أخرى تتعلق بوجود عدد كبير من المستخدمين في بناية واحدة مثل استعمال الماء والكهرباء واستهلاك ما توفره الشركة من مشروبات أو مأكولات. حتى على مستوى الحفاظ على البيئة، فإنّ التخفيف من استعمال وسائل التنقل من وإلى العمل يساهم في الحد من انبعاث الغازات والدخان.  تقبل بعض الشركات بأن يعمل بعض مستخدميها عن بعد في حال كان لديهم أولاد ومن الصعب التوفيق بين المهمتين، أو لأنهم يسكنون في منطقة بعيدة وبالتالي من الصعب التنقل من وإلى العمل يومياً، أو لأنهم في حالة صحية أو عائلية تستوجب وجودهم في المنزل خلال أوقات العمل أو لأن الشركات نفسها تملك القدرات الكافية لتلبية حاجات جميع المستخدمين. وتسمح بعض هذه الشركات بالعمل عن بعد فقط بشكل جزئي، أي لأيام معدودة من الأسبوع، وتشترط حضور الاجتماعات الدورية والاجتماعات الطارئة أو ذات الطبيعة الاستراتيجية.  وكون هذه التحولات مهمة، فقد دفعت بحميد رازا أسكاري وكسيا جين إلى وضع إطار مفاهيمي متكامل لفهم السلوك المتعلق بالعمل عن بعد، يتضمن التعريف بأشكال العمل عن بعد، والسلوك المتعلق به كاختيار "حياتي"، و"الطرق المستعملة للتعامل والتفاعل مع أنشطة يومية خاصة بالعاملين عن بعد، ودراسة كمية تأثير العمل عن بعد على السير في الطرقات". وهذا يساعد رواد الأعمال على الاطلاع بشكل مفصّل على العوامل التي تؤطر ظاهرة العمل عن بعد وكيفية الاستفادة أكثر من مزاياها. إضافة إلى أنّ طبيعة العمل تحدد من يمكن له العمل عن بعد ومن لا يمكن له. كلما كانت طبيعة العمل والإنتاج لها علاقة بالتحرير أو التحليل أو الإبداع الفردي أو الإنتاج الفكري أو التواصل مع الزبناء عبر الهاتف كلما كان سهلاً تنظيم علاقة العمل عن بعد.  ويطرح العمل عن بعد تحديات لرواد الأعمال وللباحثين على حد سواء. كيف يمكن مراقبة عمل المستخدمين؟ كيف يمكن تقييم عملهم من الناحية الزمنية؟ كيف يمكن حماية الملكية الفكرية لريادة الأعمال في غياب أنظمة لحماية المعلومات ومراقبة ترحيلها؟ هل تساهم التطورات التكنولوجية في تسهيل تنظيم ومراقبة العمل عن بعد؟ وهذه أسئلة طرح البعض منها دارسون مثل ألان، كولدن وشوكلي والذين أقروا بأنّ فهم الظاهرة يقتضي وضع تعريفات واضحة لما نعنيه بالعمل عن بعد وربط هذه المفاهيم بقطاعات وممارسات معينة لتدقيق إيجابياتها وأثرها على علاقة الشركة بالموظف. هل ينتج العاملون عن بعد أكثر لأنهم يهتمون بمنازلهم وعائلاتهم في نفس الوقت؟ هذه بعض الأسئلة التي يطرحها الباحثون لاستعمال هذه الآلية في دول الشمال. في دراسة حول رجال ونساء عملوا عن بعد ما بين عامي 1989 و2008، توصلت جنيفر كلاس وماري نومان إلى أنّ للعمل عن بعد تأثيراً سلبي على الوقت الذي يخصصه العاملون عادة لعائلاتهم، لأنهم يعملون أكثر ويضحون بأوقات كانوا يخصصونها لتناول الطعام مع العائلة أو اللعب مع الأولاد أو مساعدتهم على القيام بواجبهم المنزلي. هذا ممكن ولكن الدراسات يجب أن تفرق بشكل أكثر دقة بين من استعمل الآلية اضطرارياً ومن استعملها لأنها تناسب أسلوبه في الحياة، وذلك لنفهم الأمر من كل جوانبه. من جانب آخر، أثبتت الدراسات أنّ العمل عن بعد يساهم في الرفع من الإنتاجية. يقول نيكولاس بلوم في حوار له مع هارفارد بزنس ريفيو حول البحث الذي قام به على مستخدمي وكالة الأسفار الصينية، ستريب، أنّ "الأشخاص الذين يعملون عن بعد هم أكثر إنتاحية ولا ينزعون إلى ترك عملهم". أضف إلى هذا، أنّ الوكالة وفرت 1,900 دولار لكل عامل يعمل عن بعد خلال فترة التسعة أشهر التي استغرقها البحث.  كلما اعتمدت الشركات سياسة واضحة المعالم ونماذج مشجعة كلما نجحت في الاستفادة أكثر من العمل عن بعد. خلصت دراسة شملت أكثر من ثمانمئة عامل أسترالي، والتي جمع من خلالها مجموعة من الباحثين معطيات على دفعتين بفارق زمني دام ثمانية أشهر، إلى أنّ وجود جوانب مشجعة وداعمة على مستوى الثقافة التنظيمية لشركة معينة تقود إلى "استعمال أكثر للعمل عن بعد، والتزام أكثر من طرف العاملين، واستمرار في العمل دون انقطاع أو مغادرة، وضغط نفسي أقل". لهذا أرى أنه على رائد الأعمال في الدول العربية أن يعتمد آليات العمل عن بعد كمقاربة غير مكلفة وربما أكثر إنتاجية خاصة في ما يتعلق منها بالوظائف التي تتطلب خبرة وقدرة على التحليل ووضع التقارير وإبداع الحلول والاستراتيجيات. مثلاً الاعتماد على التدبير بالنتائج ووضع مواقيت للإنجاز وتتبع العمل عبر الإنترنت  والتقارير الدورية والاجتماعات اليومية عن بعد (عبر التيليكونفرانس أو الستريمينغ) لوضع أهداف يومية وأسبوعية ومناقشة التقدم في الإنجاز هي بعض الآليات التي يمكن اللجوء إليها لتتبع ومراقبة العمل عن بعد. إنّ من يعمل من منزله يمارس على نفسه ضغطاً أكثر للإنجاز في الوقت المحدد لأنه يعرف أنه يتمتع بامتياز لا يريد أن يفقده، لهذا تجد أنّ من يعملون من منازلهم يقضون وقتاً أطول في العمل لأن ما يهم بالنسبة لرؤسائهم هو الإنتاج في الوقت المحدد.  إنّ الانتقال إلى العمل عن بعد في الدول العربية سيتطلب وقتاَ، خاصة في ظل سيطرة ثقافة تقليدية مبنية على المراقبة وضبط أوقات دخول وخروج الموظفين وليس على إنجازاتهم وتحقيقهم للأهداف المنشودة. ولكن نمو المدن العربية وتكاليف التنقل (مادياً وزمنياً) وضرورة إيجاد أماكن العمل  ومواقف سيارات المستخدمين وغيرها من التكاليف ستدفع  روّاد العمل الشباب، خاصة أولئك الذين يعملون بمقاربة التدبير بالنتائج، إلى اعتماد العمل  عن بعد في ما يخص وظائف الخبرة والإنتاج والتحليل والإبداع.  أضف إلى ذلك، أنّ بعض الشركات في دول معينة أو مدن معينة عربية يمكن أن تعتمد على خبرات في دول أخرى بعيداً عن تكاليف التأشيرة والطائرة والإقامة. وبالتالي خلق مساحات افتراضية من السهل التحكم بها باستخدام تقنيات التواصل المنتظم، والطرق الحديثة في تخزين الملفات والعمل عليها من قبل أكثر من شخص يقبعون في أماكن مختلفة من العالم. العمل عن بعد له مزايا مهمة وله أثر إيجابي على الشركات وعلى العاملين. نعم هناك بعض الدراسات التي تشكك في إيجابياته خاصة في ما يتعلق بالعلاقة بين العمل والحياة الخاصة، ولكن كل الدارسين يجمعون على أنّ من لهم نزعة سلوكية للعمل من المنزل قد يكونون أكثر إنتاجية وأكثر استفادة من هذا الأمر. على رواد الأعمال العرب أن يجرّبوا تدريجياً هذه الآلية نظراً لمزاياها على مستوى الإنجاز ولأن الكثير من اليد العاملة ذات الكفاءات العالية ستنزع أكثر للعمل في ظروف عمل مرنة ومناسبة لاحتياجاتهم الحياتية الأخرى. 

متابعة القراءة

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

1 تعليق على "لماذا على رواد الأعمال اعتماد تشجيع العمل عن بعد؟"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
Tarekhbr
زائر
Tarekhbr
7 شهور 21 أيام منذ

مقال جميل جدا ومفيد، لكن يبدو أننا بحاجة إلى برامج تدريبية للشركات والموظفين على آليات العمل عن بعد. فالعمل عن بعد ليس مناسبا للجميع كما أنه ليس قرارا يوافق فيه المدير على التعامل مع موظفيه عن بعد. إنها خبرة جديدة في الإدارة والتواصل والإنتاجية وهذا بحاجة إلى تدريب الموظف والمدير عليه، وهو ما نفتقده في بلادنا العربية.

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!