إن قضيت وقتاً قرب طالب في أيامه الأخيرة في المدرسة الثانوية، ستعرف من القلق الظاهر على وجهه أنه في سنة مهمة من حياته. في هذه السنة يبدأ الطلاب في تخيل الحياة بعد المدرسة الثانوية، إذ يتطلعون إلى الجامعة ويتساءلون إن كان عليهم التقدم لها أم لا، وأي جامعة يختارون. إنها فترة مثيرة ومليئة بالمغامرة للطلاب الذين لديهم خيارات كثيرة، ومن يعرفون تماماً إمكانياتهم وأهدافهم ويفهمون مدى صعوبة مرحلة تقديم الطلبات ولديهم الدعم الكافي لتخطيها.

بالنسبة لقسم آخر من الطلاب، وخاصة إذا كانوا من أوائل الأفراد في عائلاتهم الذين يلتحقون بالجامعة، قد تكون هذه فترة من الحيرة والشك لأنهم لا يعرفون ما إذا كان عليهم التقدم للجامعة وإلى أي جامعة يتقدمون. هناك عوامل كثيرة تتسبب بهذا الشك منها الجهل ببيئة الجامعة، وغلاء الجامعات أو الشعور بأنّ دخولها مكلف، والتحدي المتمثل في العثور على جامعة جيدة تناسب مؤهلاتهم وأهدافهم. يُضاف لهذا أنّ عملية التسجيل وما تتضمنه من استمارات معقدة ومقالات واختبارات معيارية وغيرها كافية بدفع بعض الطلاب إلى المماطلة.

قد يرى بعض الطلاب أنّ حالهم أفضل إذا هم لم يذهبوا إلى الجامعة، لكن هناك دلائل متزايدة تثبت أنّ الجامعة هي الاستثمار الأفضل لكثير من الطلاب الذين اختاروا عدم الالتحاق بها. هناك آخرون يدخلون في عملية التسجيل بشكل اعتباطي – مثلاً، يختارون الجامعات اعتماداً على عوامل لا علاقة لها بمؤهلاتهم التعليمية وأهدافهم أو لا يتقدمون بطلبات انتساب إلى عدد كاف من الجامعات بحيث يمنحون أنفسهم مجموعة حقيقية من الخيارات. ولعل أكثر ما يُقلق في الموضوع، أنّ الكثير من الطلاب يفوتهم الدعم المالي الأساسي حتى عندما يكونون مؤهلين له لتقاعسهم عن إتمام عملية التقدم بطلب الحصول على الدعم الفيدرالي للطلاب (FAFSA) (بالنسبة للطلاب في إميركا). لا تتحدث هذه الأمثلة عن طلاب غير مؤهلين، بل عن عملية تسجيل وبحث معقدين.

تُشكل هذه التحديات مشكلة إدارية أساسية للمدارس وفرصة لتحسين حياة الطلاب عبر مختلف أنحاء الولايات المتحدة. وهو أمر مهم اليوم أكثر مما مضى بالأخذ بالاعتبار الإقرار المتزايد بأنّ الأفراد بحاجة لبعض التعليم في المرحلة ما بعد الثانوية حتى ينجحوا في سوق العمل ضمن الولايات المتحدة واستناداً إلى حقيقة أنّ الأفراد الذين يحملون شهادة بكالوريوس يمكنهم توقع كسب 800,000 دولار أميركي أكثر في حياتهم مقارنة بنظرائهم الذين لا يحملون إلا شهادة ثانوية، وحتى بعد الأخذ بالاعتبار الدّين الذي عليهم سداده.

قضيت السنوات الأخيرة الماضية في البحث عن استراتيجيات تُحسّن من نتائج الطلاب في عملية التقدم للجامعة. كان هدفي خلق أدوات لواضعي السياسات والإداريين تقوم على الرؤى والاقتصاديات السلوكية، مع التركيز على حلول غير مكلفة قابلة للتعميم. وهنا بعض الدروس التي استطعت استنباطها.

أولاً، يجب على المعلمين التحول من التفكير في ما إذا كان الطلاب سيتقدمون للجامعة إلى التفكير في الطريقة التي يستخدمها الطلاب لشق طريقهم عبر إجراءات البحث وتقديم طلبات الانتساب للجامعة. ومعرفة ما المؤسسات التعليمية التي يتقدمون إليها؟ وكم عدد المعاهد التي يتواصلون معها؟ وما هو الوقت الزمني الذي تستغرقه الخطوات الأساسية في عملية تقديم الطلبات للجامعات مثل التسجيل للدعم الفيدرالي للطلاب؟

لماذا هذا التحول في التركيز مهم؟ لأن المنطق والبحث يشيران إلى حقيقة أنّ الطلاب عندما يتقدمون إلى عدد أكبر من المؤسسات التعليمية، فإنهم على الأغلب سيحصلون على قبول في مؤسسة تناسبهم. يُضاف لهذا أنّ الطلاب يواجهون الكثير من الشكوك أثناء اتخاذهم القرار حول المكان الذي سيتقدمون للدراسة فيه: هل سيقبلون فيه؟ وكم هو الدعم المالي الذي سيحصلون عليه؟ أين سيقبل أصدقاؤهم وأي مكان سيختارون للدراسة فيه؟ هكذا فإنّ الطلاب يزيدون من فرصهم في الحصول على مجموعة جيدة من خيارات الكليات التي يمكنهم الاختيار منها والتي على الأغلب سيلتحقون بأحدها إن هم وسّعوا عدد طلباتهم- بالتقدم مثلاً، إلى جامعتين أو ثلاث بدل واحدة. وهناك أدلة كثيرة تُشير إلى أنّ الطلاب لا يستفيدون استفادة كاملة من القوة التي توفرها مجموعة كبيرة من الطلبات، ولعل السبب في هذا يعود إلى قلة المعلومات أو الثقة الزائدة أو ربما بسبب المماطلة في عملية تقديم طلبات الانتساب. لدى المدراس قدرة كبيرة على تغيير هذا الحال، كما أنّ هناك أدلة تشير إلى أنّ لهذا التغيير آثار مهمة على المدى البعيد للطلاب ذوي الدخل المحدود.

ثانياً، بالإضافة إلى عملية التقدم بوجه عام، على المدراس التركيز على فهم المجموعة الواسعة من العوائق الإجرائية الصغيرة التي تتضمنها عملية التقدم للجامعات. مثلاً، قد تشكل التكاليف المالية البسيطة مثل رسوم تقديم الطلبات أو رسوم إيصال نتائج امتحانات (SAT) و(ACT) إلى المؤسسات التعليمية ما بعد الثانوية عائقاً في طريق الطلاب. إنّ تخفيف هذه العوائق له أثر كبير على دخول الجامعة وإكمال الدراسة فيها.

على سبيل المثال، وجدت أنا وبعض زملائي أنه عندما مُنح الطلاب ذوي الدخل المحدود فرصة إرسال 4 تقارير إضافية لنتائج امتحان (SAT) مجاناً لاستخدامها في أي وقت خلال فترة المدرسة الثانوية، تُرجم هذا إلى زيادة قدرها 2% في نسبة دخول الجامعة وإتمامها. قد يبدو هذا مجهوداً صغيراً، لكن بالأخذ بالاعتبار تكلفته المنخفضة واستفادة الطلاب منه على مستوى البلاد من الممكن فهم تأثيره الضخم المفاجئ الذي تُرجم إلى 3,000 درجة بكالوريوس إضافية في كل عام. وبالأخذ بالاعتبار التكلفة المنخفضة لإيصال نتائج امتحان (SAT) إلى الجامعات، يتضح أنّ ما تحققه من فائدة يتجاوز تكلفته بكثير. بناء على هذا، توجهت منظمة مجلس الجامعة (College Board) خلال السنوات الماضية لزيادة توفير ميزة الإعفاء من الرسوم والاستفادة منها كي تُمكّن الطلاب ذوي الدخل المحدود من إرسال نتائج اختباراتهم وطلبات تسجيلهم مجاناً، وعلى الكليات أيضاً الحرص على جعل الطلاب مطلعون على هذه الميزات ويستفيدون منها بالشكل المناسب.

ثالثاً، مبادرات التواصل والتشجيع والدعم مفيدة جداً للطلاب. لدى الأنظمة التعليمية في المرحلتين الثانوية وما بعد الثانوية مناجم من البيانات القيمة التي يمكن استخدامها لتوجيه هذا التواصل. مثلاً: صممنا واختبرنا أنا وزملائي نظاماً في المرحلة الثانوية للرسائل النصية التلقائية التي تُخبر الطلاب في السنة الأخيرة في المرحلة الثانوية عن إجراءات التسجيل للدعم الفيدرالي للطلاب. كان هذا النظام قادراً على فرز الطلاب بحسب بيانات المدارس الموجودة لدى برنامج الدعم الفيدرالي للطلاب ومن ثم تخصيصه للتواصل مع الطلاب كل بحسب حالته. فالطلاب الذين لم يتمّوا بعد استماراتهم تم تنبيههم لضرورة إتمامها، والذين أتمّوا استماراتهم حصلوا على معلومات عن الخطوات التالية. أدى هذا التواصل الموجه إلى تحسين وتبكير عملية التسجيل في برنامج المساعدة الفيدرالية للطلاب وهو ما نجم عنه تحسين معدلات التسجيل في الجامعة.

هناك مثال آخر. نحن نعرف أنه كثيراً ما يتكرر تعثر الطلاب في عملية التسجيل ضمن المؤسسة التعليمية بعد أن يحصلوا على قبول ويلتزموا بالدراسة فيها. لدى المؤسسات ما بعد الثانوية معلومات مفصّلة عن المهام التي على الطلاب القيام بها ضمن الفترة الانتقالية في الجامعة التي على الطلاب إتمامها وتوقيت كل منها. عملت مع مؤسسة ناشئة في بوسطن هي أدميت-هب (Admit-Hub)، وجامعة جورجيا الحكومية، ومع الأستاذ هنتر جيهلباتس لتنفيذ واختبار برنامج دردشة لدعم الطلاب الذين التزموا مع جامعة جورجيا الحكومية كي يكملوا جميع الخطوات في عملية الانتقال للجامعة. تمكّن التطبيق، اسمه “باونس”، بدعم من نظام البيانات في الجامعة من إجراء بحث مستمر عن الطلاب القادمين للدراسة للحرص على أنهم يُنجزون المهام الأساسية المطلوبة منهم مثل إتمام الحصول على المعونة المالية، وحضور جلسات التوجيه، والتسجيل في فصل الدراسي الخريفي. تولى الذكاء الاصطناعي التحاوري لمؤسسة أدميت-هب الأغلبية العظمى من أسئلة الطلاب، في حين احتاج أقل من 2% فقط من الأسئلة تدخل موظفي الجامعة للتعامل معها. بشكل عام، يظهر دليلنا التجريبي أنّ المبادرة بالتواصل تُحسن من نجاح الطلاب في خطوات ما قبل القبول في الجامعة بالإضافة إلى التسجيل في الفصل الدراسي في الخريف.

يُعتبر الأمر المشترك بين المبادرات المذكورة سابقاً أنها جميعها تعديلات بسيطة أو تحسينات على إجراءات موجودة في عملية دخول الجامعة وليست إصلاحات جذرية. من خلال سلسلة من المبادرات المنخفضة التكلفة والمستلهمة من مبادئ الاقتصاديات السلوكية – تغيير السائد من حيث عدد الكليات التي يمكن للطلاب التقدم إليها، وزيادة توفير ميزة الإعفاء من الرسوم، والمبادرة لتنبيه الطلاب لإتمام الخطوات الأساسية في العملية مثل الحصول على الدعم المالي- يمكن للمدارس والمعاهد ما بعد الثانوية زيادة معدلات النجاح في البحث وتقديم الطلبات ومن ثم الانتقال إلى الجامعة. بالنسبة للمدارس، الآن هو الوقت المناسب للمبادرة لتشجيع الطلاب على التقدم للجامعات ولبرنامج الدعم المالي بحيث يصبح لديهم مجموعة ممتازة من الخيارات للاختيار منها.

سيظل التقدم للدراسة في الجامعة أمراً عصيباً. لكن باستطاعة المدارس التي تؤدي دورها بنجاح المساعدة على وضع الطلاب على المسار الصحيح في عملية التسجيل، وسوف تُترجم التغييرات الصغيرة إلى فرص تؤدي لنجاحات كبرى تستمر مدى الحياة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!