كانت جلسات استماع مجلس الشيوخ الأميركي والبرلمان الأوروبي إلى مؤسس شركة فيسبوك الحدث الأبرز في عام حافل بالأحداث لشركات الإنترنت. فقد طُرحت للمرة الأولى خلال تلك الجلسات بعض الأسئلة الجوهرية حول الشبكات الاجتماعية. ويبدو أن الضجيج الذي أحدثته شركات مثل فيسبوك يشير إلى أن القطاع يواجه أول أزمة بارزة مزعزعة له، وقد نكون على مشارف نهاية الحقبة الأولى للشبكات الاجتماعية.

ونظراً لأن تلك الشركات “اجتماعية” و”تجارية”، فما الذي يمكن أن تخبرنا به النظرية الاقتصادية والسياسية الأساسية حول ما يواجهه هذا القطاع وإلى أين يتجه؟

المشكلة الأولى: “قد نحتاج إلى نموذج عمل جديد”.

إذا كنت تمتلك إحدى شركات الإنترنت العملاقة اليوم، فمن المحتمل أنك تستخدم النموذج التالي: جذب المستخدمين أولاً من خلال تقديم “خدمة رئيسة” مجانية. في حالة شركة جوجل فإن الخدمة هي تقديم المعلومات، أما بالنسبة إلى شركة فيسبوك فإن الخدمة هي إتاحة التواصل مع الأصدقاء. يخلق المستخدمون من خلال تلك الخدمة “منتجات ثانوية” يمكنك استخدامها لتوليد الإيرادات من أطراف ثالثة (الإعلانات) أو تقديم “خدمات ثانوية” من شأنها أن تولد المزيد من المنتجات الثانوية التي تجلب المزيد من الإيرادات من الأطراف الثالثة.

بالنظر إلى هذا النموذج، كان من المحتمل أن يحلل آدم سميث، الأب الأول للرأسمالية الحديثة، الوضع على النحو التالي: إن المستخدمين يتبادلون أساساً المنتجات الثانوية للخدمات الأولية. ومن وجهة نظرهم، كانت هذه صفقة جيدة لأن القيمة المدركة للمنتجات الثانوية التي خلقتها كانت منخفضة بما يكفي. من ناحية أخرى، يمكن لشركات الإنترنت “جمع” الكثير من تلك المنتجات الثانوية معاً بحيث تصل إلى قيمة مرتفعة بما يكفي لتحويلها إلى قيمة نقدية لأطراف ثالثة.

لقد حققت تلك التعاملات توازناً صحياً بين العرض والطلب، وهو ما سمح لتلك الشركات بالوجود في المقام الأول. ولكن ذلك تغير، ونظراً لأن تحليلات (الذكاء الاصطناعي) التي تستخدمها شركات الإنترنت قد أصبحت أكثر قوة، فيمكن خلق المزيد من الأفكار من المنتجات الثانوية التي زادت قيمتها بشكل كبير. المفارقة هنا هي أن شركات الإنترنت لم يكن لديها خيار سوى تحسين التحليلات من أجل تحسين إيرادات الطرف الثالث. والمشكلة الوحيدة هي أن قيمة الخدمات الرئيسة لم تتحسن بما يكفي، ما أدى إلى اختلال التوازن بين المنتجات الثانوية والخدمات الرئيسة، وقد أصبح المستخدمون أكثر وعياً بذلك.

  • أسلوب التواصل في الشبكات الاجتماعية يفاقم المشكلة.

دفعت الفضائح التي تعرضت لها شبكات التواصل الاجتماعي أيضاً إلى رفع القيمة المدركة للمنتجات الثانوية، إذ يبرز بين الحين والآخر حدث يعيد إثارة المخاوف ويذكر المستخدمين بتبعات مشاركة بياناتهم الشخصية خاصة مع ارتفاع قيمتها المدركة. كما أن الطريقة التي تتحدث بها شركات الإنترنت حول قضية البيانات تُغذي مزيداً من الشكوك غير الضرورية.

لقد تبنت هذه الشبكات أسلوباً متذبذباً جداً وغير صريح في الأحاديث الخاصة بالتسريبات الموضحة أعلاه. كانت القضية مخبئة دائماً بين طيات الحديث عن “تقديم تجربة أفضل للمستخدم” والتصريحات المبشّرة المعتادة في وادي السيليكون. ونظراً لأن المستخدمين يدركون ذلك بوضوح، فإنّ هذا النمط قد خلق شكوكاً إضافية غير ضرورية.

باختصار، يبدو أنّ نجاح نموذج العمل الحالي لمعظم شركات الإنترنت قد وضعها على مسار يتطلب منها تغييراً مزعزعاً لنموذج العمل نفسه. وقد تسارع ذلك المسار بسبب حدوث أزمة الثقة الناتجة عن أسلوب التواصل الغامض.

المشكلة الثانية: شركات الإنترنت هي وحدها القادرة على التحكم في الفضاء السيبراني حالياً، ولكنها في الوقت نفسه لا يمكنها ذلك.

“شركات الإنترنت لم تعد مورّداً “للأدوات”، بل أصبحت شبه حكومات”.

أصرت الشبكات الاجتماعية لسنوات على أنها مجرد “أدوات” وأنها ليست مسؤولة عن المحتوى على شبكاتها. كان ذلك الموقف منطقياً آنذاك، إذ بدأنا ندرك حقيقة أنّ مجتمعنا موجود الآن في مكان غير مادي أيضاً، أي في الفضاء السيبراني. وكان من المشروع لشركات الإنترنت أن يكون لديها مهمة إنشاء البنية التحتية للوجود الرقمي لمجتمعنا.

وبالانتقال سريعاً إلى عام 2018، يتم اليوم دفع الشبكات الاجتماعية إلى تحمل مسؤولية أكبر تجاه الفضاء الذي توفر له تلك الأدوات. وقد تحدث مارك زوكربيرغ خلال جلسات استماع مجلس الشيوخ عن “مراقبة الشبكة” و”تنظيم عملها”، بمعنى أنّ هذه الشبكات كانت ضحايا لنجاحها السريع. ففي غضون عقد واحد فقط، شهدت الشبكات الاجتماعية نمواً مطرداً بحيث اكتسب مجتمعنا وجوداً بالغ الأهمية في الفضاء السيبراني. وقد حدث ذلك بصورة أسرع من قدرة الحكومات على معرفة كيفية التكيف مع هذا الوجود السيبراني. إنّ الزعزعة التي تتعرض لها الحكومات ملحوظة جداً في الواقع، إذ إنّ مفهوم الحكومات بحد ذاته قد أصبح مهدداً. خلال العامين الماضيين، بدت مخاطر وجود مثل هذا الفضاء، غير الخاضع للحكم أو بعبارة أخرى يعاني من حكم سيء، أكثر وضوحاً. فقد خلقت الأخبار الكاذبة وخطابات الكراهية والتدخل في الانتخابات والتجارة غير المشروعة وما إلى ذلك الحاجة الملحة إلى وضع تدابير إدارية. ووجدت شركات الإنترنت نفسها مضطرة حتماً إلى تحمل مسؤولياتها تجاه ذلك.

  • كان توماس هوبز سيصنف شبكات التواصل الاجتماعي بشكل واضح في القرن السابع عشر.

عُرف عن هوبز (الفيلسوف الإنجليزي وأحد مؤسسي الفلسفة السياسية الحديثة) تفسيره لنشوء الحكومات مترافقاً مع ضبط التوازن بين المخاطر والفرص. فقد قدم نظرية تقول أنّ الناس، الذين كانوا سابقاً يعيشون في حالة من الحرية المطلقة، قد اجتمعوا واتفقوا على التضحية ببعض من حرياتهم للحد من بعض المخاطر، وهذا هو “العقد الاجتماعي” الذي تطوّر إلى ظهور الحكومات.

من خلال إنشاء أدوات لتقديم نسخ رقمية من مجتمعنا، أحدثت شركات الإنترنت فراغاً لم تستطع الحكومات ملؤه بالسرعة الكافية، وبالتالي أُجبرت تلك الشركات على أداء دور جديد لم تكن ترغب به.

أتوقع أنّ هوبز كان سيصنف شبكات التواصل الاجتماعي التي تخلق حالة مشابهة جداً لحالة الحرية المطلقة التي ظهر نتيجتها العقد الاجتماعي الأصلي. إذ إنّ المخاطر والفرص موجودة الآن في الفضاء السيبراني الجديد، وهي منفصلة عن العالم المادي وبذلك لا يشملها العقد الاجتماعي القائم. لقد أشار هنري كسنجر إلى هذه النقطة في كتابه الأخير “النظام العالمي” (World Order) الذي يقول فيه: “لقد خلقت ’التكنولوجيا‘، في بعض النواحي، حالة مماثلة للحياة الطبيعية، وتلك وفرت القوة الدافعة لإنشاء نظام سياسي”.

لا يمكن للحكومات في شكلها الحالي أن تحكم هذا الفضاء بنفسها. وحتى ذلك الحين، تُطرح العديد من التساؤلات الهامة التي يجب الإجابة عنها: هل يجب على المجتمع أن يعهد إلى الشركات الخاصة بتنظيم الصلاحيات التنفيذية لجزء متزايد الأهمية من حياتنا أو توليها؟ وإذا اتخذنا القرار بشأن ذلك بسبب عدم وجود خيار أفضل، فما مدى أهمية ظهور كل تلك الشركات المعنية من مجتمع متجانس جداً في الولايات المتحدة، والتي ما زال لديها تفويض دولي؟ ما نوع صلاحيات الوصول للبيانات الذي يجب أن تقدمه تلك الشركات للحكومات والمجتمعات المدنية؟ وكيف يمكن أن يُحكم مثل هذا النظام دون أن يُقضى عليه بالمركزية؟ كل هذه التساؤلات وغيرها قد تخضع للمناقشات في الأشهر والسنوات القادمة.

خلاصة القول، إنّ حدوث زعزعة في توازن العرض والطلب يضغط على الشبكات الاجتماعية لإعادة النظر في نماذج أعمالها من أجل أن تحافظ على مكانتها، ولكنها خلال ذلك تخلق فراغاً في النظام السياسي يجرها إلى أداء دور غير مناسب بالنسبة لها كشركة. إذن، ما هو مستقبل الشبكات الاجتماعية؟

الحل الأول: سوق لتنظيم التعاملات.

من أجل إعادة ضبط التوازن المختل الذي ناقشناه أعلاه، فإنّ أمام شركات الإنترنت من الناحية النظرية الحلول التالية:

  1. رفع قيمة الخدمات الرئيسة من خلال تقديم خدمات مجانية أكثر جاذبية.
  2. تحفيز المستخدمين صراحة لمشاركة بياناتهم من خلال دفع الأموال أو تقديم خدمات أخرى لهم.
  3. البحث عن مصدر آخر للإيرادات بخلاف خدمات الأطراف الثالثة التي تبيعها.

لقد أشار مارك زوكربيرغ إلى النقطة الأخيرة خلال جلسات استماع مجلس الشيوخ الأميركي، إلا أنها لم تلق صدى جيداً. وقد صاغها السناتور بيل نيلسون على أنها “ابتزاز“، ولذلك سيكون التواصل ضرورياً هنا، لاسيما بالنظر إلى أزمة الثقة الحالية.

وبغض النظر عن النهج المتبع لاستعادة التوازن بين التعاملات المختلفة، يجب أن تصبح التعاملات نفسها واضحة وشفافة ومحددة. إنّ تحقيق هذه الخصائص الثلاث هي مهمة السوق، وسيكون ذلك نهجاً مفيداً جداً لاستعادة الثقة وسيوفر سبيلاً لتحديد قيمة البيانات والخدمات التي يتلقاها العميل على سبيل المبادلة وسيحفز المستخدمين على الاستمرار في مشاركة بياناتهم. وقد يكون الرهان هو على مدى استعداد الناس لمشاركة بياناتهم الشخصية في حال كانوا قادرين على التحكم بها ويعتقدون أنهم يحصلون على صفقة جيدة، فهل ستكون سلسلة الكتل (البلوك تشين) هي الوسيلة الناجعة لتحقيق ذلك؟

الحل الثاني: ماذا لو استبدلت الشبكات الاجتماعية الأحكام والشروط بعقد اجتماعي؟

الشبكة “الاجتماعية”، هو الاسم الذي يُطلق على تلك الشبكات في النهاية. وإذا اعتبرنا الشبكات الاجتماعية هي البعد الرقمي لمجتمعنا، فلا معنى لإخضاع مجتمعنا المادي لعقد اجتماعي بينما يحكم جانبه الرقمي عقداً تجارياً. لقد حظرت دولة بابوا غينيا الجديدة مؤخراً موقع فيسبوك لمدة شهر وتفكر في إطلاق نسختها الخاصة كخدمة حكومية. بغض النظر عن جدوى ذلك، إلا أنه يُعتبر نهجاً مثيراً للاهتمام.

إذا كانت الشبكات الاجتماعية هي البعد الرقمي لمجتمعنا، فلماذا يحكمها عقد تجاري وليس عقد اجتماعي تماماً مثل مجتمعنا المادي؟

“المكاسب تأتي من آثار الربط الشبكة”.

قال هوبز: تتكاتف الجماعات وتتخلى عن بعض حقوقها من أجل كسب المنافع. في العقد الاجتماعي للشبكة الاجتماعية، ما الذي يمكن أن يتخلى عنه الناس؟ وماذا سيكسبون؟ لا يوجد تعريف شامل لما ستكون عليه المكاسب؛ إذ إنها سوف تختلف من مجموعة إلى أخرى. ومع ذلك، فإنّ المكاسب ستكون نتيجة لتوافق يحدث ضمن المجموعة وتوضع في صيغة “عقد اجتماعي” بدلاً من “الأحكام والشروط” التي تفرضها شركة معينة. قد تنشأ معظم المكاسب من “آثار الربط الشبكي” التي يمكن تحقيقها من خلال التواصل، ويعني ذلك أنّ التنازلات والتضحيات التي يجب على الناس تقديمها سوف تتمحور حول تغيير سلوك الأفراد (المستوى الجزئي للشبكة) من أجل تحقيق مكاسب للمجموعة بأكملها (أي ديناميات إيجابية على المستوى الكلي).

التضحيات في العقد الاجتماعي: حرية التواصل.

من بين أولى الأمور التي يتعين تطويعها على المستوى الجزئي: علاقات التواصل، إذ تحقق جميع الأنظمة القائمة على الشبكة (مثل الدماغ) وظائفها من خلال وجود أنماط اتصال محددة. ولتحقيق ذلك، سيتعين على “المواطنين” الالتزام بقواعد معينة فيما يتعلق بعلاقات التواصل التي سوف يقيمونها أو لا يقيمونها. مثل هذا العقد الاجتماعي يجب أن يحدّ من حرية التصرف على الشبكات الاجتماعية لاتباع سلوكيات جزئية معينة. و”الحد من حرية التصرف” هو مجرد طريقة أخرى للقول أنّ التفاعل بين الأفراد سوف يتبع قواعد معينة: ما يجب نشره، ومتى يجب ذلك، وكيفية التفاعل مع المنشورات، وما إلى ذلك. ويعتمد عمق هذه القواعد وتعقيدها على وفرة الإجراءات الممكنة ضمن الشبكة الاجتماعية.

التضحيات في العقد الاجتماعي: البيانات الشخصية.

التنازل الآخر الذي يتعين على المواطنين تقديمه هو البيانات الشخصية، ويحصل ذلك بالفعل في الوقت الحاضر ضمن نطاق العقد التجاري. ولدى تلك البيانات حالياً مهمة تمويل الشبكة (من خلال إعلانات) بالدرجة الأولى، فضلاً عن تحسين تجربة المستخدمين (الفردية)، ولا يوجد سبب لضرورة تغيير هذا في العقد الاجتماعي. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ مشاركة البيانات الشخصية من شأنها أن تسهم في جعل النظام قابلاً للتنظيم.

قدمت شركات الإنترنت عملاً رائعاً من خلال خلق بعد اجتماعي لمجتمعنا. وهي تحدث للمرة الأولى في تاريخ البشرية، عدد كبير من الأفراد والأشخاص الاعتباريين والتفاعلات فيما بينهم، إضافة إلى الظواهر الاجتماعية والفئات الاجتماعية الجديدة، كانوا موجودين بصورة حصرية ضمن عالم غير مادي قبل ذلك. لقد حان وقت الانتقال إلى عصر جديد من الشبكات الاجتماعية الرقمية، إذ من شأن هذه الزعزعة أن تعيد ترتيب الأوراق وتخلق فرصاً للابتكار في مجال المنتجات الرقمية والبنى الاجتماعية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!