قليلة هي الأمور المستقرة في الحياة الاقتصادية. قبل 60 عاماً، حدد نيكولاس كالدور حقيقة واحدة بدا أنها لا تتغير: كانت حصة العمالة من الدخل القومي ثابتة. وبعبارة أخرى، كان العمال يكسبون كل عام حوالي ثلثي الفطيرة الاقتصادية، إذا جاز التعبير، ويأخذ أصحاب رأس المال الباقي. كان استقرار هذه النسبة، على حد تعبير زميله الاقتصادي من كامبردج اللورد كينيز، "أشبه بالمعجزة".

لن يفيدنا الحديث عن المعجزات. ويكفي أن نعرف أن حصة العمال تتراجع منذ نحو ثلاثة عقود في أميركا، وهي في تدهور متسارع منذ مطلع هذا القرن. لقد سُجل هذا التراجع بالمثل في معظم البلدان الأخرى. في الولايات المتحدة، تبلغ حصة الدخل التي يحصل عليها العاملون في المنزل كل عام حوالي 60%.

هناك الكثير من النقاش حول حجم التراجع، لكن الإجماع واسع على أنّ هذا حدث بالفعل وأنّ الأمر جِدي. ويدور الخلاف حول سبب فقدان العاملين جزءاً من حصتهم. ربما تكمن القصة الرئيسة في "نهوض الروبوتات" فقد أدى التقدم التكنولوجي السريع في أجهزة الكمبيوتر والأتمتة إلى انخفاض كبير في سعر المعدات الرأسمالية على أساس معادل الجودة. تستعيض الشركات عن الأشخاص باهظي الكلفة عبر شراء أجهزة أرخص، وينخفض ​​جزء القيمة المضافة الذي يذهب إلى العمال، أو هكذا يُقال.

المشكلة في هذه القصة هي أنها تفترض أن الشركات لديها المرونة في التبديل بسهولة بين العمالة ورأس المال. وعلى حد قول الخبراء، يجب أن تكون مرونة استبدال رأس المال بالعمالة أكبر من واحد حتى تكون هذه الفرضية صحيحة، بحيث يؤدي انخفاض أسعار الآلات إلى دفع أصحاب العمل إلى أن ينفقوا على الآلات أكثر مما ينفقون على العمال. ولكن الأدلة التجريبية لا تشير إلى قابلية كافية للمبادلة بين العمالة ورأس المال ليحدث هذا.

التفسير الرئيس الآخر لتراجع حصة اليد العاملة هو أن الواردات الصينية تسببت في لجوء أصحاب العمل للاستعانة بالعمالة الخارجية في آسيا، ما سبب انخفاضاً في حصة العمالة محلياً، حتى وإن لم تنخفض الاستفادة من العمالة عالمياً. تظهر البيانات انخفاضاً في حصة العمالة في القطاعات غير القابلة للتصدير والاستيراد مثل تجارة التجزئة والجملة، وليس فقط في القطاعات القابلة للتداول التجاري مثل التصنيع. علاوة على ذلك، تشهد الصين نفسها انخفاضاً حاداً في حصة العمال. وبالتالي فمن غير المرجح أن تكون الصين هي السبب الرئيس لانخفاض نصيب العمال في الغرب.

في مقال نشر مؤخراً، طرحنا قصة مختلفة تقوم على صعود الشركات العملاقة. على امتداد السنوات الأربعين الماضية يتجه مزيد من القطاعات التجارية نحو الاحتكار مع سيطرة عدد صغير من الشركات العملاقة على معظم الحصص. لطالما حظيت الشركات التي تمتلك ميزة التكلفة أو الجودة بحصص أكبر في السوق. في "الأيام الخوالي"، كانت الشركات الأكثر إنتاجية تحظى بشريحة أكبر من السوق، ولكنها كانت تترك لمنافسيها كمية كبيرة ينعمون بها. على النقيض من ذلك، تستحوذ الشركات العملاقة الجديدة في عصرنا على جزء أكبر بكثير من السوق الذي تنشط فيه، إن لم يكن على السوق بمجمله. خذ على سبيل المثال جوجل وآبل وأمازون في المجال الرقمي أو وول مارت وغولدمان ساكس في العالم غير المتصل بالإنترنت.

وليس السبب في ذلك أن الشركات العملاقة تدفع أجوراً أقل؛ في الواقع، في المتوسط​​، تدفع الشركات الكبرى عادة أكثر. لكن الأجور في الشركات العملاقة تمثل جزءاً صغيراً من إيرادات المبيعات. تحقق الشركات العملاقة الكثير من الأرباح عن كل موظف، وبالتالي مع نموها لتستحوذ على حيز أكبر فأكبر في الاقتصاد، تنخفض الحصة الإجمالية للناتج المحلي الإجمالي التي تذهب إلى العمالة. وتدعم عدة أجزاء من البيانات نظريتنا المتعلقة بالشركات العملاقة. في البدء، تتوقع نظريتنا أن تصبح الأسواق أكثر تركيزاً، وبالتأكيد هذا ما تظهره البيانات.

الأثر الثاني المترتب على النظرية هو أن حصة العمالة في الشركة المتوسطة لم تتغير كثيراً. وتؤكد بياناتنا أن هذا ما هو عليه الحال. ما حدث هو أن كتلة الاقتصاد قد انتقلت بين الشركات باتجاه الشركات العملاقة. ثالثاً، القطاعات التي أصبحت أكثر تركيزاً هي القطاعات نفسها التي شهدت أكبر انخفاض في حصة العاملين. هذه هي القطاعات التي سجلت أعلى زيادة في التخصيص لصالح الشركات العملاقة. ونشوء الشركات العملاقة ليس مجرد انعكاس لاقتصاد منحرف يتواطأ القائمون عليه لسرقة المستهلكين والعمال. ولا تقتصر الأنماط التي نوثقها على الولايات المتحدة؛ فهي تحدث في جميع أنحاء العالم. ويشير ذلك إلى أن التغييرات في قانون مكافحة الاحتكار أو العوامل الأخرى الخاصة بالسياسات لا يمكن أن تكون المحرك الأساسي لها. إذا كانت السياسات لا تؤدي إلى زيادة التركيز، فما الذي يفعل ذلك؟ يتمثل أحد الاحتمالات في أن التجارة عديمة الاحتكاك تقريباً التي أتاحتها الإنترنت والعولمة تتيح للشركات الأكفأ أن تُكافأ بحصص سوقية أكبر اليوم مما كانت عليه في الماضي. ونحن نبرهن في الواقع أن الصناعات التي سجلت أعلى قدر من التركيز هي تلك التي سجلت النمو الأسرع في الإنتاجية والابتكار. هل يعني هذا أننا يجب أن نشعر بالراحة إزاء الانتقال إلى اقتصاد تهيمن عليه الشركات العملاقة؟

لا ، لسببين على الأقل.

لقد اقترن انخفاض حصة العمالة مع تباطؤ النمو الاقتصادي وهذا يعني انخفاض الأجور وفرص العمل للعامل العادي. وما يحدث في الواقع، أن العمال يحصلون على شريحة متضائلة من فطيرة بالكاد تزداد اتساعاً.

وعلى الرغم من أن الشركات العملاقة ربما هيمنت على السوق من خلال الوسائل التنافسية، إلا أنها قد تعزز مواقعها باستخدام طرق أقل التزاماً بأصول المنافسة الحميدة. تستثمر الشركات الكبيرة والمربحة بكثافة لدى المجموعات الضاغطة للتأثير على السياسات وحماية مصالحها. وقد تتبع استراتيجيات تجارية تجعل من الصعب على القادمين الجدد النمو والازدهار. أصبحت مايكروسوفت شبه احتكارية في أنظمة التشغيل من خلال الابتكار والقرارات الصائبة، لكنها سعت بعدها لإبعاد القادمين الجدد مثل نتسكيب عن السوق. وحتى عندما تفشل الشركات العملاقة في ردع منافسيها، غالباً ما تلجأ إلى شراء الشركة التي تمثل تهديداً لها، مثلما فعلت فيسبوك مع إنستغرام وواتساب.

يكمن الخطر في أن هيمنة الشركات العملاقة ستسهم في نهاية المطاف في انخفاض الديناميكية الاقتصادية والإنتاجية، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة ترسيخ قوتها. وإذا تُركت الأمور دون رقابة، فقد يؤجج هذا الاستياء الشعبي من الشركات الكبرى أو الحكومات الكبيرة، أو كليهما. ويمكن القول إن هذه العملية جارية بالفعل.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!