عندما سُئل توني هسيه، مؤسس شركة زابوس، ما الذي كان سيفعله بشكل مختلف، لو كان بوسعه إعادة تأسيس شركته من الصفر. أجاب: “لو استطعت أن أعود بالزمن إلى البداية وأنشئ زابوس من جديد، لكنت رسخت قيم شركتنا منذ اليوم الأول”.

ربما يكون لتطوير قيم شركتك باكراً الأثر المديدة والإيجابية على مؤسستك وثقافتها، ومن الأسهل القيام بذلك عندما يكون فريق عملك صغيراً. فمن البديهي أنّ قيادة قارب سباق يتسع لأربعة أشخاص أسهل بكثير من قيادة سفينة سياحية تتسع لألفي شخص. وعندما يكون فريقك كبيراً يكون من الصعب الاتفاق حول القيم والمبادئ التي يتعين على الشركة اتباعها والالتزام بها.

لقد عملت مع عدة مؤسسات صغيرة تعمل على تشكيل مبادئ وأسس ثقافتها في العمل – ومؤخراً خضت عملية تطوير قيم شركتي الخاصة الناشئة في مجال التكنولوجيا. وعندما بدأنا بوضع ومناقشة قيمنا في الشركة كنا فريقاً مؤلفاً من أربعة أشخاص. وأمضينا بضعة أسابيع نطور مجموعة قيم شركتنا معاً ونناقش كيفية تفسير تلك القيم (وبالتالي كيفية تطبيقها)، ومن ثم ندمجها في عملياتنا وثقافتنا. وبعد مرور سنة، بتنا 21 شخصاً ونحن في طور النمو، ولا يزال فريقنا يذكر تلك القيم ويستشهد بها ويشير إليها أكثر من مرة في اليوم الواحد.

وسواء أكنت تدير شركة ناشئة أم شركة صغيرة، هذه هي الخطوات التي يتعين عليك القيام بها لترسيخ قيم شركتك.

طور قيم شركتك بالتشاور مع باقي أعضاء فريقك

نادراً ما تنجح صياغة بيان قيم الشركة من قبل شخص واحد ومن ثم فرضه على باقي أعضاء الفريق. فمن غير المجدي إبلاغ أي شخص ما الذي عليه أن يجده ذا قيمة ومعنى – فأنت تطور نظامك القيمي الخاص على مدار سنوات طويلة، ومن غير السهل تغييره في ليلة وضحاها. وفي حالة شركتي الخاصة، اشترك جميع أعضاء فريق العمل في صياغة بيان قيم الشركة، بحيث قمنا بانتقاء القيم التي كان أعضاء فريقنا يؤمنون بها وأقرّينا قيماً جوهرية كنا نعيشها مسبقاً كمؤسسة. ولقد ساعدنا ذلك على تفادي اعتماد تلك القيم الطموحة والرنانة لكنها في جوهرها من دون معنى، والتي يحاول القادة فرضها على مؤسساتهم في مسعى منهم لإعادة تشكيل ثقافتها وفرضها فرضاً على الموظفين. فضلاً عن ذلك، فإنّ القيم التي يتم الإعلان عنها بمشاركة جميع أعضاء الفريق من المرجح أن تكون مجموعة قيم فريدة ومميزة للشركة – ومن المعروف أنّ القيم المتمايزة تترافق مع الأداء الأفضل.

امنح الفرصة للموظفين العاديين لأن يسهموا في صياغة القيم ويطرحوا أفكارهم للنقاش. لقد بدأنا العملية من خلال قيام كل منا بالتفكير على نحو مستقل بقيم شركتنا القائمة (والتي قد لا تكون معلنة وصريحة)، ومقترحاتنا حول نظام القيم الأمثل الذي يناسبها. طلبنا من جميع أعضاء فريق العمل أن يبدأ بالتفكير في بعض الأسئلة مثل: ما الأمور التي تراها ذات قيمة؟ ما هي القيم غير المعلنة التي جعلتنا ننجح في عملنا حتى الآن؟ ما السمات المشتركة بين الموظفين الناجحين في عملهم؟ ما هي القيم التي يجب أن تحكم طريقة تعاملنا مع بعضنا البعض ومع العملاء؟ وقمنا بإرسال لائحة بهذه الأسئلة إلى جميع الموظفين قبل موعد الاجتماع العام المحدد مسبقاً بعدة أيام.

اجمع كل الأفكار، ثم رتبها. عندما جلسنا معاً، بدأنا بإدراج جميع القيم المقترحة في لائحة واحدة ودوناها على اللوح. لقد كان ذلك بمثابة تمرين ذاتي قام فيه كل منا بكتابة أفكاره على اللوح في الوقت نفسه. وكلما تباطأت حركة الأقلام كنت أحثهم على المزيد من الأفكار. وبعد حوالي 15 دقيقة (حينما نفدت جميع مقترحاتنا)، طلبت من كل واحد أن يأخذ ورقة ويكتب عليها 10 قيم يجدها مناسبة ويرتبها حسب أهميتها بالنسبة له.

حدد بالتعاون مع الجميع “قائمة تصفية” بالقيم الأكثر أهمية. قمنا بمقارنة لوائحنا ومنحنا كل قيمة عدداً من النقاط يعبّر عن أهميتها – فإذا كانت قيمة ما على رأس لائحة أحد الأشخاص تحصل على 10 نقاط، وإذا كانت في آخر اللائحة تحصل على نقطة واحدة، وهكذا. ثم نظرنا إلى الأرقام وناقشنا الأسباب واستخدمنا عدد النقاط لتشكيل قائمة تصفية للقيم الأكثر أهمية. وانطلاقاً من ذلك، أجرينا نقاشاً مفتوحاً حول ما نعده ذا قيمة بالنسبة لنا كشركة. وهكذا حددنا مساحات الالتقاء في لوائحنا وكشفنا مساحات الاختلاف وناقشناها. وبعد ساعة كاملة من النقاش، اتفقنا على 7 قيم أساسية بشكل نهائي.

لقد كنا في ذلك الوقت أربعة أشخاص فقط، وكنا محظوظين لأننا وصلنا إلى التوافق بسرعة نسبياً (وأننا اخترنا مجموعة قيم بقيت مهمة بالنسبة لنا بعد مرور سنة من اختيارها). غير أنّ بعض الفرق قد تحتاج لأكثر من ساعة نقاش، ولا بدّ من تكريس الوقت الكافي للتفكير واللقاء مرات عدة للمناقشة. وقد يكون من المجدي القيام بتلك المناقشة في يوم كامل تعطل فيه الشركة أعمالها الأخرى وتخصصه لهذا الغرض تحديداً. وبالنسبة لفرق العمل متوسطة الحجم، يكون من المفيد أن يقوم بهذا النشاط فريق مصغر مكون من عدد محدود من الموظفين الأساسيين مع مندوبين من أقسام مختلفة في الشركة. وفي حين أنّ بعض الشركات قد تنجح في تثبيت قيمها خلال أول لقاء تعقده، تلجأ شركات أخرى إلى تشكيل قوائم تصفية تطرح للنقاش ويقرر بشأنها من قبل كبار المدراء التنفيذيين. وفي جميع الحالات، فإنّ أفراد الفريق الأساسيين والمهمين يجب أن يشاركوا في النقاشات والقرارات ومن المرجح حينئذ أن يدافعوا عن القيم المقررة للشركة ويقفوا خلفها.

ناقش ما تعنيه القيم المختارة

يعد فهم القيم المختارة أمراً أساسياً وحيوياً لتطبيقها بشكل صحيح. وفي الواقع، فإنّ الموظف الذي يعرف قيم شركته ويفهمها جيداً، يكون “منخرطاً كلياً” في عمله أكثر بـ51 مرة من الآخرين.

بعد أن تكون الشركة قد أقرت لائحة قيمها، قم بتخصيص وقت لمناقشة ما تعنيه كل قيمة على حدة بالنسبة لك ولزملائك في فريق العمل، وكيف يمكن تطبيقها في العمل اليومي على أرض الواقع. وتذكر دائماً: حتى أصحاب النوايا الطيبة من الموظفين، ربما يسيئون فهم إحدى قيم الشركة أو يخطئون في تجسيدها على أرض الواقع، فما يبدو لك اليوم بديهياً بوصفك متأصلاً وضليعاً في عملية تحديد قيم الشركة قد لا يبدو كذلك بالنسبة لموظف انضم إلى فريق العمل بعد شهرين من إقرار تلك القيم. لذلك، كرس الوقت اللازم لشرح المعنى الحقيقي لكل قيمة.

ولمناقشة ما تعنيه قيم شركتك، ركز اهتمامك على معالجة الأسئلة التالية:

  • ما الذي تعنيه هذه القيمة بالنسبة لنا؟
  • وكيف يبدو تجسيدها على أرض الواقع؟
  • وكيف يمكن إساءة تفسيرها؟
  • وكيف يمكننا تقييم مدى الالتزام بها؟
  • وكيف يمكن أن تغير علاقاتنا وتفاعلنا مع بعضنا البعض ومع عملائنا؟

حاول أن تحوّل فهمك المشترك لقيم الشركة إلى شرح واضح ومباشر لكيفية النظر إلى تلك القيم واختبارها وعيشها في مكان العمل. ولنأخذ مثالاً على ذلك قيمة “الاحترام”. كيف تبدو هذه القيمة في شركتك؟ وكيف يظهر موظفوك هذه القيمة؟ ومن هم الذين سيُظهرون لهم الاحترام؟ وكيف سيغير ذلك سلوكهم اليومي؟

وفي سياق هذه العملية، كلف أحد أعضاء فريقك ممن يحظون بثقة الجميع بأن يقوم بإعداد شرح مفصل لقيم الشركة، ومن ثم أرسل ذلك الشرح إلى جميع الأعضاء للاتفاق على صياغة دقيقة ونهائية لما تعنيه تلك القيم. ولعل اختيار الكلمات المناسبة هنا أمر بالغ الأهمية، لأن الكلمات تؤثر في كيفية قراءة تلك القيم وتفسيرها. ولترسل هذه المقترحات إلى جميع الأعضاء وتطلب عقد اجتماع بعد عدة أيام لمناقشة تلك المقترحات والاتفاق على الصيغة النهائية.

وقد تحتاج إلى القيام بهذه العملية مرات عدة (صياغة مقترح، ومن ثم تنظيم لقاء، ومناقشة المقترح، وتعديله، وإعادة صياغته، وتكرار الخطوات من جديد) قبل أن ترسو على تفسير يدعمه ويقف خلفه جميع أعضاء الفريق. ولا ضير في ذلك، إذ كلما كانت هذه العملية مدروسة ومتعمدة أكثر، ولو أخذت وقتاً طويلاً، كانت أكثر نجاعة وفاعلية.

جسّد قيمك على أرض الواقع

لا يكفي بالطبع كتابة قيم الشركة على لوحة وتعليقها على الجدار في غرفة الاستراحة. بل لا بدّ من تحديد التغييرات التي ستقوم بها والممارسات التي ستعتمدها لكي تدعم تجسيد تلك القيم في سلوك جميع موظفيك.

وفي حالتنا، عنت قيمة “اعتماد ذهنية النمو” إضافة أهداف ذات صلة بالتعلم الذاتي والتطور المهني إلى عملية استعراض النتائج الربعية للشركة. والآن يُسأل كل موظف في بداية كل ربع سنة: “ما الذي ستتعلمه؟”، ومن ثم سيحاسب الموظف على التزامه بذلك بعد ثلاثة أشهر. ومن بين عناصر تفسير قيمة “التوجه نحو النتائج” أننا “نلغي جميع الاجتماعات التي لا تولد قيمة مضافة”، ولذلك طُلب من جميع أعضاء الفريق أن يراجعوا جداول أعمالهم، وأن يقلصوا أو يلغوا جميع الاجتماعات غير الضرورية.

اجمع فريقك مرة أخرى لصياغة خطة فعالة لتجسيد قيم شركتك على أرض الواقع. ولتناقش كل قيمة على حدة وتحدد الخطوات العملية التي تجعلها جزءاً لا يتجزأ من ثقافتك، أو كيف يمكنك وضع نظام حوافز يدعم تجسيد تلك القيم بشكل أفضل. وفي الشركات الأكبر، يمكنك دعوة جميع المدراء التنفيذيين ومدراء المشاريع لوضع خطط مستقلة لتجسيد قيم الشركة ضمن فرقهم، ودعوة جميع الأفراد إلى تقديم مقترحاتهم الخاصة لخطط تجسيد قيم الشركة.

ابحث عن طرق يمكنك من خلالها إدماج قيم شركتك في إجراءات التوظيف، والتوجيه والالتحاق بالوظيفة، وحوافز الأداء، وفرص الترقية. واحرص على الإشادة بالموظفين الذين يجسدون في سلوكهم قيم الشركة، وقم بإعادة تفسير تلك القيم في الحالات والأقسام المختلفة، كما فعلنا نحن بالنسبة لفريق خدمة الزبائن في شركتنا. واسمح لقيمك بأن تتطور مع مرور الزمن. وبوسعك أن تدعو مجموعة من الشركاء مرة في السنة لمناقشة قيم شركتك وتحديد ما إذا كانت تفسيراتها (أو القيم بحد ذاتها) بحاجة إلى إعادة نظر، وكيف يمكنك تجسيدها على أرض الواقع بشكل أفضل في العام القادم.

بمقدور القيم المدروسة والمجسدة على أرض الواقع بشكل جيد أن تشكل قاعدة مناسبة لثقافة إيجابية وأداء عال. ومن المجدي تكريس الوقت الكافي لإشراك الجميع في صياغة قيم الشركة وتطوير فهم مشترك لها ومن ثم تحويلها إلى جزء لا يتجزأ من عملها اليومي – وهذا كله يكون أسهل بكثير عندما يكون فريق عملك لا يزال صغيراً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!