تابعنا على لينكد إن

ظل مجال المبيعات والمجال الأكاديمي على مدى عقود يسيران في طريقين متوازيين، حيث كان آنذاك أداء عالم الأعمال جيداً إلى حد كبير، ولم يكن بحاجة لدعم المكان الأكاديمي. أما اليوم، فقد تغير عالم المبيعات، ولا يزال المجال الأكاديمي في مساره الخاص بعيداً عنه، ما يؤثر سلباً على كلا المجالين.

إذ يٌعتبر مفهوم المبيعات مفهوماً حديثاً نسبياً مقارنة بالهندسة أو التخصصات المالية أو العمليات. وكان يُنظر إلى المبيعات في الماضي على أنها عملية خدمية، وكان هناك تركيز على تطوير أخلاق الباعة أنفسهم. فعلى سبيل المثال، تم تأسيس “جمعية المسافرين التجاريين المتحدين” (The Order of United Commercial Traveler) بهدف “تحسين شخصية رجال المبيعات وغرس العادات المعتدلة فيهم”. كما كانت الكتب الدينية توضع في الفنادق لتشجيع المسافرين ومنهم رجال المبيعات الذين يأتون لعقد صفقات في الفنادق على تجنب المقامرة وشرب الكحول وتجنب التعرض لأشكال الإغراء الأُخرى

كما يوثّق والتر فريدمان (Friedman documents) في كتاب “ولادة بائع” (Birth of a Salesman)، أنه لم يُنظر إلى المبيعات على أنها وظيفة تتطلب تدريباً أو تعليماً متخصصاً لفترة طويلة حتى القرن العشرين، الذي شهد وقتها بدء تدريب الشركات، لا الجامعات، لموظفيها على المبيعات. إذ كان يُدرب المندوبون على الكلام الواجب عليهم قوله للعملاء (كلمة بكلمة)، وكيف عليهم ارتداء ملابسهم، والتعابير التي عليهم رسمها على وجوههم، وطريقة حركة أيديهم، وكيفية استخدام القلم عند تقديمه إلى العميل “للتوقيع على الصفقة”. حيث يمكنك رؤية هنا أنه حتى في التدريب، كانت المبيعات عبارة عن سلسلة تصرفات في مجالات مختلفة: اختبارات ومنهجيات و”عروض” يزعم انطباقها على جميع حالات البيع، فضلاً عن “التسويق العصبي” (neuro-marketing) والذي يتطرق إلى جوانب البيع والشراء.

أما في الجامعات، فقد كان يُنظر إلى المبيعات على أنها مقرر يتبع “مدرسة التجارة”، بالتالي، لم تقدم مقررات متصلة بالمبيعات. حتى عندما ازدهرت برامج الماجستير في إدارة الأعمال مع صعود أهمية التسويق، كان تطرقها إلى المبيعات هامشياً. وكما قال ثيودور ليفيت (Theodore Levitt)، أستاذ التسويق السابق في جامعة هارفارد ومحرر هارفارد بزنس ريفيو: “إنّ البيع مشغول باحتياجات البائع وتحويل منتجه إلى نقد، والتسويق مشغول بفكرة إرضاء احتياجات العميل عبر المنتج وكل ما يرتبط بتجربة استخدامه من إنشاء وتقديم واستهلاك”. بعبارة أُخرى، لماذا عليك العمل على المبيعات في حين التسويق هو المجال الأهم؟

لا تزال هذه العقلية سائدة، على الرغم من ذكر الإحصاءات وجود أكثر من نصف خريجي الجامعات الأميركية، بغض النظر عن تخصصاتهم، يعملون في المبيعات خلال مرحلة ما. لكن من بين 4,000 كلية وأكثر في الولايات المتحدة، تملك أقل من 100 منها برامج مبيعات أو حتى دورات متصلة بالمبيعات. وفي نفس الوقت، من بين 170,000 طالب يحصلون على إجازة الماجستير في إدارة الأعمال سنوياً، جزء صغير منهم يعرف ماهية المبيعات حقاً.

لم يشكل الأمر مشكلة في السابق لأسباب متعددة. إذ كانت برامج الماجستير في إدارة الأعمال سابقاً تفضل متقدمين يملكون خبرة عملية، وكان لدى العديد من المتقدمين بالفعل بعض الخبرة في المبيعات. بالتالي، كان يمكن للكلية تهيئة الطالب من أجل مهنة إدارة الأعمال دون إدراج تدريب في مجال المبيعات، وكان من المرجح أن يمتلك طلاب ماجستير إدارة الأعمال خبرة في مجال التمويل أو حتى البرمجة بدل المبيعات. وفي نفس الوقت، كانت المبيعات في معظم الصناعات ذات اعتماد أقل على البيانات وأكثر على التواصل والعلاقات الاجتماعية مقارنة بما هو عليه الوضع حالياً. حيث كانت شركات وول ستريت مثلاً مرتاحة بتوظيف “خريج جامعة هارفارد أو برينستون” بغض النظر عن درجاته في مقررات الاقتصاد، فقط لعلاقاته في المحصلة، وقام العالم الخارجي، وبطريقته الخاصة، بسد الفجوة بين التعليم والتحضير. لكن تغيّر الكثير بعد ذلك.

لنأخذ مثلاً تأثير تكنولوجيا الإنترنت. حيث يملك المشترون الآن وصولاً سهلاً، وبنقرة، إلى كافة المعلومات المتصلة بمنتج معين، بما في ذلك سعره وآراء المشترين الآخرين وتجاربهم في استخدامه. هل يعني هذا أنّ جميع الأعمال باتت تتم عبر الإنترنت؟، قطعاً لا. فصحيح أنّ الإنترنت موجود منذ ما يقرب من 20 عاماً، لكن لا تزال التجارة الإلكترونية تمثل 10% أو أقل من مجمل مبيعات التجزئة، وحتى أقل في حالة التبادل والتعاون التجاري بين الشركات (B2B). لكن في الوقت نفسه، هناك أثر للإنترنت على كيفية قيام مندوبي المبيعات بالتواصل مع عملائهم فيما يتعلق باحتياجاتهم وبيع المنتجات إليهم من ناحية، ومن ناحية أُخرى تواصلهم مع شركاتهم نفسها.

إلى جانب ذلك، زاد اعتماد المبيعات على الأبحاث. فإذا أردت حقاً رؤية أمثلة فعلية عن استخدام “البيانات الكبيرة” (Big Data)، لا تنظر إلى جوجل أو فيسبوك، بل انظر إلى ما يجب على مندوبي مبيعات السلع الاستهلاكية القيام به الآن للحصول على مساحة ضمن رفوف المتاجر، أو منصات للترويج، أو حملات إعلانية في سلاسل التجزئة.  فربما تفترض أنّ مبيعات الجملة، وفيها تبيع شركة منتجات مصنعة من شركات أُخرى أسهل، لكن وجدت دراسة للرابطة الوطنية لتجار الجملة والموزعين أنّ على تلك الشركات التحلي بنفس حنكة الأعمال ومهارات البيع التحليلية للنجاح في هذا القطاع. ويعود ذلك جزئياً إلى انتقال عمليات البيع إلى شبكة الإنترنت. وبحسب تعبير من قابلتهم مرة، “تصبح العلاقات أكثر خجلاً كل يوم” وهو ما يتطلب من مندوبي المبيعات بذل جهد أكبر لتأمين حصة مبيعات أكثر.

من ناحية أُخرى، أدت مواقع الويب والمدونات ووسائل الإعلام الرقمية الأُخرى إلى جعل الشركات التي يمثلها مندوبو المبيعات أكثر شفافية أمام المشترين. إذ باتت الشركات تطالب بالكثير وتتوقع من مندوبي المبيعات تنفيذ الكثير، وهو ما زاد الحمل على المندوب والذي عليه تمثيل شركته أمام الشركة الزبونة والوصول إلى صفقة يُرضي فيها الطرفين ويحقق فيها الغايات المرجوة للجميع.

كما أنّ على الباعة إرضاء جميع الأطراف، من شركاتهم إلى عملائهم، وعليهم تحقيق أفضل نتيجة في جميع الحالات. حيث يُشير الكثير من مندوبي المبيعات (أغلبية من قابلناهم) إلى أنّ التعامل مع أقسام شركتهم يمثل تحدياً أكبر من إدارة العملاء والزبائن.

بسبب هذه التغييرات، تواجه الشركات صعوبة في العثور على أشخاص مناسبين لملء أدوار المبيعات. وبحسب شركة بورنينج غلاس (Burning Glass)، وهي شركة لتحليل سوق العمل، ما يقرب 60% من الوظائف الخاصة بمندوبي المبيعات بحاجة إلى إجازة جامعية على الأقل لتلبيتها. في نفس الوقت، يستغرق أصحاب العمل 41 يوماً تقريباً في محاولتهم ملء الوظائف المتصلة بمجال المبيعات مقارنة مع 33 يوماً لباقي الوظائف. ولو قمنا بدراسة حول “نوعية” من يشغلون تلك الوظائف، سنرى نتائج أكثر إحباطاً.

في السياق ذاته، يمكن للحوار بين المبيعات والأوساط الأكاديمية أن يفيد كلا الطرفين، كما يمكنه أن يحقق فائدة للمجتمع أيضاً: إذ تشير الدراسات إلى أنّ العمل في المبيعات يحقق دخلاً أعلى مهنياً. مع النظر إلى المبلغ الذي يُنفق على قوى المبيعات في الاقتصاد الأميركي (حوالي 900 مليار دولار سنوياً، ويمثل الجزء الأكبر من استراتيجية معظم الشركات)، يُعتبر هذا قضية متصلة بإنتاجية الشركة.

كيف يمكن للكليات والجامعات معالجة هذه الفجوة؟، ليست الإجابة بهذه السهولة. حيث لا يمكن النظر إلى المبيعات على أنها علم يمكن وضعه ضمن قواعد محددة وذلك نظراً لوجود متغيرات كثيرة تؤثر على أداء السوق ونجاح المبيعات، لكن يجب أن تبدأ عملية التدريب والتطوير بوعي، ويجب إدراج مساحة تتصل بالمبيعات في المناهج الدراسية والعمل على أنها موضوع يستحق إدراجه ودراسته.

كما ينبغي أيضاً متابعة الدراسة المتصلة بواقع المبيعات وتوفير التدريب العملي له. وهناك مشكلة حالياً في جانب العرض، إذ نجد أن برامج الدكتوراه لأعضاء هيئة التدريس نادراً ما تركز على المبيعات، ويعتمد الترويج الأكاديمي للمبيعات بشكل متزايد على أبحاث البيانات الكبيرة بدل التفاعل بين الاقتصاد وعلم النفس، والسلوكيات الأساسية الكامنة في قلب معظم مهام المبيعات.

إذ يجب أن يتضمن المجال الأكاديمي تدريباً عملياً مع مساعدة ودعم ورعاية من الشركات، وهو ما من شأنه أن يجعل الطلاب على احتكاك مع عملاء في العالم الحقيقي وممارسين من ذوي الخبرة.

على الشركات أيضاً دعم الجهود الأكاديمية في مجال المبيعات. حيث تنمو الأسواق بسرعة، كما أنّ سلوكيات البيع تنمو بدورها بسرعة أكبر. فإذا توافر لدينا طلاب مؤهلين بإمكانيات تعليمية أفضل في مجال المبيعات، سيتوفر لدى الشركات إمدادات مواهب أفضل للاختيار من بينها. وعلينا هنا إدراك أنّ المبيعات لا تزال متصلة وبقوة بالموهبة البشرية، وليس مواقع الإنترنت. وعلى الرغم من الضجة في الإعلام والصحافة حول موت مهنة مندوبي المبيعات، يشير مكتب إحصاءات العمل إلى أنه في عام 1999 كان هناك 12,9 مليون مندوب مبيعات في الولايات المتحدة، وأصبح العدد في عام 2014 تقريباً 14,25 مليون (أحدث البيانات المتاحة من بي إل إس (BLS)). وتؤكد جميع البحوث المتصلة بالمواهب ضرورة التدريب والتطوير، ويجب أن يتوفر هذا للمندوبين كونهم يمثلون 10,5% من إجمالي قوى العمل في الولايات المتحدة على الأقل.

وعلينا هنا ألا نُسيء الفهم: نحن لا نتحدث عن تسخير الجامعات لقدراتها من أجل دعم الشركات. إذ يجب أن يكون هنا نوع من العمل المتوازي بين المؤسسات التعليمية التي تسعى إلى تطوير الإبداع والشركات التي تسعى إلى الربح، والذي من شأنه أن يطور مجال المبيعات ويجعل منه أحد المجالات القادرة على مواكبة التطورات المستمرة في هذا العالم.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz