يتوقع الخبراء أنّ أكثر من تريليون دولار من ثروات الشركات العائلية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ستنتقل من جيل لآخر خلال العقد المقبل. ما هي إذاً المهارات الضرورية والخدمات اللازمة التي لا بدّ على الأجيال القادمة اكتسابها قبل الانضمام للعمل في الشركات العائلية وتولي المناصب القيادية فيها؟ هل ينبغي عليهم الدخول في برنامج تعليمي يتناول بشكل خاص كيفية إدارة العلاقات المتبادلة بين العائلة والشركة التجارية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن حقاً لنظريات الشركات العائلية والبرامج التعليمية الخاصة بها والتي تدرس في بيئات غربية أن تكون ملائمة لتدريس كيفية إدارة الشركات العائلية في العالم العربي؟

في هذا السياق، تناول ملتقى شبكة الأعمال العالمية جميع هذه الأسئلة، وذلك في دورته المنعقدة في الدار البيضاء، المغرب، حيث حضر هذا الملتقى أكثر من 50 قائداً في مجال تدريس إدارة الأعمال في مختلف القطاعات من الشرق الأوسط، وأفريقيا وأميركا اللاتينية. وبصفتنا ممثلين عن الجامعة الأميركية في بيروت، انضممنا إلى ندوة نقاشية برفقة إحدى كليات الجامعة الأميركية في القاهرة ومعهد إس بي جاين للإدارة والأبحاث، حيث تناولنا الحديث في موضوع:  لماذا وكيف ينبغي علينا تدريس إدارة الشركات العائلية في العالم العربي؟

وكما هو الحال لدى الشركات العائلية الراسخة في الثقافة الغربية، تواجه الشركات العائلية العربية تحديات تتعلق بقضايا مثل الجيل المقبل الذي سيديرها، والعولمة، وتدويل العمل التجاري، وتنافسية السوق المتزايدة باستمرار. وبالإضافة إلى ذلك، تحتاج هذه الشركات إلى فهم كيفية الموازنة بين الوتيرة السريعة للتغيّر والتطورات التقنية المتسارعة التي قد ينجم عنها أحياناً صراع مع تقاليد وقيم وإرث الشركة العائلية. من هذه الناحية، وفي حال استطاعت الشركات العائلية أن تستفيد بفعالية من نقاط قوتها، مثل المرونة والتزام موظفيها المؤهلين، فإنها ستتمكن من التفوق على الشركات المنافسة غير العائلية. من ناحية أخرى، يمكن أن تؤدي الطبيعة العائلية للشركة إلى ركود العمل التجاري، والتعرض لخطر نفور العملاء، وعرقلة النمو بالإضافة إلى انعكاس الخلافات العائلية على العمل التجاري وتدخل الخلافات التجارية في الشؤون العائلية.

وبهذا الصدد، توفر النظريات الآتية من الثقافة الغربية عدة إجراءات يمكنها تعزيز الآثار الإيجابية لانخراط العائلة في العمل التجاري وتقليص تأثيراته السلبية المحتملة. في الوقت نفسه، يشير العدد المرتفع للدراسات العلمية التي أجريت في موضوع الشركات العائلية في العالم العربي إلى أنّ النظريات الآتية من البيئات الغربية لا يمكن تطبيقها بشكل ملائم في العالم العربي، وبالتالي ينبغي على المدربين والمعلمين في هذا المجال أن يبدأوا في الحديث عن الخصائص المميزة للسياق العربي. وفي الواقع، نجد لدى الشركات العائلية في العالم العربي مجموعة خصائص مميزة يمكن من خلالها تشكيل المنهجية التي ينبغي بها أن تدار وتسيّر. إذ تتميز منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بثقافة ذات اتجاه عائلي قوي، تتجلى في الامتناع عن مشاركة معلومات العائلة وثروة أعمالها التجارية مع الغرباء، كما تتميز بالتدين الذي يسود سكان المنطقة، فضلاً عن وجود هذه الشركات العائلية في منطقة جغرافية تشهد اضطرابات سياسية مستمرة.

إذاً، ما الذي يمكن لكليات إدارة الأعمال التجارية أن تفعله بهذا الخصوص؟ يقع على عاتقنا، بصفتنا معلمين في هذه الكليات، واجب أن نعلّم وندرّب ليس الجيل المقبل من مدراء الشركات العائلية وحسب، بل وأعضاء الشركة من غير العائلة أيضاً، نظراً لأن الأغلبية الساحقة لأفراد الشركات العائلية في العالم العربي، من المرجح أن ينتهي بهم الأمر إلى العمل لصالح شركات عائلية. وبغية أخذ الخصائص المميزة لبيئة وثقافة العالم العربي بعين الاعتبار، اقترحنا عملية تعلم تتكون من مرحلتين تجري خلال دورة خاصة بإدارة الشركات العائلية. في المرحلة الأولى، سيتعلم الطلاب النظريات الإدارية والكتب المدرسية التي وضعت في سياق الثقافة الغربية وبيئتها. في المرحلة الثانية، سيطلع الطلاب على الأبحاث العلمية التي أجريت في العالم العربي، ومن ثم مقارنتها مع ما يوجد في الغرب. وفي حال عدم توفر هذه الأبحاث العلمية في العالم العربي، ينبغي على المعلّم أن يشجع الطلبة والطالبات على التفكير النقدي وإبداء آرائهم الخاصة في ما يخص إمكانية تطبيق هذه النظرية أو تلك على الشركات العائلية في العالم العربي.

إنّ اكتساب الرؤية النظرية وتطوير مَلَكة التفكير النقدي أمران ضروريان جداً، على الرغم من أنهما ليسا كافيان لتعليم الطلبة على إدارة الشركات العائلية في العالم العربي. وفي هذه الناحية، نقترح دعم التعليم النظري باستخدام إحدى المنهجيات التربوية التي تعمل بها الكثير من أفضل كليات إدارة الأعمال في العالم، بما فيها كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (الجامعة الأميركية في بيروت)، والتي تتمثل في طريقة "دراسة الحالة".

ومع ذلك، فإننا نعترف أيضاً بأنّ العائلات تختلف عن بعضها البعض كما أنها لا تمتلك نفس المرونة، الأمر الذي يحدّ من تعميم نتائج دراسة الحالة. ومن المعلوم أنه لا توجد نظرية عامة تنطبق على كل الشركات العائلية. ولهذا ينبغي علينا أن نشجع الطلبة والطالبات على مشاركة خبراتهم الفريدة ووجهات نظرهم، ونحثّهم على نقاش ما تعلموه في الفصول الدراسية، سواء من خلال البحوث العلمية أو دراسات الحالة التي تنطبق على شركاتهم العائلية أو الشركات العائلية التي سينضمون إليها مستقبلاً.

إنّ ما نقترحه باختصار، هو عملية تعليم مكونة من أربع مراحل لا بدّ أن تجري ضمن الفصول الدراسية:

أولاً، ينبغي على المعلمين أن يقدموا أحدث الاتجاهات والمواضيع التي تمت مناقشتها ونشرها في مجال الشركة العائلية. وهنا نلفت النظر إلى البحوث المنشورة في العدد السنوي للمراجعات من مجلة فاميلي بزنس استراتيجي ( Family Business strategy) لأن تلك البحوث مفيدة للغاية.

ثانياً، لا بدّ أن يناقش المعلمون ما إن كانت النظريات التي وضعت في سياق البيئة الغربية تنطبق على حالة الشركات العائلية في العالم العربي أم لا. يستطيع المعلمون التحقق من ذلك من خلال الدراسات المنشورة في سياق العالم العربي مثل الورقة البحثية التي أنجزها كل من جورج سمارة وياسمينا بيربيغال ميرابنت في العام 2018؛ وفي حال عدم وجود بحوث ودراسات في السياق العربي، يمكن للمعلمين أن يشجعوا طلابهم على الحديث عن خبراتهم الشخصية في الشركات العائلية ومن ثم مناقشتها.

ثالثاً، لا بدّ على المعلمين إتاحة الفرصة لطلابهم للقيام بإنجاز دراسات الحالة، حيث تكمن القيمة المضافة في إنجاز دراسات الحالة في جعل الطلاب يتصورون أنفسهم وكأنهم في مكان أصحاب تلك الشركات العائلية محل الدراسة، ما يمنحهم رؤى شاملة ومفيدة عن مختلف الحركيات والعوامل التي تحكم الشركات العائلية. وبهذا الصدد، نجد أنّ عدداً لا بأس به من دراسات الحالة عن الشركات العائلية اللبنانية قد تم نشرها في السنوات الأخيرة. وفي هذا الجانب، نذكر على سبيل المثال، أننا قمنا بإنجاز دراسة حالة عن شركة قساطلي شتورة.

رابعاً، يمكن أيضاً أن تساهم دعوة المتحدثين الضيوف لمشاركة خبراتهم في الفصل الدراسي في خلق التفاعل وزيادة المشاركة بين الطلاب.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!