عندما يحصل قائد ما على أحد المناصب التنفيذية العليا، سواء كان منصب النائب الأول للرئيس أو نائب الرئيس التنفيذي أم أحد مناصب الإدارة العليا، يفترض الآخرون أنه سيتقن العمل ولن يكون بحاجة إلى المساعدة. لكن تولي أحد هذه المناصب ينطوي على مفارقة غير معروفة، وهي أن سبل الدعم المتاحة تقل مع الارتقاء إلى المستويات الأعلى.
في حين يخضع مدراء الإدارة الوسطى غالباً لبرامج إعداد الموظفين الجدد المنظمة، ويتفاعلون على نحو متكرر مع مدرائهم من خلال الاجتماعات الثنائية والاجتماعات مع القيادة العليا، ويحصلون على الإرشاد الرسمي، لا يحصل كبار القادة غالباً على الدعم المشابه عندما يتولون أدوارهم القيادية الجديدة أو ينضمون إلى مؤسسة جديدة؛ فينتقل القائد منهم من مرحلة كان يتلقى فيها الرعاية والتقييم إلى مرحلة يضطر فيها للعمل بمفرده غالباً، بينما يتوقع الآخرون منه أن يقدم أداء لا تشوبه شائبة في مجال لم يألفه، وأن يحدد رؤية المؤسسة ويوجه الموظفين ويحقق الكثير من النتائج بسرعة.
لاحظت خلال عملي في مجال التدريب التنفيذي أن التقلص غير المرئي في سبل الدعم المتاحة هو أحد أقل المخاطر المعروفة والمعترف بها في المؤسسات اليوم، لكن نقص الدعم هذا يضر أداء هؤلاء القادة المسؤولين عن إدارة مؤسساتهم وموظفيها وصحتهم النفسية. سنتحدث عن أسباب نقص الدعم هذا، والطرق التي يستطيع قادة أقسام الموارد البشرية وكبار القادة تطبيقها لتوفير الظروف التي تؤدي إلى نجاح مؤسساتهم ومسؤوليها التنفيذيين الجدد.
لماذا لا يحصل كبار القادة على الدعم الذي يحتاجون إليه؟
من المستغرب امتناع المؤسسات عن تخصيص الموارد لتطوير أصحاب المواهب على أعلى المستويات، فمخاطر عدم تطويرهم هي الأعلى. عندما يحصل نواب الرؤساء الأوائل ومن هم أعلى رتبة منهم على أحد مناصب الإدارة التنفيذية العليا، فإنهم يتعاملون مع نوع جديد من السلطة ويتولون نطاقاً جديداً وموسعاً من المسؤوليات ويتعرضون لدرجة مختلفة من الرقابة دون الحصول على أي شكل من الدعم. لاحظت بعض الأسباب التي تولد الاعتقاد بأن كبار القادة لا يحتاجون إلى القدر نفسه من التطوير الذي يحتاج إليه زملاؤهم الذين لا يزالون في بداية مسيرتهم القيادية، وهي:
- فكرة الإتقان الخاطئة: وهي الاعتقاد بأن المسؤولين التنفيذيين "يتقنون العمل تماماً" لمجرد أنهم وصلوا إلى القمة، وتعتبر المؤسسة أنهم "تعلموا كل ما يمكن تعلمه".
- ترتيب البرامج حسب الأولوية: تخصص الشركات الموارد لتدريب مدراء الإدارة ونواب الرؤساء، وهم الذين يرتقون عادة إلى المناصب القيادية العليا ويكون معدل الدوران الوظيفي لديهم أعلى.
- ثقافة إخفاء الضعف: تنظر المؤسسات إلى الاعتراف بعدم اليقين على أنه ضعف إذا كانت تعتقد أن القادة حصلوا على مناصبهم كي يعملوا على حل مشكلات المؤسسة بأنفسهم.
- انخفاض الطلب: لا يطلب كبار القادة الدعم ولا الانخراط في برامج التطوير لأنهم يعتقدون أن عليهم التعلم بأنفسهم.
قد تؤدي ثقافة إخفاء الضعف والمقاومة إلى العزلة والقلق لدى كبار القادة؛ إذ إن النواب الأوائل للرؤساء أو نواب الرؤساء التنفيذيين وكبار المسؤولين التنفيذيين يبدؤون بالتشكيك في القدرات ذاتها التي أوصلتهم إلى هذا المستوى الرفيع، ما يؤدي بهم إما إلى اتخاذ القرارات السيئة وإما إلى التردد في اتخاذ القرارات أساساً. قد يعود الذين حصلوا على هذه المناصب العليا إلى عاداتهم القديمة؛ فقد يشغلهم التنفيذ بدلاً من وضع الاستراتيجية لأن هذا هو المجال الآمن بالنسبة لهم، والذي تمكنوا من الارتقاء برتبهم فيه.
حل مشكلة الدعم
ما يدعو للسخرية هو أن القدرات ذاتها التي تمكن كبار القادة من الوصول إلى مناصبهم، مثل الثقة بالنفس والقدرة على الحسم والتركيز على الاستراتيجية، تتراجع عندما تزول هياكل الدعم. هذا ما يجعل توفير الدعم بطريقة تتناسب مع الواقع الفريد الذي يعيشه المسؤولون التنفيذيون مهماً جداً. سنتحدث فيما يلي عن خمس استراتيجيات لحل هذه المشكلة:
1. تطبيع برامج إعداد المسؤولين التنفيذيين الجدد:
أحد أنجح المسؤولين التنفيذيين الذين أعددتهم خضع لبرنامج تدريبي مخصص شمل كلاً من تاريخ الشركة والمنتج وتاريخ الفريق الذي سيقوده والتفصيلات الدقيقة لثقافة الشركة. تمكن هذا المدير من اكتساب معرفة عميقة في تلك الجلسات المخصصة خلال أول أسبوعين من توليه الوظيفة، ما مكنه من التأثير في مؤسسته بسرعة أكبر.
ليس لدى الشركات جميعها الوقت الكافي لإجراء برامج الإعداد المخصصة لكبار القادة كلهم، لكن عليها إجراء برامج إعداد المسؤولين التنفيذيين التي تكون أشمل من البرامج المتاحة للموظفين الجدد جميعهم. فيما يلي بعض العناصر التي يجب منحها الأولوية:
- جلسات إعداد الموظفين الجدد المخصصة لنواب الرؤساء الأوائل والقادة الرفيعي المستوى، التي تركز على التوقعات وأساليب القيادة الخاصة بالشركة وديناميات الثقافة، وتشمل أمثلة على ممارسات القيادة اليومية التي ترسخ قيم الشركة.
- تحديد مواعيد لاجتماعات التعارف وبناء العلاقات المبكرة مع أصحاب المصلحة المتعددي التخصصات؛ بهدف تعميق فهم المسؤول التنفيذي الجديد لسير العمل بين أقسام الشركة.
- إقامة نقطة تواصل في نهاية كل يوم من الأسبوعين الأولين للإجابة عن الأسئلة بهدف تقليل عدد الأخطاء للحد الأدنى وتعزيز ثقة المسؤول التنفيذي بنفسه بسرعة.
عندما تطبق المؤسسات برامج إعداد المسؤولين التنفيذيين الجدد الشاملة، يستطيع القادة الجدد بدء عملهم واثقين ومدركين لما عليهم فعله، بدلاً من أن يشعروا بأنهم دخلاء يحاولون الانسجام في بيئة لا ينتمون إليها، خاصة إذا كان لدى أقرانهم القدامى علاقات راسخة بالفعل.
2. توفير فرص تدريب الأقران السرية:
يحتاج كل قائد إلى مساحة آمنة لاختبار أفكاره دون الخوف من أحكام الآخرين. جلسات التدريب التي تشمل قائداً جديداً مع أحد أقرانه من الأقسام المختلفة هي أمثلة نموذجية على هذه المساحات. يمكن أيضاً تبديل المدرب مرة كل ربع سنة خلال السنة الأولى لتوسيع وجهات النظر والعلاقات.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن إنشاء منتديات صغيرة لكبار القادة يستطيع فيها المسؤولون التنفيذيون مناقشة التحديات التي واجهتهم في جلسات الإعداد التي أجروها أو مع فرقهم؛ تؤطر فرص التفاعل هذه مواطن الضعف على أنها مواطن قوة، وترسخ التعاون على أنه قاعدة، ما يخفض العزلة، ويجعل التعلم سلوكاً طبيعياً، ويجعل القادة يتحملون مسؤولية نموهم.
3. تسهيل التأمل الذاتي في وقت مبكر وعلى نحو متكرر:
تخصيص الوقت للتأمل الذاتي المنظم مفيد للمسؤولين التنفيذيين، لا سيما خلال الأشهر الستة الأولى من تولي مناصبهم. احرص على عقد الجلسات التي يقيم فيها القادة جوانب العمل التي تسير كما يجب والتي يشوبها شيء من الغموض والتي تستوجب التعديلات. استعن بميسر محايد داخلي أو خارجي لخفض ضغط الأداء عن القادة وتشجيعهم على إظهار ضعفهم الإنساني، حتى قبل أن يبنوا الثقة بالميسر وبالعملية بأكملها. إن تأطير التأمل الذاتي على أنه استثمار يهدف لتسريع إحداث الأثر يساعد على منح المسؤول التنفيذي الوقت والصلاحية للتكيف مع دوره الجديد وتصحيح ممارساته الإشكالية قبل تفاقم المشكلات البسيطة.
4. تقديم التقييمات الشاملة والموجهة في المواقف المهمة:
مدراء الإدارة ونواب الرؤساء ليسوا أعلى من أن يتلقوا الملاحظات. في الواقع، تقديم الملاحظات لكبار القادة أهم لأن أخطاءهم لها عواقب على المؤسسة بأكملها. لاحظت في الكثير من الأحيان أن كبار المسؤولين التنفيذيين يترددون في تقديم الملاحظات مباشرة إلى زميلهم الجديد ويفضلون مناقشة المخاوف فيما بينهم على أمل أن "يكتشف الزميل خطأه بنفسه". نتائج ذلك متوقعة؛ سوء الفهم وسوء التأويل والفشل في نهاية المطاف.
من الأفضل جعل تقديم الملاحظات خطوة ضمن برامج إعداد المسؤولين التنفيذيين الجدد وجلسات المراجعة السنوية. احرص على إجراء جلسات تقييم الأداء بطريقة 360 درجة لتوثيق الانطباعات المبكرة التي يمكن استخدامها لصياغة الملاحظات المباشرة وتساعد القائد على تغيير ممارساته بسرعة حسب الحاجة. احرص على إجراء جلسة أخرى بعد ستة أشهر لتقييم نموه وتوافق ممارساته مع ثقافة المؤسسة وأهدافها، وشارك النتائج على شكل إطار عمل إيجابي لا ينطوي على إطلاق الأحكام، ويشجع القائد على تغيير ممارساته ويعزز أداءه. يرسخ ذلك ثقافة التعلم المستمر حتى على أعلى المستويات.
5. إجراء جلسات الإرشاد والتدريب الرسمية التصاعدية:
يحتاج كبار القادة إلى المرشدين الموثوقين، ويكون المرشد الموثوق أحياناً هو أحد أعضاء مجلس الإدارة أو مدرب تنفيذي خارجي. عين لكل مسؤول تنفيذي جديد مرشداً خارجياً مدركاً للمخاطر الفريدة التي يواجهها القائد وقادراً على توجيهه وتعريفه على وجهات نظر جديدة. احرص على الاستعانة بمدرب خارجي يتمتع بالحيادية ولديه القدرة على تقديم رؤى ثاقبة حول التكيف مع ثقافة الشركة الجديدة. أخيراً، احرص على ربط القائد الجديد بالرعاة في مجلس الإدارة الذين يساعدونه على فهم النهج الذي يتبعه المستوى الأعلى من المؤسسة في الحوكمة وإدارة المخاطر بسرعة أكبر، وهذا يشمل مسائل مثل حجم المخاطرة على مستوى المؤسسة وكيفية تأثر القرارات بتوقعات المساهمين والرقابة التنظيمية. الحصول على هذه المعلومات يرسخ لدى القائد الاعتبارات الاستراتيجية والمالية والمتعلقة بالسمعة التي تحكم أولويات مجلس الإدارة، ما يساعده على توجيه ممارساته القيادية وقراراته. عندما يتحلى القائد بالشفافية ويشعر بالدعم في البداية، فسيتمكن من قيادة مرؤوسيه بأسلوب واضح وواثق أكثر.
الانتقال من النمو العرضي إلى النمو المتعمد
التحدي الرئيسي هو أن نمو القائد التنفيذي يكون عرضياً غالباً، فهو يتكيف على نحو تفاعلي؛ إذ يتعلم من خلال التجربة والخطأ في البيئات ذات المخاطر العالية التي يراقبه الجميع فيها. من خلال تصميم البرامج التي تشجع على النمو المتعمد، سيحصل القائد على نظام دعم يساعده على الازدهار واكتساب ثقة فريقه وأصحاب المصلحة المتعددي التخصصات في وقت مبكر. من خلال تنفيذ برامج التطوير المنظمة في مرحلة إعداد القائد الجديد وطوال مدة توليه وظيفته، سواء كان نائباً أول للرئيس أم أعلى من ذلك، ستخفض المؤسسات عزلة المسؤولين التنفيذيين ومعدل الاحتراق الوظيفي بينهم، كما ستحافظ على جودة القرارات والاستقرار الثقافي والأداء على المدى الطويل.