معظم الأعمال التي أقوم بها بوصفي مدرباً شخصياً للمدراء التنفيذيين ومدرساً في كلية الأعمال للدراسات العليا في جامعة ستانفورد تشمل مساعدة الآخرين على تحسين قدراتهم في مجال تقديم آرائهم وتقييم الآخرين بفعالية أكبر. فهذه واحدة من المهارات الأساسية والمهمة، ولاسيما بالنسبة للقادة في المؤسسات الكبيرة التي يعتبر إعطاء الأوامر فيها أمراً غير مجد ويقود إلى نتائج عكسية، وكذلك بالنسبة لأي شخص يحتاج إلى إدارة أشخاص آخرين يحتلون مناصب أعلى منه كمدرائه أو مواقع نظيرة له كزملائه وأقرانه.

لكن محادثة دارت بيني وبين أحد زملائي جعلتني أدرك بأنني كنت أهمل الطرف الآخر من هذه المعادلة: ألا وهو كيف يمكن تلقي آراء الآخرين والتقييم بشكل فعال؟

أولاً، نحن بحاجة إلى الاعتراف بأنّ تقبّل آراء الآخرين تجربة تنطوي بطبيعتها على قدر كبير من التوتر بالنسبة لنا. وهذا الأمر يصح حتى في المؤسسات التي تقدم فيها الآراء بطريقة تتسم بالود، ويكون الأمر أسوأ في البيئات التي يكون تقديم الآراء فيها متقطعاً ومفاجئاً.

فنحن البشر كنا قد طورنا عبر العصور طريقة للتجاوب مع التهديدات، وهي عبارة عن مجموعة من الاستجابات الفيزيولوجية، والعاطفية، والإدراكية التي تحصل عندما نتصور وجود نزاع. ونحن نشير عادة إلى هذه المجموعة من ردود الأفعال على أنها "استجابة القتال أو الهروب أو الجمود". وأظهرت البحوث التي جرت في مجال العلوم العصبية أنّ أدمغتنا وأجسادنا يمكن أن تتجاوب مع بعض الأوضاع التي نتفاعل فيها مع الآخرين بالطريقة ذاتها التي نتجاوب فيها مع التهديدات الفعلية التي تشكل خطراً على سلامتنا الجسدية. ويشير علماء النفس إلى هذه التجارب بعبارة "التهديدات الاجتماعية".

فعندما نقابل أشخاصاً أصحاب مقام رفيع، وعندما نشعر بحالة من عدم اليقين تجاه أمر معين، وعندما نشعر بقدر أقل من الاستقلال الذاتي أو الحرية في الاختيار، وعندما نشعر بأننا أقل ارتباطاً مع الأشخاص الذين من حولنا، وعندما نشعر بأن أمراً ما فيه شيء من عدم الإنصاف بالنسبة لنا، فإننا على الأرجح سنشعر بحالة "التهديد الاجتماعي" هذه. لذلك لا عجب في أنّ تقديم الآخرين لآرائهم يمكن أن يكون تجربة تخلق التوتر بالنسبة لنا!

وبناء على هذه الاعتبارات والمعطيات، فإننا نقدّم فيما يلي المفاتيح الأساسية لتلقي آراء الآخرين بقدر أكبر من الفعالية:

1. حاول النظر إلى التجربة من زاوية مختلفة. ففي سياق محادثة يقدم فيها شخص آخر رأياً بخصوص أدائك، ينبغي أن تذكر نفسك بالمعطيات التالية:

- تصورك أنّ الرأي المقدم ينطوي على تهديد هو أمر له أساسه في الآليات العصبية والنفسية التي باتت مفهومة تماماً من الناحية العلمية. فشعورك بأنك معرض للخطر لا يعني تلقائياً بأنك تواجه خطراً حقيقياً وفعلياً.

- الشخص الذي يقدّم إليك رأيه أو تقييمه حول أدائك أو شخصيتك لا يفترض بالضرورة أنه يحتل مقاماً أرفع أو يحاول أن يلقي بثقل مقامه الرفيع عليك. ففي معظم الحالات، هذا الشخص لا يقصد سوى مساعدتك على تحسين أدائك – حتى لو كان يفعل ذلك بطريقة غير مجدية.

- حتى لو شعرت أنك مكره شخصياً على المشاركة في هذه المحادثة، فإنّ لديك الخيار بالتجاوب مع هذه الضغوط، ولديك القدرات الذهنية التي تسمح لك بذلك.

- إذا شعرت بأنّ التقييم والآراء المقدمة فيها شيء من عدم الإنصاف والعدل، تذكّر أنك ربما تسيء فهم دوافع من يقدم هذه الآراء ومقاصده. وربما يكون هذا الشخص قد انطلق أيضاً من مجموعة افتراضات خاطئة بخصوصك أنت. فإذا كان هذا هو الحال، حاول أن تعبّر عن نواياك الحقيقية وأوضح مدى اختلاف هذه النوايا عن تلك التي افترضها الشخص الذي يقدم رأيه فيك.

2. اعمل على بناء العلاقات. فمع مرور الوقت، بوسعك تطوير علاقات تتمتع بالثقة مع الناس الذين من المرجح أن يقدموا آراءهم وتقييمهم إليك، وبمقدورك أيضاً بناء الثقة معهم. فهذا الأمر سيساعدك على الشعور بقدر أكبر من الارتياح.

3. حاولوا تطوير ثقافة تغنيها عملية تقديم الآراء والتقييم. صحيح أنّ هناك الكثير الذي بوسعنا القيام به بمفردنا وفي علاقات عملنا من أجل تحسين التجربة، إلا أنّ عملية تقديم الآراء والتقييمات وتلقيها، ستظل دائماً متأثرة بالثقافة المحيطة بنا والسائدة في مؤسستنا. لذلك يجب أن نعمل جاهدين على خلق ثقافة تقود فيها محادثات تقديم الآراء والتقييم إلى قدر أقل من التوتر بالنسبة لجميع أعضاء المؤسسة. ومن بين مجموعة واسعة من الخطوات الأخرى، يمكن مثلاً اللجوء إلى تقديم الآراء والتقييم بوتيرة أكثر دورية بحيث تصبح هذه العملية جزءاً طبيعياً من الحياة ضمن المؤسسة، وبحيث يصبح من الوارد تأجيل هذا النوع من المحادثات إلى وقت أفضل، وكذلك ضمان التزام كبار القادة بوعودهم الكلامية من خلال تقديم الآراء المباشرة وتلقيها بصورة منتظمة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!