الرئيس التنفيذي لشركة “كابوت كريمري” يتحدث عن تخطي المقاييس المعيارية للاستدامة

12 دقيقة
المقاييس المعيارية للاستدامة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

إليك هذا المقال الذي يتحدث عن المقاييس المعيارية للاستدامة تحديداً. منذ عقد من الزمن، كان لدي شعور بالشك عندما سمعت لأول مرة عن مصطلح “مؤسسة بي” (B Corp)، الذي يشير إلى الشركات التي تلتزم بالسعي لتحقيق الربح والغاية معاً. آنذاك، كنت أشغل منصب الرئيس التنفيذي للشؤون المالية في شركة “كابوت كريمري”، وهي واحدة من المؤسسات التعاونية الكبرى لمنتجات الألبان في الولايات المتحدة، وكان عدد كبير من الأسئلة يدور في خاطري: هل هذه مجرد شهادة جديدة نحصل عليها، مثل ختمي “الحليب الحقيقي” (Real milk) و”منتج حقيقي من فيرمونت” (Real Vermont) اللذين حصلنا عليهما من قبل؟ هل يهتم زبائننا الذين يشترون منتجاتنا من الجبن وغيرها بهذا الملصق الجديد حقاً؟ ما العبء الجديد الذي سيضيفه على عاتق مزارعينا الذين هم مساهمينا أيضاً نظراً للبنية التعاونية للشركة؟ ما حجم العمل الجديد الذي سيضيفه هذا الملصق على عاتق موظفينا؟ ما هي تكلفته الأولية وتكلفته السنوية؟ ولماذا سمي هذا التصنيف “مؤسسة بي” في حين يمكن أن يكون “مؤسسة أيه” (A Corp)؟ فهو يجعل من يحصل عليه يبدو وكأنه في المرتبة الثانية.

كانت رئيسة قسم التسويق في الشركة، روبرتا ماكدونالد، هي من عرفتني على المصطلح لأول مرة، وشرحت لي أن تصنيف “مؤسسة بي” يعني أننا لا نقدم خدماتنا للمساهمين فقط، بل نقدم خدماتنا للبيئة والمجتمع والموظفين والمستهلكين أيضاً. ويجب علينا أن نستوفي حداً معيناً من معايير البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG) التي حددتها مؤسسة “بي لاب” (B Lab) غير الربحية، التي تم تأسيسها عام 2006 من أجل تعزيز نمو الشركات المدفوعة بتحقيق رسالتها. كان ذلك يعني بالنسبة لنا الحرص على أن عمل مزارعنا ومصانعنا وقنوات التوزيع لدينا مع “إنتاج حجم نفايات منخفض” واتباع أساليب توفير الطاقة، وأن تتلقى ثروتنا الحيوانية معاملة حسنة، وأن ندعم البلدات والمدن التي نعمل ضمنها عبر توفير أماكن عمل صحية وتقديم خدمات ومزايا منصفة لموظفينا، والاهتمام الصادق بمنتجاتنا وزبائننا.

في تلك المحادثة، ذكرتني روبرتا أن شركة “كابوت” ملتزمة فعلاً بجميع هذه الأمور. وفي الحقيقة، أقنعتنا أن نتبنى أهداف الاستدامة وإصدار التقارير الخاصة بها قبل ذلك بعدة سنوات. وأقرت روبرتا أن نحو 200 شركة فقط حصلت على تصنيف “مؤسسة بي” حينئذ، ولكنها طرحت حججاً مقنعة تتعلق بأسباب انضمامنا إليها. قالت في كلمتها شيئاً مثل: “يتوافق ذلك تماماً مع قيمنا، وسيكون حصولنا على هذه الشهادة في غاية الأهمية لنا في المستقبل. قد لا يؤثر ذلك في الزبائن على الفور ولكنه سيدفع جميع المؤسسات للعمل بهذه الطريقة فيما بعد”. بالإضافة إلى نقطة في غاية الأهمية بالنسبة لرئيس الشؤون المالية، وهي أنه “يمكننا تغطية نفقات هذا الأمر ضمن ميزانيتنا الحالية”.

اقتنعت بفكرتها، وطلبنا من ريتشارد ستامر الذي كان الرئيس التنفيذي آنذاك، الانضمام إلى حوارنا، واقتنع هو أيضاً بسرعة. وقررنا في الاجتماع نفسه أن نمضي في الأمر، ولأن ذلك لا يستدعي أي تغييرات جوهرية في ممارسات العمل الحالية لدينا، لم يكن علينا استشارة مجلس الإدارة الذي يتألف من 14 مزارعاً انتخبهم بقية المزارعين. ولكن سرعان ما كسبنا تأييدهم أيضاً، وبدأت روبرتا وفريقها الإجراءات بمساعدة مدير كان يعمل في المحاماة سابقاً.

استغرقنا عامين إلى أن تمكنا من استيفاء جميع المقاييس والتغلب على بعض العقبات القانونية فيما يتعلق بوضع الشركة على اعتبارها مؤسسة تعاونية. ثم في عام 2012، منحنا خبراء تحليل المعايير في مؤسسة “بي لاب” شهادة رسمية بتصنيفنا كـ “مؤسسة بي”. لم نحتفل بالشهادة بصخب، ولكنها كانت تقديراً مهماً لفريق المسؤولين التنفيذيين، فقد كانت شركتنا دائماً عازمة على القيام بما هو صحيح. وكانت هذه الشهادة تأكيداً لهذه الرسالة وجزءاً كبيراً من سبب افتخاري بتولي منصب الرئيس التنفيذي لشركة “كابوت” في عام 2015.

تعلمنا على مدى الأعوام التي مضت الكثير من الأشياء العظيمة فيما يخص إقامة مشاريع استدامة مثل ذلك المشروع. وكان الدرس الأول هو العثور على الأشخاص الذين لديهم قدرة على التنبؤ بالمستقبل والاستماع إليهم. وبالنسبة لنا، كانت روبرتا هي من يهتم بقضايا البيئة والمجتمع والحوكمة. الدرس الثاني: لا تخف من قيادة المجموعة. فمن الأفضل أن تتعرف على مقاييسك الهادفة وأن تجهزها للوقت الذي يبدأ فيه المساهمون بطرح الأسئلة، بدلاً من محاولة اللحاق بالركب. الدرس الثالث: تأكد أن النجاح يتولد من التركيز على الصالح العام لا على إثراء مجموعات محددة من الأشخاص. فالأمور العظيمة تنتج عن العمل الجماعي.

التعاون منذ البداية

منذ أكثر من قرن مضى، في عام 1919، واجهت مجموعة مزارعين من بلدة كابوت في ولاية فيرمونت مشكلة، فقد كانوا ينتجون كمية حليب تفوق استهلاك مجتمع البلدة المحلي. فلمعت في أذهانهم فكرة، إذا جمعوا الفائض من الحليب ونقلوه إلى البلدات الأخرى، أو حولوه إلى منتجات أخرى تدوم أكثر كالزبدة والجبن ووزعوها على نطاق أوسع، فسيتمكنون من إدرار دخل جيد وتقسيمه فيما بينهم. وبذلك ولدت “مؤسسة كابوت التعاونية”.

في أربعينيات القرن الماضي، أضافت المجموعة التي كانت تضم 56 مزارعاً مصنعاً للجبن. وفي الستينيات والسبعينيات، أضيف إنتاج مزارع أخرى وبدأت المؤسسة التعاونية بصنع منتجات كالقشدة والجبن الأبيض. لكن كانت هذه المنتجات تباع محلياً، ضمن دائرة يقارب قطرها 40 ميلاً بالإضافة إلى بعض مناطق التزلج والمطاعم في فيرمونت، ولم يروج أحد فيها استخدامه لأجبان “كابوت”. وفي بدايات الثمانينيات، كانت المؤسسة تضم 500 مزرعة، وبدأت أخيراً بعمليات تسويق موجهة نحو مجموعات الخدمات الغذائية في بوسطن، لكنها لم تدرك أن منتجاتها تملك إمكانيات أكبر بكثير للنمو إلا بحلول عام 1989.

ومع الشعور أن أجبان “كابوت” كانت تتفوق بجودتها على المنافسين، قررت التعاونية إدخال منتجها في مسابقة وطنية، ليحوز على لقب أفضل أنواع جبن الشيدر في الولايات المتحدة عام 1989. في فترة الركود التي أعقبت ذلك، لم تعد أموال التسويق لدى “كابوت” كافية للتركيز على الجائزة، ولكن تغير ذلك في عام 1992 عندما اندمجت مع شركة أكبر، وهي تعاونية “أغري-مارك” (Agri-Mark) التي تضم ألف مزرعة. (أطلق على المجموعة الجديدة اسم “مزارع عائلة أغري-مارك للألبان”، إلا إن ذلك لم يمنعنا عن الاستمرار في الإشارة إلى شركتنا باسمها، “كابوت”). تمكنت المجموعة الأكبر من تجاوز حدود فيرمونت وبوسطن وإيصال منتجاتها إلى مناطق أبعد في شمال شرق الولايات المتحدة.

واليوم، تضم تعاونيتنا 900 مزرعة (فكثير من المزارع يغلق عندما لا يستلم إدارتها أحد من الجيل التالي)، وتتوزع ما بين ولايات “مين” و”فيرمونت” و”نيو هامبشير” و”ماساتشوستس” و”رود آيلند” و”كونيتيكت” و”نيويورك”. ويلتقي مجلس الإدارة على مدى يومين كل شهر لمراجعة التكتيكات والاستراتيجيات ومشاركة أفضل الممارسات. ما أحبه في بنية المؤسسة التعاونية هو ما يلي: على الرغم من عمل كل مزرعة على أنها كيان مستقل يورد إنتاجه إلى منشآت الإنتاج المشترك، فإن الأعضاء يتعاونون لتحقيق الفائدة للمجموعة بأكملها، ويسارعون لدعم بعضهم البعض في حال واجه أحدهم مشكلة ما.

لكن، بما أن المزارعين هم المساهمون في الشركة، فهم يتمتعون بالقدرة على وضع فريق الإدارة في وضع حرج. يقدم لنا مزارعونا حليباً ذا جودة عالية، ويمكنهم التصويت لزيادة أجورهم إلى ما يتعدى معدلات الأجور في السوق. لكنهم يدركون أنه من أجل بقاء التعاونية وازدهارها على المدى الطويل، يجب أن تكون أسعار منتجاتنا ذات العلامة التجارية تنافسية لكي نحافظ على طلبات الزبائن.

وعن نفسي، أحب أن يكون هؤلاء المزارعون رؤساء لي. وأقدّر أن يكون من يقومون بمعظم وأصعب الأعمال، ويعتنون بالأبقار ويحلبونها كل يوم، هم أكبر المستفيدين من شركتنا. وأنا سعيد لأن وظائف الإنتاج والتوزيع والتسويق التي أشرف عليها تؤمن لهم سوقاً مضمونة. وأعلم أنهم يفهمون منتجاتنا بصورة تامة من الداخل إلى الخارج، ولذلك فهم أفضل من يقوم بوظائف المبيعات لدينا. وأشيد بالتزامهم طويل الأجل بحماية أراضيهم وحيواناتهم ومناطقهم، وبمعاملتهم لكل من يعمل لديهم (في المزارع وفي شركتنا) على أنهم أفراد من العائلة، وتقديمهم أفخر أنواع الحليب والجبن لزبائننا.

انضممت إلى الشركة عام 2004، وفي عامي الثاني فيها خسرت التعاونية مبالغ كبيرة، كان عاماً صعباً على المزارعين أيضاً. ولو حصل ذلك في الشركة التي كنت أعمل لديها سابقاً، “آي بي إم”، أعتقد أن الإدارة كانت ستسرح آلاف الموظفين. لكن لن أنسى رد فعل المزارعين في “كابوت” في اجتماعنا السنوي عندما أعلنّا أن الشركة تدخل في وضع حرج، إذ سأل أحدهم: “كيف يشعر الموظفون (في منشآت الإنتاج)؟ لأننا نعلم أنهم يبذلون جهداً كبيراً في العمل”. لم يفكر أحد إطلاقاً بتقليص حجم القوة العاملة. وفي نهاية الاجتماع، حيا الحاضرون فريق المسؤولين التنفيذيين بالوقوف والتصفيق الحار.

في الزاوية السفلية اليسرى: أوليفر باريني، من شركة “كابوت كريمري كو أوبراتيف” (3).

أهم عمل قمنا به لتحفيز المقاييس المعيارية للاستدامة

على الرغم من أن شركة “كابوت” تعمل دائماً بما يتفق مع أهداف البيئة والمجتمع والحوكمة، فقد بدأنا باتخاذ خطوات مدروسة أكثر باتجاه المقاييس المعيارية للاستدامة في منتصف العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. كنت حينئذ قد ارتقيت من منصب نائب رئيس قسم منتجات علامة “كابوت” التجارية واستلمت منصب النائب الأول لرئيس الشؤون المالية للقسم التجاري، الذي يضم “أجبان ماكادام” ومنتجات مصل (شرش) اللبن لعلامة “أغري-مارك” التجارية. جمعتنا روبرتا، ريتشارد وأنا ورؤساء أقسام التصنيع وبعضاً من أفراد فريقها ومستشاراً خارجياً، من أجل مناقشة أمر مهم.

[su_expand more_text=”المزيد” less_text=”الأقل” height=”50″ link_color=”#66abe8″ link_style=”button” link_align=”right”]

كيف تستوفي شركتك شروط المقاييس المعيارية للاستدامة تحديداً؟

لكي تحصل شركتك على شهادة تصنيف “مؤسسة بي”، يجب على الشركة أولاً استكمال “تقييم الأثر بي” (B Impact Assessment). يستعين هذا الاختبار المجاني والسري بمئتي سؤال يضعها المجلس الاستشاري المستقل للمعايير في “بي لاب” ويحدثها كل ثلاثة أعوام. وتهدف هذه الأسئلة إلى قياس الحوكمة في المؤسسة وتأثير نموذجها التجاري وعملياتها على الموظفين والمجتمع والبيئة. ونظراً لتنوع أحجام المؤسسات وقطاعاتها ومواقعها الجغرافية، وُضعت أكثر من 50 نسخة للاختبار قد تختلف فيها طريقة حساب النقاط (وفق توجيهات مؤسسة “بي لاب” غير الربحية أيضاً). لكن تفضل هذه التقييمات المخرجات والنتائج (بنسبة ترجيح تبلغ 71%) على السياسات (5%) والممارسات (24%)، وما أن تحصل الشركة على مجموع نقاط مبدئي، تتحقق المؤسسة من وصولها إلى عتبة 80 نقطة اللازمة لنيل الشهادة.

نماذج أسئلة

(يضم الاختبار إجابات متعددة الخيارات، وتم تعديل بعض الأسئلة بغرض التوضيح).

الحوكمة

كم تبلغ النسبة التي يتم تقييمها في النواحي الإدارية استناداً إلى أهداف الشركة الاجتماعية والبيئية؟

هل سعت شركتكم لتطوير معايير اجتماعية وبيئية في قطاعكم؟

هل حرصتم على تمسك شركتكم برسالتها الاجتماعية أو البيئية بغض النظر عمن يملكها؟

المجتمع

1- ما هي النسبة المئوية لمشاركة فئات الأقليات السكانية في الإدارة (النساء والأقليات وأصحاب الهمم من ذوي الاحتياجات الخاصة والأشخاص الذين يعيشون في مجتمعات متدنية الدخل)؟

2- هل يُعلن عن حصول الموظفين بدوام كامل على إجازات مدفوعة أو غير مدفوعة للقيام بأعمال خدمة المجتمع؟

3- ما هي الفئات السكانية المهمشة التي تخدمها شركتك أو تستهدفها؟

4- إذا كانت شركتكم تعمل ضمن قطاع التعاملات التجارية بين الشركات، فمن هو المستخدم النهائي لمنتجكم أو خدمتكم؟

الموظفون

1- ما هو أدنى حد لعدد أيام الإجازات والإجازات المرضية والشخصية والعطل التي تقدمها سنوياً للموظفين بدوام كامل؟

2- كم تبلغ النسبة المئوية من الموظفين بدوام كامل الذين حصلوا على تعويض مالي مقابل اغتنام فرص التعليم المستمر في السنوات المالية الخمس الماضية؟

3- ما هي النسبة المئوية لما يملكه الموظفون بدوام كامل من الشركة (باستثناء المؤسسين والمسؤولين التنفيذيين)؟

البيئة

1- ما هو المجتمع الأوسع الذي تطلعه شركتكم على عمليات المراجعة أو التدقيق البيئي فيها بصورة رسمية؟

2- كم تبلغ نسبة الطاقة المتجددة التي يتم إنتاجها في موقع الشركة من الطاقة المستخدمة فيها؟

3- هل تراقب شركتكم إنتاجها الكلي من النفايات وتسجله؟

[/su_expand]

ظننا أن الأمر سيكون شديد الصعوبة علينا، كما أن أكبر موزعينا، “وول مارت” و”كوستكو”، لم يطالبانا به حينئذ. ولكن عندما ناقشنا لاحقاً حصولنا على شهادة “مؤسسة بي”، أقنعتنا روبرتا والمستشار أن هذه الشهادة ليست عبئاً، وإنما هي فرصة لنرسم مسارنا بأنفسنا بدلاً من أن نُجبر على مجاراة مسار آخر. كما وضحا بالحجة أن النتيجة لن تتمثل بتكاليف أعلى بكثير في المزارع والمصانع، وهي تكاليف نعرف أنه من غير الممكن تمريرها إلى الزبائن، وإنما ستساعدنا هذه الشهادة في إنشاء أعمال تجارية أكثر كفاءة ستؤدي إلى إيرادات أكبر على المدى الطويل.

لطالما كانت روبرتا صاحبة رؤية، ففي عام 1995، تنبأت بارتفاع الطلب على المنتجات العضوية بصورة جنونية، وعلى الرغم من أن فكرتها كانت سابقة لأوانها بكثير، وأننا تخلينا عنها بسرعة، إلا أن السوق أثبتت صحة كلامها في نهاية المطاف، وكان ذلك يعني أن نعود للعمل على المنتجات العضوية مجدداً. لذلك، كنا نعتقد أنها ما زالت تتمتع بحدس قوي وأن تقديرها للتوقيت أصبح أفضل عندما بدأت دعوتها الجديدة فيما يتعلق برصد المقاييس المعيارية للاستدامة وإصدار التقارير عنها. فدعمناها. كانت شركة “كابوت” ستصبح مؤسسة أفضل كثيراً تتمتع بشفافية أكبر في جميع النواحي، بدءاً من معاملتنا للأبقار والمزارع وصولاً إلى الانبعاثات الصادرة عن المزارع والمصانع ووسائل النقل.

وفي الاجتماع السنوي التالي، أمضينا نحو ساعة من الزمن نتحدث عن توسيع طموحاتنا وتثقيف أفراد مجموعتنا بشأن هذه الأمور. وشرحنا لمجلس الإدارة أنه يجب أن نكون قادرين على الإجابة عن أسئلة الزبائن مثل “أي المزارع والمصانع تصنع منتجات الألبان هذه، وما هي قيمها؟”

أنشأ مزارعونا لجنة استدامة تراجع منذ ذاك الوقت الأفكار الجديدة وتشاركها وتناقش ما يمكن تنفيذه منها الآن أو في المستقبل. كما عينا مديراً للاستدامة يعمل مع المزارعين من أجل الحفاظ على أفضل مستوى رعاية للحيوانات (بدءاً بالتعامل معها مروراً بإطعامها ومداواتها بمضادات الالتهاب)، ووصولاً إلى تبني ممارسات إدارة الأراضي بطرق تراعي البيئة، وبناء طواحين هوائية وألواح الطاقة الشمسية ومراجل السماد الطبيعي. (أصبح بعضها يولد قدراً كبيراً من الكهرباء لدرجة ضخها في الشبكة بدلاً من سحبها منها). ويقوم الشخص الذي يشغل هذا المنصب الآن، جيد ديفيس، بتتبع تقدمنا فيما يخص البصمة الكربونية وغيرها من المقاييس ويقيم تأثير أي مشروع إنشائي جديد نناقشه.

وقد أتى هذا العمل ثماره في غضون بضعة أعوام. وعندما أتت شركة “كوستكو” إلينا في عام 2009 للسؤال عن برنامج الاستدامة، كان بإمكاننا القول: “نعم، نحن نتبنى برنامجاً للاستدامة. هل تودون الاطلاع على نتائجنا؟” وعندما بدأ أبناء سام والتون بالإلحاح على مجلس إدارة “وول مارت” لمطالبة مصانعهم باتباع برامج تراعي أهداف البيئة والمجتمع والحوكمة، أعربت الشركة عن تقديرها لالتزامنا بتصنيف “مؤسسة بي” (وكنا قد حصلنا ضمنه على لقب أفضل شركة ألبان بإدارة مشتركة في عام 2002). تباع أجباننا الآن في جميع متاجر “وول مارت” و”كوستكو” في الولايات المتحدة، وفي متاجر البقالة على طول الساحل الشرقي.

تمثلت الخطوة التالية في البدء بتشغيل مصانعنا بالغاز الطبيعي بدلاً من النفط، واضطررنا لبناء محطات تحويل بسبب عدم وجود أنابيب إمداد في بعض المواقع. كنا نفضل الانتقال إلى الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، ولكن تقنياتها الحالية لا تولد ما يكفي لتشغيل موقع تصنيع. أتممنا مبادرة الغاز الطبيعي في عام 2015، بكلفة تزيد عن 5 ملايين دولار، وكانت النتيجة خفض بصمة الكربون لمصانعنا بنسبة 40% وتوفير 4 ملايين دولار سنوياً، إذ كانت كلفة النفط أكبر كثيراً. ومع إيصال خطوط الغاز إلى عدد أكبر من المنشآت، أصبحنا نستخدم عدداً أقل من الشاحنات للنقل.

نفذنا شعار “الترشيد وإعادة الاستخدام والتدوير” حرفياً. وهناك مثال آخر يتمثل في طريقة عملنا مع الحليب، فما أن تنتجه أبقارنا، نحرص على الاستفادة من جميع مكوناته. فيذهب جزء إلى الجبن، ونستخرج من الباقي بروتين مصل اللبن لبيعه للمستهلكين المهتمين باللياقة البدنية، واللاكتوز الذي يستخدم في تغذية الحيوانات. وأخيراً، نصفي الماء المتبقي لنستخدمه في منشآتنا. منذ قرابة عشرين عاماً، كانت المكونات التي تبقى بعد تصنيع الجبن ترمى في الأرض لينتهي بها المطاف في الأنهار، ولكن نهجنا الجديد أفضل بكثير للبيئة وللشركة.

الارتقاء بأدائنا

عندما قررنا البدء في إجراءات الحصول على شهادة “مؤسسة بي”، كنا نعلم أننا نلبي بالفعل كثيراً من معايير مؤسسة “بي لاب” التي حددها مجلسها الاستشاري للمعايير بفئاتها الخمس، المتمثلة في الحوكمة والبيئة والعاملين والمجتمع والزبائن. (لمعرفة إذا ما كانت شركتك تستوفي هذه المعايير، يمكنك زيارة موقع bimpactassessment.net). لكن كنا نعلم أيضاً أن استيفاء كل المعايير يستوجب عملاً مضنياً، خصوصاً أن علينا بذل جهد أكبر قليلاً في بعض النواحي، كممارسات الموردين مثلاً.

وعندما قدمنا نتائجنا الأولية لخبراء تحليل المعايير لدى “بي لاب”، كان بإمكاننا التأهل، إذ بلغ مجموع نقاطنا 82.4 نقطة (أعلى من الحد الأدنى المقبول وهو 80 نقطة، وأعلى بكثير من متوسط نقاط جميع الشركات التي تحاول التقدم وهو 50.9)، وكان ذلك مبعثاً للسرور. لكن الآن، أصبح هدفنا هو الاستمرار برفع درجاتنا أكثر، وكل عامين نعود إلى “بي لاب” من أجل تقديم التقارير عن تقدمنا، ومجموع نقاطنا الحالي هو 92.7 نقطة. حصلنا على أكبر قدر من النقاط في فئة الموظفين وخصوصاً في الأجور والتعويضات، وكانت بقية النقاط موزعة على فئة المجتمع لمشاركتنا المحلية وخلق الوظائف، وفئة البيئة، نظراً للأساليب التي نتبعها في النقل والتوزيع والموردين واستخدام الأرض والمعامل والمكاتب.

اليوم، أصبح هناك أكثر من 2,500 شركة حائزة على شهادة “مؤسسة بي” في أكثر من 50 دولة، وتضع مؤسسة “بي لاب” قائمة بالشركات الحائزة على أعلى الدرجات في موقعها الإلكتروني كل عام. ونتطلع إلى شركات رائدة بحق مثل “باتاغونيا”، التي تزيد نقاطها عن نقاطنا في بعض الفئات بحوالي 20 أو 25 نقطة، ونعتبرها حافزاً لنا كي نستمر بالتقدم. فالمنافسة ضمن المجموعة أمر صحي.

أرجو أن نكون قد ألهمنا الآخرين في قطاع صناعة الأغذية ليحذوا حذونا، وعلى الرغم من عدم حصول أي من شركات قطاع الألبان على هذه الشهادة بعد، ولكني علمت أن هناك تعاونية أخرى تسعى للحصول عليها. تملك “يونيليفر” (Unilever) شركة مثلجات “بن آند جيري” (Ben & Jerry) وشركة تصنيع المنظفات صديقة البيئة “سيفنث جينيريشن” (Seventh Generation)، وقد حولتهما إلى وحدتين مستقلتين كي تتمكنا من الترشح للحصول على شهادة “مؤسسة بي”. وفعلت شركة “دانون” (Danone) المثل مع عدد من وحداتها. قبل ما يزيد عن العام، أتاني أحد موردي شركة “بن آند جيري” طالباً النصح حول الحصول على شهادة “مؤسسة بي”. كانت المجموعة متحمسة ولكن قلقة بشأن التغلب على عراقيل محددة، ولكنها نجحت بعد 12 شهراً.

ونصيحتي لقادة المؤسسات الأخرى التي ترغب في الحصول على شهادة “مؤسسة بي”، أو في الالتزام بالاستدامة ببساطة، هي التالي: ابدأ وحسب، ثق بالموظفين أصحاب الرؤى المستقبلية الذين يقولون إن هذا الأمر مهم، لا تخف من أن تكون الأول في قطاعك أو قسمك أو بلدك، أو أن تكون مؤسستك الأولى من ناحية الحجم في ذلك. أجر تحليلاً لبصمتك الكربونية وابدأ بتخفيضها، اعثر على كفاءات أكبر عن طريق إعادة الاستخدام والتدوير. حدد معايير المزايا التي تقدمها لموظفيك قياساً على أفضل أماكن العمل في العالم، وراقب أثرك على المجتمعات والزبائن. ثم ابدأ بالتحدث مع مورديك بشأن الموضوع ذاته لكي تتمكن من جمع مجموعة جديدة كاملة من الأشخاص حول هذه الرسالة.

لقد أثبت تركيزنا على الصالح العام فائدته لشركتنا بجدارة. فهو يزيد من نشاط عمليات شركة “كابوت” بأكملها، بدءاً من حظائر حلب الأبقار وصولاً إلى معامل تصنيع الأجبان ومتاجر البقالة ومطابخ المستهلكين. عندما نأخذ مزارعينا إلى مدينة نيويورك في زيارة لأحد مراكز تموين الأغذية، مثل “زابار” (Zabar)، نطلب منهم أن يرووا حكايتنا وقصة عملنا كمؤسسة تعاونية وتصنيفنا “كمؤسسة بي”، ويعجب المتسوقون بذلك كثيراً. وآخر مرة فعلنا ذلك، تمكنا من بيع كمية كبيرة من الأجبان في ظهيرة يوم واحد تعادل قيمتها مبيعات أسبوع كامل، وقال لنا البعض إنهم لن يشتروا أي نوع آخر من الجبن بعدها. يترجم ذلك إلى قوة تسعير متواضعة جداً، فليس من الضروري أن نزيد السعر بمقدار دولار مقابل نكهة أجباننا الممتازة (التي يدعمها أكثر من 15 جائزة) ورسالتنا المستدامة، وعلى الأرجح ستكون زيادة بمقدار عشرة سنتات فقط زيادة معقولة. والأهم، يساعدنا ذلك على زيادة الطلب على منتجاتنا وزيادة ولاء الزبائن. ومنذ عام 2013، تجاوزت مبيعاتنا من منتجات الألبان عشرات ملايين الكيلوغرامات.

قد يبدو هذا الكلام مبتذلاً، ولكن تعاونية “كابوت كريمري” هي دليل على إمكانية توافق الغاية مع الأرباح، تماماً كما يتوافق مزارعونا فيما بينهم. ونأمل جميعنا أن يستمر نمو الاستدامة وحصولنا على شهادة “مؤسسة بي”.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!