لماذا تحتاج المستشفيات إلى التخصص في مجال البيانات؟

6 دقائق
البيانات في المستشفى
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

حينما نقارن بين شركات الطيران، على سبيل المثال، واسنخدام البيانات في المستشفى بفاعلية، ستجد أن الأولى أكثر تعقيداً من الناحية التشغيلية، وكذلك أكثر كثافة في الأصول، وأكثر تنظيماً من الثانية. ورغم ذلك، فإن أنجح شركات الطيران هذه تفوقت على معظم المستشفيات فيما يتعلق بتقليل نفقاتها، وزيادة أرباحها، مع تقديم مستوى الخدمة الذي يرضي عملاءها. فعلى سبيل المثال، توصلت شركة طيران “ساوث ويست أيرلاينز” إلى طريقة لإدارة أهم عنصرين تشغيليين في هذا المجال: الأول هو تشغيل طائرات أكثر، والثاني هو شغل مقاعد طائراتها أكثر من الشركات الأخرى. وبالمثل، استطاعت شركات ناجحة في قطاعات صناعية أخرى معقدة وخدمية وكثيفة الأصول – مثل “أمازون”، والمطارات ذات الإدارة المميزة، و”يو بي إس”، و”فيديكس” – الوفاء بوعودها للعملاء، وفي الوقت ذاته الحفاظ على بساطة عملياتها وانخفاض تكاليفها.

وتعتبر القطاعات السابقة وثيقة الصلة بقطاع الرعاية الصحية لسببين:

السبب الأول أن البيانات في المستشفى وعمليات التشغيل بالمستشفيات عامة تشبه، في نواحٍ عديدة، عمليات التشغيل وخدمات النقل بشركات الطيران والمطارات. فهناك خطوات عديدة في العملية التشغيلية لتقديم الخدمة (مثل تسجيل البيانات، وشحن الأمتعة، وطابور التفتيش الأمني، والبوابات الإلكترونية)، مع تفاوت شديد في مستوى الخدمة المقدمة بكل مرحلة (مثل تأجيل الرحلات لظروف جوية، وازدحام المطار، والأعطال الميكانيكية)، وكذلك وجود نواحٍ عديدة متصلة خلال رحلة العميل – وكل هذه العمليات تنطوي على أشخاص، وليس فقط آلات. وبلغة حسابية، تتكون عمليات التشغيل في المستشفيات – مثلها كمثل شركات الطيران والنقل – من مئات العمليات المصغرة، كل منها أكثر عشوائية وأقل حتمية من خطوات تجميع سيارة مثلاً.

اقرأ أيضاً: لماذا يحتاج علم البيانات إلى موظفين ذوي خبرة عامة وليس إلى موظفين متخصصين؟

أما السبب الثاني فهو أن المستشفيات باتت تواجه اليوم نفس ضغوط التكاليف والإيرادات التي واجهتها شركات البيع بالتجزئة والنقل والطيران على مدار سنوات ماضية. ومثلما أثبتت تجارب شركات مثل “ساوث ويست” و”أمازون” و”فيديكس” و”يو بي إس”، فإن قطاعات الصناعة الخدمية كثيفة الأصول لا بد أن تبسِّط عملياتها التشغيلية، وتحقق الكثير بأقل الموارد، لكي تحافظ على وجودها. وبالمثل، لا يمكن أن يواصل مقدمو الرعاية الصحية حل أزماتهم بتكثيف الاستثمار على البنية التحتية. وإنما، بدلاً من ذلك، يتعيّن عليهم تعظيم الاستفادة من مواردهم الموجودة حالياً.

ولتحقيق هذا، يجب على مقدمي الرعاية هؤلاء اتخاذ قرارات تشغيلية ممتازة باستمرار، مثلما فعلت هذه القطاعات الصناعية الأخرى. وبشكل أساسي، هم بحاجة إلى إنشاء ما يشبه “مركز مراقبة تشغيلي” للمستشفيات، أي أن تمتلك قدرة مركزية على المراقبة والتحكم تتسم بإمكاناتها في التنبؤ والتعلم المستمر واستخدام خوارزميات التحسين والذكاء الاصطناعي لتقديم توصيات توجيهية عبر المنظومة بأكملها. وبالفعل، تعمل عشرات من مؤسسات الرعاية الصحية حالياً على تبسيط عملياتها التشغيلية، باستخدام منصات من مزودي الخدمة أمثال “لين تاس” (LeanTaaS)، و”إنتيلجنت إنسايتس” (Intelligent InSites)، و”كيوجندا” (Qgenda) و”أوبتم” (Optum)، و”آي بي إم واتسن هيلث” (IBM Watson Health). وتتشابه هذه الحلول في قدرتها على التنقيب في كميات هائلة من البيانات، ومن ثم معالجتها لتقديم توصيات إلى المستخدم النهائي الإداري والطبي.

أهمية استخدام البيانات في المستشفى

إن تحسين الكفاءة التشغيلية للمستشفيات من خلال علوم البيانات يمكن أن يتحقق بتطبيق التحليلات التنبؤية لتحسين تخطيط عمليات تقديم الرعاية الرئيسة وتنفيذها، وعلى رأسها استخدام الموارد (بما في ذلك مقاعد الحقن الوريدي، وغرف العمليات، ومعدات التصوير بالأشعة، وأسِرَّة المرضى المقيمين)، وجداول العاملين، وتسجيل دخول المرضى وخروجهم. وعندما يتم ذلك بشكل صحيح، يلاحظ مقدمو الرعاية زيادة في استقبال المرضى (أي تسكين المزيد من المرضى في وقت قصير)، وزيادة في الإيرادات، وانخفاض في النفقات، وزيادة في استخدام الأصول، وتحسُّن في تجربة المرضى. وهذه بعض الأمثلة على ذلك:

اقرأ أيضاً: لماذا لا يمكن لدول العالم الاعتماد على تشريعات الاتحاد الأوروبي لحماية البيانات؟

زيادة استخدام غرف العمليات

يجلب مورد مثل “غرف العمليات” أكثر من 60% من الحالات المُستقبَلة و65% من الإيرادات في معظم المستشفيات. ورغم ذلك، تعجز الأساليب الحالية لحجز غرف العمليات عن تعظيم الاستفادة من وقت هذه الغرف، وعن تحسين استقبال المرضى، ورضا الجراحين، وجودة مستوى الرعاية. فتجعل الأساليب الحالية – كالاتصالات الهاتفية ورسائل الفاكس والبريد الإلكتروني – أي تغييرات في الحجز مرهقة وقابلة للخطأ وبطيئة. وإنما، يستطيع مقدمو الرعاية، باستخدام التحليلات التنبؤية والتقنيات المتنقلة والحوسبة السحابية، التنقيب عن أنماط الاستخدام لتحسين حجز غرف العمليات بشكل فعال.

فعلى سبيل المثال، تتيح تطبيقات الهواتف الجوالة حالياً للجراحين ومساعديهم حجز الوقت الذي يريدونه بكبسة زر. في مستشفى “يو سي هيلث” (UCHealth) في “كولورادو”، تسهِّل تطبيقات الحجز علاج المرضى بصورة أسرع (إذ يلغي الجراحون حجوزاتهم غير اللازمة على نحو أسرع بنسبة 10% مقارنةً بالأساليب اليدوية)، كما تُمتِّع الجراحين بسيطرة أكبر وولوج أسهل (زاد متوسط عدد الحجوزات التي يلغيها الجراحون شهرياً بنسبة 47%)، وتضاعف من إجمالي الاستخدام (والإيرادات). وهكذا، استطاع مستشفى “يو سي هيلث”، بهذه الأدوات، زيادة إيرادات كل غرفة عمليات بنسبة 4%، وهو ما يُترجم إلى 15 مليون دولار إضافية تصب في كفة الإيرادات كل عام.

اقرأ أيضاً: لماذا لا تكون البنوك هي الحامي الأساسي لبيانات العملاء الخاصة؟

تقليل أوقات الانتظار في مراكز العلاج الوريد

يعتبر حجز مواعيد جلسات العلاج الوريدي مسألة حسابية في غاية التعقيد. حتى بالنسبة لمركز يحتوي على 30 مقعداً، فإن تجنُّب وقت الذروة ما بين العاشرة صباحاً والثانية ظهراً بطريقة تركِّز على المريض يتطلب اختيار واحد من جوجول (10100) من الحلول المحتملة. لمواجهة هذا التحدي، طبق مستشفى “نيويورك بريسبيتيريان” (NewYork-Presbyterian) منهج التحليلات التنبؤية والتعلم الآلي لتطوير نماذج جداوله الزمنية، مما أدى إلى تقليل أوقات انتظار المرضى بنسبة 50%. إلى جانب قدرة هذه التقنيات على تحسين جداول حجوزات المرضى طويلة الأجل، فإنها تساعد أيضاً من يضعون الجداول في إدارة مفاجآت مركز العلاج اليومية (مثل: حجوزات اللحظات الأخيرة، وإلغاء الحجوزات متأخراً، وعدم الحضور)، بالإضافة إلى تحسين إدارة أعباء عمل الممرضات ومواعيد الاستراحات.

تبسيط العمليات التشغيلية لقسم الطوارئ

تُعرف أقسام الطوارئ بازدحامها، سواء بسبب انتظار المرضى نتائج الفحوص المختبرية، أو طوابير انتظار التصوير بالأشعة، أو نقص عدد العاملين بالقسم. وهنا، تساهم برمجيات التحليلات المحوسبة في تقليل أوقات انتظار المرضى بشكل هائل، إذ يمكنها تحديد الترتيب المثالي لأنشطة قسم الطوارئ. فعندما يحتاج مريض جديد تصويراً بالأشعة السينية وسحب عينة دم، فإن معرفة أكثر تسلسل فعال يمكن أن يوفر وقت المريض ويستغل موارد قسم الطوارئ استغلالاً أمثل. ويمكن للبرمجيات حالياً الكشف عن حالات التأخير السابقة (ربما هناك أزمة متكررة كل أربعاء بسبب نقص طاقم عمل مخطط كهربائية القلب، وتحتاج إلى حل)، كما أنها توضح لمقدمي الرعاية بشكل فوري رحلة كل مريض في القسم وأوقات انتظاره. ويتيح هذا لمقدمي الرعاية التخلص من الازدحامات المتكررة، والاستعانة بمزيد من الموظفين، أو إعادة توجيه حركة المرضى بشكل فوري لتحسين الكفاءة. على سبيل المثال، استخدم مستشفى “إيموري” الجامعي التحليلات التنبؤية لتوقع احتياجات المرضى في كل فئة من الفحوص المختبرية بحسب أي وقت من اليوم وأي يوم من الأسبوع. وبهذه الطريقة، قلل المستشفى متوسط وقت انتظار المرضى من ساعة واحدة إلى 15 دقيقة، مما قلل الازدحامات في قسم الطوارئ بالتبعية.

انتقال مريض قسم الطوارئ إلى العيادة الداخلية

يمكن لاستخدام البيانات في المستشفى وللأدوات التنبؤية أيضاً أن تتيح لمقدمي الرعاية توقُّع احتمالية الحاجة إلى حجز المريض بالمستشفى، وتقديم تقدير فوري للوحدة أو الوحدات التي يمكنها استيعابه. وإذا توفرت هذه المعلومات، سيستطيع الطبيب الداخلي وطبيب الطوارئ الاتفاق سريعاً على تسلسل محتمل لتسكين المريض، يمكن لأي أحد رؤيته عبر سلسلة التسكين. كما أن هذا الأسلوب المبني على البيانات يمكن أن يساعد أيضاً مقدمي الرعاية في ترتيب أولوية تنظيف الأسِرَّة، وتحديد الوحدات التي ينبغي لها تسريع عملية التسريح الطبي، وتحديد المرضى الذين ينبغي نقلهم إلى قاعة تسجيل الخروج. وقد استطاع مستشفى “شارب هيلث كير” (Sharp HealthCare) في سان دييغو استخدام نظام خدمات لوجستية مركزي ومبني على البيانات لتقليل وقت تسجيل دخول المرضى بمقدار ثلاث ساعات.

تسريع إجراءات الخروج من المستشفى

لتحسين عملية التسريح الطبي، ينبغي أن يتمتع مدراء الحالات والأخصائيون الاجتماعيون بالقدرة على التنبؤ بأي تأخير في تسجيل خروج المرضى والوقاية من ذلك. عادةً ما تقوم السجلات الصحية الإلكترونية أو أي أنظمة داخلية أخرى بجمع بيانات عن حالات تأخير التسريح التي يمكن تلافيها، مثل: المرضى الذين تأخروا الشهر الماضي أو منذ ثلاثة أشهر أو في العام الماضي بسبب مشاكل في صحة وثائق التأمين أو عدم وجود وسيلة نقل أو مكان للإقامة أو عدم توفُّر رعاية ما بعد التسريح. تعتبر هذه البيانات منجم ذهب بالنسبة لمقدمي الرعاية الصحية، لأنه باستخدام الأدوات التحليلية المناسبة، يمكن لمقدم الرعاية في خلال ساعة واحدة من وصول المريض واستكمال أوراقه أن يتنبأ بدقة عالية إلى حدٍّ ما أي من مئات المرضى لديه سيواجه على الأغلب مشكلة خلال مرحلة تسجيل الخروج من المستشفى. وباستخدام مثل هذه الأدوات، يمكن أن يقوم مدراء الحالات والأخصائيون الاجتماعيون بوضع قائمة مختصرة بالمرضى ذوي الأولوية الذين يمكن البدء في التخطيط لإجراءات خروجهم بمجرد دخولهم المستشفى. وعلى سبيل المثال، استطاع مستشفى “ميدستار جورج تاون” الجامعي في العاصمة الأميركية واشنطن، باستخدام لبرمجيات التحليلية للتسريح الطبي، زيادة أعداد المرضى المُسرَّحين يومياً بنسبة 21%، وتقليل مدة الإقامة بمقدار نصف يوم، وزيادة حالات التسريح الصباحية بنسبة 24% من إجمالي التسريحات اليومية.

وفي نهاية الحديث عن أهمية البيانات في المستشفى بشكل عام، إن اتخاذ قرارات تشغيلية ممتازة باستمرار، مئات المرات في اليوم، يتطلب علوم بيانات أكثر تطوراً وكفاءة. وإذا استُخدمت الأدوات التحليلية بشكل صحيح، ستستطيع المستشفيات خفض نفقات الرعاية الصحية، وتقليل أوقات الانتظار، وزيادة معدل استقبال المرضى، وإطلاق العنان للقدرات المؤسسية من خلال البنية التحتية الموجودة بالفعل.

اقرأ أيضاً: لكي تنطلق في عمل مستند إلى البيانات ابحث عن شريك متفهم

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!