يرى الكثير من العاملين في اقتصاد المعرفة أن قاعدة "اعمل بجد وسترى النتائج"، ليست مطبقة دائماً، حيث بات من الصعب عليهم معرفة مدى مساهمتهم بشكل مباشر في أداء الشركة، أو كيف يساعدهم على التقدّم في حياتهم المهنية. وبينما يزداد الضغط علينا لنكون أكثر إنتاجية في الشركة، لا بد أن نتسائل من حين لآخر عن فائدة ما نقوم به، وسواء أكنا نتحدث هنا عن مجال التسويق أو مجال المبيعات، فإنه غالباً ما يبدو أن النتائج متصلة بالظروف الخارجية وأهواء المدراء التنفيذيين والتحولات الاستراتيجية ومطالب المساهمين. وأصبحنا نجد نفسنا بعيدين عن المفهوم البسيط القديم وهو مكافأة العمل الجاد والمتواصل.

قد يكون المكان الوحيد الذي تطبق فيه هذه القاعدة هو النادي الرياضي، حيث يكون الجميع متساوون هناك، فضلاً عن وجود علاقة واضحة بين ما يبذله الشخص وما يحصل عليه. بمعنى آخر، من يقضي الكثير من الساعات في النادي يحصل على نتائج أفضل، فضلاً عن إمكانية تتبعه لمقدار تقدمه بدقة، وهو ما يظهر على أجساد المتدربين، وهذه المتابعة الدقيقة هي ما يخلم به الكثير من الرؤساء التنفيذيين والشركات الكبيرة. لا عجب أن عالم النوادي الرياضية أصبح جذاباً ومغرياً بالنسبة إلى الكثيرين.  

لم يمر هذا الأمر من دون أن يلاحظه بعض القادة، حيث قام الجيل الجديد من الرؤساء التنفيذيين بملاحظته ومحاولة تطبيقه في مؤسساتهم. وعلى النقيض من القيادة "التحويلية" و"الأصيلة"، إذ تم انتقادهما لكونهما غير واضحتين ومبهمتين، فإنّ "قيادة اللياقة البدنية" (fitness leadership)، كما سنشير إليها هنا، تقدم مقاربة أكثر واقعية. وفيها سيتم قياس أدائك ومكافأتك كموظف مجتهد بحسب الساعات الطويلة التي تقضيها في المكتب، بطريقة مشابهة لما يحدث في النادي الرياضي. في المقابل، يمكن للقادة الذين يتبعون أسلوب اللياقة البدنية تقديم الشعور باليقين والعدالة والصداقة الحميمة للموظفين الذي يعانون حالياً من عدم اليقين والظلم والعزلة.

يعتبر هنريك بونج أحد هؤلاء القادة. وهو الرئيس التنفيذي وحامل لقب "المدرب الرئيس" في شركة بيورن بورغ (Björn Borg)، شركة الأزياء الرياضية السويدية التي تحمل اسم نجم رياضة التنس المعروف.

انضممنا في الخريف الماضي إلى بونج وموظفيه في "ساعة الرياضة"، وهي حصة لياقة إلزامية لجميع الموظفين كل يوم جمعة من الساعة 11 قبل الظهر وحتى الظهيرة. تم تقسيمنا إلى فرق ثنائية، وبدأنا بلكم وركل بعضنا البعض مع صراخ مدرب الكيك بوكسينغ من المنصة "هيا! ابذلوا المزيد من الجهد!".

بعد الحصة، شرح بونج فلسفته حول "الرياضة في مكان العمل" عندما قابلناه لاحقاً لتناول طعام الغداء في مطعم تايلاندي فاخر، إذ قال، "لننظر مثلاً إلى لاعب كرة قدم. سيعرف دائماً مستوى أدائه؛ ولكن إذا ذهبنا إلى قسم التسويق وسألناهم عن مستوى أدائهم، لن يكونوا قادرين على تحديد ذلك. إن لدينا الكثير لنتعلمه من عالم الرياضة". كان يتحدث وعضلاته تبرز من تحت قميصه، في حين شعره القصير كان لا يزال مبتلاً من التمرين. ولد بونج في العام 1973، ولكن وفقاً لأحدث اختبار له في اللياقة البدنية (والذي يجب أن يقوم به الموظفون الـ60 العاملون في مقر بيورن بورغ مرتين سنوياً) فإن عمره الجسدي 21 عاماً.

يشبه العمل مع هنريك بونج بطرق عديدة العمل مع مدرب شخصي. عندما عُيّن كرئيس تنفيذي في أغسطس/آب من العام 2014، لم تكن الشركة في حالة جيدة، إذ افتقرت العلامة التجارية إلى الهوية، وأظهرت حسابات العام السابق انخفاضاً في صافي المبيعات وتراجعاً في الأرباح. أطلق بونج استراتيجية جديدة هدفت إلى إعادة الترويج لعلامة بيورن بورغ التجارية كعلامة متميزة في مجال الأزياء الرياضية. كان الطموح يتمثل في مضاعفة المبيعات ومعدل مشاركة الموظفين بنسبة 90% في غضون خمس سنوات. كبداية، كان على الموظفين أن يصبحوا أقوى، على أكثر من صعيد. ويقول بونج عن ذلك: "كان علينا التدرب بشكل أقوى وقياس أهدافنا بشكل أفضل والتطور كفريق. لكي نحقق هذه الأهداف، على الجميع أن يكونوا جزءاً منه. وكان على الجميع المشاركة في الساعة الرياضية. لقد رفضت التنازل عن ذلك".

بعبارة أخرى، ينظر بونج إلى النجاح كنتيجة للتمرين والعمل، حيث أنهما يسيران بشكل متواز. أخبرنا شخصياً أنه كلما واجه المزيد من المواعيد النهائية لتسليم مشاريع أو أعمال، كلما تدرّب أكثر. وبالنسبة إلى الشركة ككل، يؤمن بأنّ التمارين الرياضية تجعل الموظفين في صحة جيدة من ناحية، ومن ناحية أخرى، تزيد من قدرتهم على تحمل فترات عمل مكثفة. كما تُمتعهم وتنمّي مجموعة روابط قوية بينهم لمساعدتهم على الوصول إلى أهدافهم.

لقد أثار زميلي توركليد ثانيم خلال اجتماع الغداء مع بونج دراسة خاصة حول الأعراق البشرية للشركة استمرت لأكثر من عام. منذ سبتمبر/أيلول من العام 2016، حيث قضى توركيلد بضعة أيام في الأسبوع في مقر بيورن بورغ، وحضر ورشات العمل والاجتماعات واختبارات اللياقة البدنية. وتناول الغداء وتحدث مع الموظفين وشارك في ساعات الرياضة (25 ساعة). وكجزء من هذا البحث، علمنا أنّ قادة الفرق يديرون مسابقات اللياقة البدنية مع فرقهم، وأنّ الموظفين يقيسون قوتهم البدنية من خلال منافسات الضغط، وأنّ العديد منهم يكسرون رتابة العمل بلعبة كرة الطاولة. في صباح أحد أيام الجمعة، دخل موظف إلى قسم المطبخ عاري الصدر لإظهار كيف أنه قد حقق هدفه البدني المتمثل في حصوله على بطن مشدود وعضلات معدة مقطعة وبارزة.

قد تبدو الحياة في شركة بيورن بورغ، والتعامل مع أسلوب قيادة بونج التي تبدو صعبة إن لم نقل أنها "متطرفة"، لكنه يبقى واحداً من عدد متزايد من القادة ممن يركزون على اللياقة البدنية، والذين يطلق عليهم وصف "الرجال الحديديون". تزايدت شعبية مسابقة "الرجل الحديدي" حتى بين الرؤساء التنفيذيين على مدى العقد الماضي لدرجة أنهم أطلقوا مسابقة منفصلة تسمى "الرجل الحديدي للرؤساء التنفيذيين". بين عامي 2001 و2011، وقد تضاعف عدد الرؤساء التنفيذيين الذين أكملوا مسابقة واحدة على الأقل، وفي مسح سويدي لما يقرب من 3,000 رئيس تنفيذي، قال أكثر من 90% إنّ التمارين البدنية كان لها تأثير إيجابي على مهاراتهم القيادية.

ولكن هل يقوم بونج وغيره من المدراء التنفيذيين الموجهين تجاه اللياقة البدنية بتصحيح تفكيرهم بأنّ العمل المكتبي يشبه الرياضة، أم أنه يمكنهم التأثير بشكل إيجابي على بعضهم البعض؟ صحيح أنّ العديد من الدراسات أنشأت علاقة إيجابية بين التمارين البدنية والأداء المعرفي. وفي بيورن بورغ، تحسنت مؤشرات الأداء الرئيسية بعد أن تولى بونج منصب الرئيس التنفيذي، حيث ارتفع صافي المبيعات بنسبة 27% خلال عامي 2013 و2016، وتضاعفت أرباح التشغيل ثلاث مرات، فضلاً عن زيادة نسبة مشاركة الموظفين خلال العام 2016 بنسبة 3% لتصل إلى 75%. ويشير بونج إلى أنّ الاستثمار في الصحة العامة والتوازن بين العمل والحياة، بما في ذلك ورشات العمل حول إدارة الإجهاد والنوم، قد تركت أثراً إيجابياً على حياة موظفيه. ولكن، بينما يفخر الرئيس التنفيذي بهذه الأرقام والتغييرات في مكان العمل، فإنه لا يزال بحاجة إلى زيادة المبيعات بنسبة 56% وزيادة مشاركة الموظفين بنسبة 15% أخرى في غضون ثلاث سنوات إذا أرادوا تحقيق أهداف العام 2019 التي وضعوها.

إلى جانب ذلك، هناك الكثير من الأمور غير الإيجابية أيضاً، إذ أنه لا يوجد حتى الآن أي دليل مقارنة يشير إلى وجود علاقة بين اللياقة البدنية للرئيس التنفيذي وقيمة الشركة. ومن غير الواضح ما إذا كان تطور الشخص رياضياً له أثر مخفف على وضع الشركة على المدى القصير (من ناحية تسريح العمال أو إعادة الهيكلة) أو جعل الشخص أكثر سعادة في وظيفته (حتى لو كان يجعل حياته، بشكل عام، أكثر سروراً).

في حين أنّ غالبية موظفي بيورن بورغ الذين تحدث إليهم توركيلد قد ظهروا مقتنعين إلى حد كبير بمفهوم اللياقة البدنية في العمل، كان هناك معارضون، حيث كانت هناك بعض التعليقات الناقدة تجاه قيادة بونج، من ميله لتحفيز الموظفين من خلال الصراخ "لنذهب يا شباب!" إلى حقيقة أنّ اللياقة البدنية إلزامية وأحياناً تزيد عن حدها (على سبيل المثال، إنهاء تمرين بناء الفريق في الهواء الطلق بالعبور على حبل معلق مع وصول الماء حتى صدر المشاركين).

إضافة إلى ذلك، قدم عدد من الموظفين ملاحظاتهم حول معدل مغادرة الشركة، حيث وفقاً للأرقام التي قدمتها الشركة، ارتفع معدل مغادرة الموظفين بشكل عام من 8% إلى 25% بين عامي 2014 و2016. وقد اعترفت الإدارة بأنّ معدل المغادرة خلال أول عامين لبونج كان مرتفعاً، لكنها اعتبرت ذلك ميزة نظراً لأنه أعطى الفرصة للشركة لانتقاء موظفين جدد.

فهل يمكن لفكرة الرؤساء التنفيذيين القائلة بأنهم قادرون على نقل ما يحدث في الصالة الرياضية إلى شركاتهم بسلاسة أمر ممكن؟ أم أنّ هذا الانتقال مجرد خيال؟

ولا يبدو بونج، من جانبه، قلقاً، إذ أننا عندما سألناه ما إذا كانت ممارسة الرياضة البدنية تجعلنا أفضل في وظائفنا، أجاب فوراً ومن دون أي تردد: "بالتأكيد"!

لكن في دفاعه عن فكرته، يدرك الرئيس التنفيذي أنّ فكرته تعاني من بعض القصور. وعندما سألنا بحذر عن رأيه في بعض القادة المشهورين، مثل ونستون تشرشل وأنجيلا ميركل، إذ فشلوا في تلبية معايير اللياقة البدنية الحالية، أجاب خلال تناوله بقية طعامه، "كان تشرشل قائداً في زمانه. لقد كان عبقرياً، لكنني لا أعتقد أنه كان لينضم إلى ساعة الرياضة الخاصة بنا. وربما كان ليخبرني أنّ علي الذهاب إلى الجحيم".
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!