يساور القلق للعديد من الناس حول الخيارات المهنية لطلاب العلوم والهندسة الأكثر موهبة في أيامنا هذه، حيث يتجاوز هذا القلق أهالي هؤلاء الطلاب.

منذ الأزمة الاقتصادية التي حصلت في العام 2008، عبّر صنّاع السياسات، وأساتذة الجامعة، والسياسيون، وأشخاص آخرون عن قلقهم من تفضيل أذكى الأدمغة الأميركية وألمعها التخصص في القطاع المالي، بدلاً من مهن يُرجح أن تتمتع بقيمة اجتماعية أعلى في مجالات العلوم، والطب، والهندسة. وكتب أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، سنديل موليناثان، في صحيفة نيويورك تايمز: “لم يقم عدد كبير من خيرة الطلاب بإجراء أبحاث حول السرطان، أو تدريس وإلهام الجيل القادم، أو الانخراط في مهن بمجال الخدمة العامة؛ بل إنّ العديد منهم بصدد التحول إلى تجار، وسماسرة، ومصرفيين”.

وكانت التقارير تُبدي امتعاضاً من نقص المواهب الشابة المتخصصة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضايات، أجّجت السجال حول “استنزاف الأدمغة” الذي تقوم به “بورصة وول ستريت” الأميركية. وتقوم هذه الفرضية على أنّ رواتب مالية ضخمة تغوي الخريجين، الذين كانوا سيحققون اكتشافات علمية مهمة ويتركوا بصمات بناءة في المجتمع.

لكن، يوحي بحث عملي أعدته بيان شو، الأستاذة المساعدة في كلية هارفارد للأعمال، أنّ كل ما يُثار عن هذا الموضوع عار من الصحة. إذ أجرت شو دراسة على عينة من ألمع الموهوبين في العلوم  (6,469 خريجاً في معهد ماساتشوستس للتقنية MIT، ما بين عامي 2006 و2012)، وبرهنت أن وول ستريت لا تجتذب أمهر علماء المستقبل ومهندسيه من طلاب الجامعات (أو على الأقل من طلاب معهد ماساشوتستس للتقنية). فهؤلاء يواصلون دراساتهم الجامعية حتى التخرج، أو يستلمون وظائف في مجالي العلوم والهندسة. ووجدت شو أنّ الطلاب الذين يتخصصون بالنهاية في القطاع المالي مختلفون عن طلاب العلوم، لجهة إنجازاتهم الأكاديمية والطرق التي يمضون بها أوقاتهم، ما يدل على أنّ قطاعي المال والعلوم لا يتنافسان فعلياً في اجتذاب المواهب نفسها.

أما وقد قيل ذلك، من السهل رؤية مصدر هذا القلق: كان القطاع المالي الصناعة الأكثر رواجاً في أوساط خريجي معهد ماساتشوستس للتقنية، الداخلين سوق اليد العاملة، بتولّي ما نسبته 8.4 في المئة من خريجي هذا المعهد وظائف في هذا القطاع عقب تخرجهم. وتشير هذه النسبة إلى أنّ 25 في المئة من الخريجين اتجهت نحو التخصص في الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات، الصناعة الأكثر رواجاً في فئتي العلوم والهندسة. وكان ربع الخريجين الذين اختاروا القطاع المالي من ذوي الخلفية العلمية، التي تُراوح في الغالب ما بين الهندسة، والرياضيات، والفيزياء.

إلا أنّ شو، التي حازت شهادتها للدكتوراه من معهد ماساتشوستس للتقنية، وجدت أنه في المعدل، لم يكن الخريجيون المتجهون نحو القطاع المالي على القدر نفسه من التفوق الأكاديمي لزملائهم المتخصصين في العلوم: كانت معدلاتهم التراكمية أدنى، والفصول الدراسية التي تسجلوا بها أقل. 6.5 في المئة فقط من الخريجين أصحاب المعدلات التراكمية الأعلى تخصصوا في القطاع المالي بعد تخرجهم، في ما ازداد احتمال دخول أصحاب المعدلات التراكمية الأدنى هذا القطاع بنسبة 16.5 في المئة. بتعبير آخر، أبدى أصحاب الدرجات الأعلى من صفوة الطلاب الذين خضعوا للدراسة، شغفاً أقل بالعمل في وول ستريت.

ولا تُعتبر الدرجات الجيدة العامل الوحيد، إلا أنها إشارة مهمة على امتلاك صاحبها إمكانيات علمية. وقالت لي شو: “الإنتاج المعرفي، لاسيما في مجالي العلوم والهندسة، تراكمي إلى حد كبير، والفهم العميق لهذا المجال يساعد على الابتكار”. واستخدمت شو في دراستها أيضاً بيانات من استطلاعات أُجريت على الطلاب، لاستبيان مقاييس أخرى للأداء الأكاديمي، مثل مدى حسن معرفة الطلاب بأساتذتهم الجامعيين وآراء الطلاب في تحسّن مهاراتهم في التفكير. وقد عززت نتائج الاستطلاعات مكتشفاتها  الأساسية، فقد أفاد الخريجون المتخصصون في مجالي العلوم والهندسة بحسن معرفتهم بأعضاء الكلية وبتحسن مهاراتهم في التفكير والتحليل خلال سنوات دراستهم الجامعية بنسبة الضعف. أما الخبراء الماليون المستقبليون، فقد ازدادت أرجحية انضمامهم إلى التنظيمات الأخوية للطلاب، أو الطالبات، بنسبة 50 في المئة، وهو قرار غالباً ما كانوا يتخذونه في الفصل الدراسي الأول من السنة الدراسية الأولى في الجامعة.

ومن الملاحظ أنّ مجموعتي الطلاب هاتين بدأت تظهر ميولاً مختلفة، حتى قبل ارتياد أعضائها الجامعة. ففي المدارس الثانوية، كانت أرجحية تولّي الطلاب الذين سينتهي بهم المطاف بدخول القطاع المالي، مناصب قيادية في المنتخبات الرياضية الجامعية ونوادي الطلاب، مثل نوادي الخدمة الاجتماعية، والحكومة والمنشورات الطلابية، أعلى بكثير منها لدى زملائهم في المجموعة الثانية. أما الخريجون الذين اختاروا التخصص في العلوم والهندسة، فقد مالوا أكثر إلى ممارسة الفنون، مثل الموسيقى والتمثيل المسرحي.

ومن الجدير بالذّكر أنّ عدداً كبيراً من الأشخاص لا تنطبق عليهم هذه الأنماط، فالبحث الذي أجرته شو يلقي نظرة على الدلائل بشكل وسطي. وهنا يبرز سؤالان منطقيان: هل الخبراء الماليون المستقبليون ماهرون في العلوم مثل العلماء؟ وهل هم ببساطة لا يبذلون أقصى مجهودهم في هذا المجال، لأنهم يخططون مسبقاً لدخول القطاع المالي؟ يفيد بحث شو بأنّ الإجابة هي النفي، “ما لم يكن السائل يعتقد بأنّ الجميع يعرفون بالتحديد ما يريدون فعله على الصعيد المهني في بداية دراستهم الجامعية، ما يُعد على الأرجح توسعاً في الآفاق”. وتستبعد شو في الغالب احتمال قيام الخبراء الماليين بخيارات مختلفة، لأنهم يستعدون تحديداً لمهنهم الخاصة، إذ أنّ التباينات في المعدلات التراكمية والأنشطة الاجتماعية تظهر في مرحلة مبكرة وتستمر. علاوة على ذلك، علمت شو من خلال مقابلات أجرتها مع خريجي معهد ماساتشوستس للتقنية، بأنّ العديد ممن انتهى بهم المطاف بدخول القطاع المالي لم يكونوا على اطلاع على هذه الصناعة حين بدأوا بارتياد المعهد، وإنما تعرّفوا عليها في سنواتهم الجامعية الثانية، أو الثالثة.

حين سألت الأستاذة شو عن الطريقة التي قد يؤثر بها الراتب على خيارات الطلاب المهنية، أجابت: “لا يزال الدخل المستقبلي مهماً، إلا أنّ أهميته تبرز في مرحلة لاحقة، وتتوقف على بعض القرارات التي سبق للمرء أن أخذها”. بتعبير آخر، قد يختار الناس التخصص في القطاع المالي إن كان كسب المزيد من المال حافزاً لهم، ولكن يجدر التذكير أنّهم على الأرجح أبدوا ميولاً مختلفة من حيث الإنجازات الأكاديمية والأنشطة الاجتماعية، منذ المرحلة الدراسية الثانوية.

تقترح هذه الدراسات مجتمعة بأنّ “استنزاف الأدمغة” الذي ينسب إلى وول ستريت قد يكون مبالغاً فيه. ومن التفسيرات التي تُقدّمها شو في بحثها، أنّ القطاع المالي يُقدّر مهارات مختصة وتحليلية معينة أقل مما يقدرها قطاعا العلوم والهندسة، ويدعو إلى التحلي بمزيد من المهارات، مثل المهارات الاجتماعية. في هذا الإطار، كتبت شو: “إنّ القطاع المالي لا يجتذب أفضل العلماء والمهندسين المستقبليين من خريجي معهد ماساتشوستس للتقنية، وألمعهم، ولكن لعله يوظف الخريجين الأنسب للعمل في هذا القطاع”.

مع ذلك، كان للأزمة المالية تأثير صادم على الأرجحية الإجمالية لانتهاء المطاف بخريجي المعهد بالعمل في وول ستريت. وقد وجدت شو أنّ احتمال اختيار التخصص في القطاع المالي لدى من تخرجوا بين عامي 2009 و2012 كان أقل بنسبة 45 في المئة ممن تخرجوا ما بين عامي 2006 و2008. وبالرغم من ذلك، لم يتوفر دليل على تغيير الطلاب الأكثر تفوقاً أداءهم الأكاديمي استجابة للانهيار المالي. وقلة قليلة فقط من الطلاب قاموا بذلك، وكانوا جميعاً أقرب إلى نهاية ترتيب الطلاب في الصف، من حيث المؤهلات لدخول الجامعة.

ونظراً إلى اقتصار بيانات البحث على خريجي معهد ماساتشوستس للتقنية، لم يُقصد بهذه النتائج تفسير تأثير القطاع المالي على القرارت المهنية عبر مختلف القطاعات الاقتصادية. وتقول شو إنّ النتائج لا تشمل جميع كليات الفنون الحرة، أو حتى برامج العلوم والهندسة العادية. بالأحرى، تؤيد هذه النتائج تركّز أفضل المواهب في أرقى الكليات المختصة بهذه المجالات، مثل كالتك (Caltech)، وكلية بيركلي للهندسة (Berkeley`s College of Engineering)، وكلية هارفارد للهندسة والعلوم التطبيقية (Harvard`s School of Engineering and Applied Sciences). لكن حين يقلق الناس من إغواء وول ستريت لـ”أفضل الناس وألمعهم”، يفكّرون بهذه النخبة من الطلاب.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!