كيف نطور قدرة المؤسسات على تحمل الصدمات؟

33 دقيقة
shutterstock.com/Fred Ho
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

سمّها إن شئت فجوة القدرة على التحمل، حيث يزداد العالم اضطراباً بوتيرة تتجاوز استيعاب المؤسسات وقدرتها على التحمل، ونرى الدليل على ذلك في كل ما يحيط بنا، إذ تخفق كبرى الشركات بصورة أكثر تواتراً، وتبين لنا أن 10 من بين أكبر 20 واقعة إفلاس لشركات أميركية على مدار العقديين الماضيين حدثت خلال العامين الماضيين، فقد أصبحت أرباح الشركات أكثر تقلباً، وعلى مدار العقود الأربعة الماضية، زاد تقلب الأرباح في مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” بمعدل 50%، رغم الجهود الحثيثة المبذولة في سبيل “إدارة” الأرباح، حيث ساد هبوط الأداء، وبداية من عام 1973 وحتى عام 1977، تعرضت 37 شركة من الشركات المدرجة ضمن قائمة “فورتشن 500” في المتوسط لانخفاض بنسبة 50% في صافي الدخل أو بما يقارب هذه النسبة، واستمر الأمر على هذا المنوال لمدة 5 سنوات كاملة. وكانت الفترة من عام 1993 وحتى 1997 بمثابة صفعة في وسط أطول طفرة اقتصادية في العصر الحديث، ولا يزال يتضاعف متوسط عدد الشركات التي تعاني من انخفاض مشابه في الأرباح ليصل عددها إلى 84 شركة سنوياً.

ينطبق الأمر ذاته على الشركات التي تستمر في تحقيق النجاح، حيث تواجه صعوبة كبيرة في المداومة على تحقيق عوائد عالية. واختص جيمس كولينز وجيري بوراس في كتابهما الأكثر مبيعاً لعام 1994، “صُمّمت لتدوم” (Built to Last) بذكر 18 شركة “ذات رؤية” نجحت في الحفاظ على مستوى أداء متميز بين نظيراتها بين عامي 1950 و1990. ولكن على مدار السنوات العشر الماضية، لم ينجح من بين هذه الشركات، في الحفاظ على أداء متميز وفقاً لمؤشر “داو جونز” للقطاع الصناعي، سوى 6 شركات فقط. أما الاثنتي عشرة شركة الأخرى، فتضم شركات مثل “ديزني” و”موتورولا” و”فورد” و”نوردستروم” (Nordstrom) و”سوني” و”هيوليت باكارد” (آتش بي) (HP)، فيبدو أنها تحولت من تقديم أداء ممتاز إلى الاكتفاء بالأداء الجيد. مختصر القول: لم يكن النجاح أبداً بهذه الهشاشة.

يمكن للشركات القائمة الاعتماد على القوة الدافعة لعجلة الموازنة للحفاظ على نجاحها في الأوقات الأقل اضطراباً. فقد ظلت بعض الشركات في منأى عن المنافسة مثل شركة “أيه تي آند تي” (AT&T)، والخطوط الجوية الأميركية “أميركان إيرلاينز”، من خلال خضوعهما للحماية القانونية والممارسات الاحتكارية، فيما تمتعت شركات أخرى، مثل “جنرال موتورز” و”كوكاكولا”، بنموذج منتج مستقر نسبياً، واستمر هذا الوضع لأكثر من قرن من الزمان، باستمرار امتلاك السيارات لأربع عجلات ومحرك احتراق ومداومة المستهلكين على تناول المشروبات الغازية التي تحتوي على الكافيين. بينما بدأ آخرون، مثل “ماكدونالدز” و”إنتل”، بأخذ زمام المبادرة نحو بناء مزايا المتحرك الأول. أما في القطاعات التي تتطلب رأسمال كبير كالبترول والفضاء، فإن الحواجز المنيعة التي تحول دون اختراق هذا القطاع هي التي تتولى حماية الشركات القائمة.

تشير حقيقة سهولة تلاشي النجاح سريعاً، إلى أن القوة الدافعة لم تعد كسابق عهدها. لا شك، أن امتلاك عصبة من الزبائن المخلصين، وعلامة تجارية معروفة، وخبرة عميقة في الصناعة، والوصول التفضيلي إلى قنوات التوزيع، والأصول المادية المملوكة، وحافظة براءات اختراع قوية، لا تزال أمور بالغة الأهمية، لكن هذه القيمة تبددت شيئاً فشيئاً بتضاعف الأعداء الذين تواجههم القوة الدافعة لتحقيق النجاح، مثل الفجوات التقنية، والاضطرابات التنظيمية، والصدمات الجيوسياسية، وتمدد القطاعات الصناعية والإطاحة بالوساطة بين المنتج والمستهلك، والتحولات المفاجئة في أذواق المستهلكين، ودخول جحافل من المنافسين غير التقليديين، وغيرها من القوى التي تقوض مزايا الشركات القائمة.

في الماضي، كان لدى المسؤولين التنفيذيين رفاهية الاعتقاد بأن نماذج الأعمال التي تتبناها شركاتهم ستدوم إلى الأبد، ولطالما تحتم على الشركات السعي الدائم لتقديم أداء أفضل، لكن نادراً ما وجب عليها السعي نحو الاختلاف، ليس في جوهرها وصميم أعمالها، ولكننا نرى اليوم أن الاختلاف أمر حتمي، وهذا هو التحدي الذي تواجهه شركة “كوكاكولا” فهي تكافح من أجل زيادة “حصتها الاستهلاكية” في المشروبات غير الغازية، وهي أيضاً المهمة التي تزعج “ماكدونالدز” في محاولتها لإنعاش النمو في عالم الزبائن الذين ضجروا من البرغر، وهي العقبة التي تحاول شركة “صن ميكروسيستمز” (Sun Microsystems) تجاوزها في محاولاتها للبحث عن طرق لحماية أعمال الخوادم ذات هامش الربح العالي للتصدي لهجوم نظام التشغيل “لينوكس” (Linux)، وهو أمر ضروري لشركات الأدوية الكبرى لأنها تواجه انخفاض الإيرادات التي تنتجها جهود البحث والتطوير، في ظل تصاعد ضغط الأسعار، والتهديد المتزايد من الأدوية البديلة، فبالنسبة لجميع هذه الشركات، وبالنسبة لك، لم يعد استمرار النجاح متوقفاً على القوة الدافعة لتحقيق النجاح، بل يعتمد، بدلاً من ذلك، على القدرة على التحمل، والقدرة على إعادة ابتكار نماذج العمل والاستراتيجيات بصورة ديناميكية وفقاً لتغير الظروف.

الثورة والتجديد والقدرة على التحمل: مسرد لأوقات الأزمات

ما احتمالية تقديم شركتك لأداء شديد التميز على مستوى الاقتصاد العالمي خلال السنوات القليلة المقبلة؟ ما هي فرصة تحقيق شركتك لعوائد أفضل بكثير من متوسط العوائد المتحققة داخل القطاع ذاته؟ ما هي احتمالات التغيير، في جميع صوره، التي ستقلب شركتك رأساً على عقب ولكن بصورة إيجابية؟ إن الثقة في مستقبل شركتك، أو مستقبل أي عمل تجاري، تتوقف على مدى إتقانه لثلاثة أشكال أساسية من الابتكار.

⁩الابتكارات الثورية

تحققت معظم الثروة الجديدة خلال العقد الماضي في معظم القطاعات على أيدي المؤسسات الثورية أمثال “جيت بلو” (JetBlue)، و”أمجين” (Amgen)، و”كوستكو” (Costco)، و”جامعة فينيكس” (University of Phoenix)، و”إيباي”، و”ديل”. إذ تحتاج أي شركة إلى استراتيجية غير تقليدية لتحقيق عوائد مالية غير تقليدية سواءً كانت هذه الشركة وافداً جديداً، أم شركة قديمة وقائمة بالفعل، وتتمثل الثورة داخل أحد القطاعات في الإتيان بابتكار مزعزع، ويأتي هذا الابتكار موافقاً لقواعد القطاع.

التجديد

يتمتع الوافدون الجدد بميزة واحدة مهمة مقارنة بالشركات القائمة وهو امتلاكهم لسجل أعمال نظيف، حيث يتوجب على الشركات القائمة إعادة ابتكار هويتها أولاً لإعادة ابتكار قطاع الأعمال، والتجديد الاستراتيجي عبارة عن إعادة هيكلة إبداعية، ويتطلب تنفيذ ابتكارات متعلقة بنموذج عمل تقليدي.

القدرة على التحمل

عادة ما يتطلب دفع جهود التجديد مواجهة أزمة أداء، وبدلاً من الانتقال من نجاح لآخر، فإن معظم الشركات تنتقل من النجاح إلى الإخفاق، وبعد رحلة صعود طويلة وشاقة، تعود إلى النجاح من جديد. وتشير القدرة على التحمل والمرونة إلى القدرة على إعادة الهيكلة المستمرة، ويتطلب الأمر تحقيق الابتكار في القيم والعمليات والسلوكيات التنظيمية التي تتبع نهج تفضيل الاستمرارية على الابتكار.

ولا تتعلق استراتيجية القدرة على التحمل بالاستجابة لأزمة لمرة واحدة فقط، ولا يقتصر الأمر على التعافي من انتكاسة، وإنما يتعلق بالتوقع المستمر والتكيف مع الاتجاهات المدنية العميقة التي قد تعيق القدرة على اكتساب قوة الأعمال الأساسية بصورة دائمة، ويتعلق بالقدرة على التغيير قبل أن يصبح التغيير أمراً لا مفر منه.

⁩تفادي آثار الصدمات

تواجه الشركات الناجحة، لا سيما تلك التي تتمتع ببيئة صالحة، صعوبة هائلة في إعادة ابتكار نماذج عملها. وعندما تواجه اضطراباً خارقاً لنموذج العمل، فإن آثاره تنعكس على مسار الأمور وتتصف بالعمق وطول الأجل. انظر شركة “آي بي إم” على سبيل المثال، فقد شهدت الشركة بين عامي 1990 و1993، تحولاً من تحقيق 6 مليارات دولار إلى خسارة ما يقرب من 8 مليارات دولار، ولم تتمكن من تحقيق أرباح مماثلة لمعدلاتها السابقة إلا بحلول عام 1997. عادة ما يؤدي هذا الهبوط المطول في الأرباح إلى تغيير القيادة، وفي كثير من الحالات يُجري الرئيس التنفيذي الجديد تحولاً ناجحاً، وإن كان مؤلماً، سواء كان هذا الرئيس هو لويس غريستنر في شركة “آي بي إم” أو كارلوس غصن في “نيسان” أو روز ماري برافو في “بربري” (Burberry). وعلى الرغم من الاحتفاء بهذا التحول، فإنه شهادة على افتقار الشركة إلى القدرة على التحمل. فالتحول ما هو إلى تغيير تأخر كثيراً.

تخيل إحدى النسب التي يعبر فيها البسط عن حجم وتكرار التحول الاستراتيجي بينما يعكس المقام الوقت والنفقات والطاقة العاطفية اللازمة لإحداث ذلك التحول. ولا تملك أي شركة تأمل في البقاء على الساحة في عالم مضطرب سوى زيادة قيم البسط. وفي الوقت ذاته، تكمن الحيلة الحقيقية في تقليل المقام بثبات. وينبغي على الشركات إتقان التجديد مثلما تجيد إنتاج المنتجات والخدمات الحالية لتحقيق الازدهار إبان الاضطرابات، ولا بد أن يأتي التجديد كنتيجة طبيعية لقدرة المؤسسة على التحمل.

ولا يبدأ السعي لتحقيق القدرة على التحمل بتوافر مخزون من أفضل الممارسات، فمن الواضح أن أفضل الممارسات ليست كافية اليوم، بل يبدأ الأمر عوضاً عن ذلك بطموح عدم التعرض لأي صدمات، فالهدف هنا هو الوصول لاستراتيجية تحول دائم، وتتكيف إلى الأبد مع الفرص والاتجاهات الناشئة، فالهدف هو بناء مؤسسة تصنع مستقبلها باستمرار بدلاً من الدفاع عن ماضيها، الهدف هو شركة يحدث فيها التغيير الثوري بخطوات تطورية بسرعة البرق، مع عدم وجود مفاجآت كارثية، ولا عمليات إعادة تنظيم متشنجة، أو ديون هائلة متعذرة التحصيل، أو عمليات تسريح عشوائية شاملة. في مؤسسة تتمتع بالقدرة على التحمل حقاً، هناك الكثير من الإثارة، دون حدوث أي صدمات.

هل يبدو هذا مستحيلاً؟ قبل بضعة عقود كان الكثيرون سيضحكون من فكرة “الخلو من العيوب”. فإذا كنت تقود سيارة “فورد بيانتو” أو “تشيفي فيغا”، أو إذا كنت تعمل في صناعة تلك السيارات الرديئة، فإن هذا المصطلح سيبدو سخيفاً، لكننا نعيش اليوم في عالم يُنظر فيه على نطاق واسع إلى معايير سيغما الستة (Six Sigma)، حيث يُنظر إلى تلاشي الأخطاء لتصبح بنسبة 3.4 عيب لكل مليون، على أنه هدف يمكن تحقيقه. فلماذا لا نلتزم بتفادي الصدمات؟ تكلفنا العيوب أموالاً طائلة، وكذلك الاستراتيجيات القديمة، والفرص الضائعة، وبرامج إعادة الهيكلة المتأخرة. وتفتقر العديد من أهم مؤسسات المجتمع اليوم، بما في ذلك أكبر المؤسسات التجارية، إلى القدرة على التحمل، ولكن ما من قاعدة تنص على أنها يجب أن تظل هكذا. ويكمن السبب تحديداً في أن القدرة على التحمل هدف ثمين لدرجة أنه يجب علينا أن نلزم أنفسنا بجعله قابلاً للتحقيق. (انظر العنوان الجانبي: “أهمية إظهار القدرة على التحمل”).

أهمية إظهار القدرة على التحمل

قد يجادل البعض بأنه لا يوجد سبب يدعو إلى الاهتمام بقدرة أي شركة على التحمل في ظل وجود منافسة مطلقة، وسوق تعمل جيداً لصالح ملكية الشركات، وسياسات عامة لا تحمي الشركات المتعثرة من حماقاتها، وحرص عدد من الشركات الناشئة على الاستفادة من كسل الشركات القائمة. يرى هذا المنظور أن المنافسة تعمل حافزاً للتنشيط الدائم، فالشركة التي تعجز عن التكيف مع بيئتها المتغيرة تفقد مكانتها وعملائها، وتفقد في نهاية المطاف دعم أصحاب المصلحة. وسواء خرجت الشركة تدريجياً من قطاع الأعمال أو استحوذت عليها شركة أخرى، فلا بد من إعادة تخصيص رأس المال البشري والمالي للشركة بطريقة تُزيد من عائد هامش الربح لتلك الأصول.

تمتاز هذه النظرة لمشكلة القدرة على التحمل بأنها بسيطة من الناحية النظرية، كما أنها سهلة الفهم، لكن لا يمكن الاعتماد على هذه القوى لمعالجة مشكلة القدرة على التحمل بكفاءة وبصورة كاملة، على الرغم من خطورة المنافسة والوافدين الجدد وعمليات الاستحواذ والإفلاس في استفحال أثر انعدام الكفاءة الإدارية. وتعزى هذه المشكلة إلى عدة أسباب:

أولها، وأكثرها وضوحاً، هو وقوع آلاف المؤسسات المهمة خارج السوق وعدم خضوعها لسيطرة الشركات، بدءاً من الشركات المملوكة للقطاع الخاص مثل شركة “كارجيل” (Cargill) وحتى هيئات القطاع العام، مثل هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية والمنظمات غير الربحية كالصليب الأحمر. لدى بعض هذه المؤسسات منافسين، ولكن الكثير منها لا يملك أي منافسين، ولا يسهل “الاستحواذ” على أي منها. وقد يستمر الافتقار إلى القدرة على التحمل دون تصحيح لفترة طويلة من الوقت، ويستمر نقص المقومات وإهدار موارد المجتمع.

ثانياً، تُشكل المنافسة والاستحواذ والإفلاس الآليات الأولية لإعادة تخصيص الموارد من الشركات سيئة الإدارة إلى الشركات التي تخضع لإدارة رشيدة. ودعونا نبدأ بأكثر هذه البدائل قسوة، وهو الإفلاس. حين تتعثر الشركة، يتفكك جزء كبير من رأسمالها الفكري المتراكم بتشتت فرق عملها، وعادة ما تستغرق أسواق العمل شهوراً أو سنوات لإعادة توزيع الأصول البشرية النازحة، وما عمليات الاستحواذ إلا آلية أكثر كفاءة لإعادة تخصيص الموارد، ولكنها تظل أيضاً بديل سيء لغياب قدرة المؤسسات على التحمل. عادة ما يقاوم المسؤولون التنفيذيون في الشركات ذات الأداء الضعيف فكرة الاستحواذ حتى نفاد جميع خيارات البقاء الأخرى، بدفع تلهفهم لحماية امتيازاتهم وصلاحياتهم. حتى ذلك الحين، غالباً ما يقللون من مدى أهمية الاهتراء المؤسسي، وهو حكم خاطئ غالباً ما تروج له الشركة المستحوذة. وكثيراً ما يثبت تأخر عمليات الاستحواذ، ويحدث الأمر في نهاية المطاف استجابة للتراجع المؤسسي ولكن بتكلفة باهظة نظراً للتأخير، سواء كان استحواذ شركة “كومباك” على شركة معدات رقمية متعثرة أو استحواذ “فورد” على “جاغوار” التي شهدت اضطراباً شديداً.

وماذا عن المنافسة، الحرب التي لا تنتهي بين الشركات الكبرى والأصغر حجماً، والقائمة منذ قديم الأزل والشركات الناشئة؟ يعتقد البعض أنه طالما كان المجتمع قادراً على إنشاء مؤسسات جديدة، فلا داعٍ للقلق بشأن قدرة المؤسسات القديمة على التحمل. ومن هذا المنظور الإيكولوجي للقدرة على التحمل، تُشكل فئة الشركات الناشئة مجموعة من التجارب، يفشل معظمها بينما يتحول بعضها إلى شركات ناجحة.

ووفقاً لهذا الرأي، فمن الضروري التخلص من تلك المؤسسات، وإطاحة الصغار بالكبار. وإذا وضعنا جانباً أهمية الديمومة المؤسسية والتساؤل حول أهميتها، فهناك سبب لطرح هذا التساؤل: “من يحتاج إلى تلك الشركات المتعثرة القائمة منذ القدم، عندما يكون لديك كل هذه الشركات الناشئة الرائعة؟” وهذا أمر منطقي. وعادة ما تكون الشركات الصغيرة أقل كفاءة من الشركات الأقدم، فهي في مرحلة مبكرة على طريق الابتكار غير المنضبط وتسعى للوصول إلى التحسين المنضبط. ولهذا لا يمكن الاعتماد كلياً على نجاح الاقتصاد الذي يتكون بالكامل من الشركات الناشئة. هذا بالإضافة إلى اعتماد الشركات الناشئة عادة على الشركات القائمة من أجل الحصول على تمويل، والمواهب الإدارية، والوصول إلى الأسواق. ونرى النمط الكلاسيكي، في نجاح “مايكروسوفت” المبكر والذي اعتمد أساساً على قدرتها على الاستفادة من العلامة التجارية لشركة “آي بي إم” وطاقاتها التوزيعية. وبهذا، ندرك أن الشركات الناشئة ليست بالبديل الذي يحل محل الشركات القائمة، ولكنها تصلح كأداة تأمين ضد التكاليف التي يفرضها المجتمع على الشركات القائمة التي ثبت تباطؤها في اتخاذ خطوات للتغيير بالإضافة لافتقارها إلى سعة الأفق. ولطالما كان تجنب الكوارث أفضل من تقديم مطالبة بموجب بوليصة التأمين فور وقوع كارثة. ويُشكل “وادي السيليكون” وغيره من النقاط الريادية الفاعلة نعمة كبيرة، لكنهم ليسوا سوى حل جزئي لمشكلة الشركات غير القادرة على التكيف.

لنطرح السؤال الآتي، هل يمكن أن تحتضر إحدى الشركات فجأة؟ سيجيب خبراء الاقتصاد عن هذا السؤال بالنفي، حيث تفشل المؤسسات حين تستحق الفشل، أي عندما تثبت فشلها المستمر في تلبية توقعات أصحاب المصلحة، إلا إذا تدخلت الحكومة أو العناية الإلهية. ولا شك أن هناك حالات يمكن للمرء أن يقول فيها بكل ثقة أن هذه المؤسسة “تستحق” الموت. وهنا يتبادر أمران إلى الذهن على الفور: عندما تحقق مؤسسة هدفها الأصلي أو عندما تؤدي الظروف المتغيرة إلى عدم صلاحية المؤسسة أو عدم تقديم الغرض الأساسي للمؤسسة لأي نفع. (على سبيل المثال، مع انهيار الشيوعية التي حظيت برعاية الاتحاد السوفيتي في أوروبا الشرقية، شكك البعض في جدوى استمرار حلف الناتو).

ولكن هناك حالات ينبغي النظر فيها إلى الاحتضار المؤسسي بأنه سابق لأوانه لأنه يسلب المجتمع فائدة مستقبلية، فالديمومة أمر مهم لأن مرور الوقت يسمح بتشكيل كيان معقد. فقد استغرق التطور البيولوجي ملايين السنين لإنتاج البنية المعقدة لعيون الثدييات وملايين أخرى لتطوير الدماغ البشري وامتلاكه لمستويات أعلى للوعي. وبالمثل، يستغرق الأمر سنوات، وأحياناً عقوداً، لكي تحول المؤسسة فكرة بسيطة إلى نموذج تشغيلي قوي. تخيل للحظة لو أن شركة “ديل”، التي تعد حالياً أنجح صانع لأجهزة كمبيوتر في العالم، احتضرت وهي لا تزال في مهدها. فإن ذلك يعني على أقل تقدير، افتقار العالم اليوم لنموذج العمل المثالي “التصميم حسب الطلب” الذي نجحت “ديل” في تطويره على مدى العقد الماضي، وهو النموذج الذي دفع بجهود الابتكار في سلسلة التوريد في مجموعة من القطاعات الأخرى. وهذه ليست حجة لعزل شركة عن بيئتها، وإنما هو سبب لتزويد المؤسسات بالقدرة على تعديل استراتيجياتها ديناميكياً في أثناء عملها للوفاء بالمهمات طويلة الأجل.

وهناك سبب أخير غير اقتصادي يدفعنا للاهتمام بديمومة المؤسسات، وبالتالي القدرة على التحمل، فالمؤسسات هي الأوعية التي تستوعب طاقاتنا البشرية وشغفنا وحكمتنا. وفي ضوء ذلك، ليس من المستغرب أن نأمل في كثير من الأحيان أن نظل على قيد الحياة من خلال المؤسسات التي نعمل بها. فإذا كانت جيناتنا تشكل إرثاً بيولوجياً لذواتنا كأفراد، فإن مؤسساتنا تشكل إرثاً لذواتنا الجماعية الهادفة، فهي تمثل امتداداً لنا، تماماً كأطفالنا. ولا عجب أننا نأمل أن يكون أداؤها جيداً وأن تلقى معاملة حسنة من ورثتنا. ونأمل تحمل المسؤولية المنوطة بنا في المستقبل وأن نكون خير أمناء على المؤسسات التي ورثناها من أسلافنا، وأفضل طريقة لتكريم الإرث المؤسسي هو توسيعه، وأفضل طريقة لتحقيق ذلك هي تحسين قدرة المؤسسة على التجديد المستمر.

ولكننا نعود ونكرر أنه يجب علينا أن نتوخى الحذر، فالماضي النبيل لا يخول لأي مؤسسة الحصول على مستقبل مشرق، ولا تستحق المؤسسات الصمود إلا إذا كانت قادرة على تحمل هجوم مؤسسات جديدة، وبالتالي فإن حرية المجتمع في إنشاء مؤسسات جديدة تمثل سياسة تأمين حاسمة لمواجهة عدم قدرته على إعادة هيكلة المؤسسات القديمة، وحيثما تتقلص هذه الحرية كما هو الحال في اليابان، على سبيل المثال، فإن المدراء في المؤسسات القائمة قادرون على تفادي مسؤوليتهم عن التجديد المؤسسي.

وأي مؤسسة تأمل في أن تصبح قادرة على التحمل لا بد لها من مواجهة التحديات الأربعة الآتية:

التحدي المعرفي: يجب أن تتخلص الشركة تماماً من حالة الإنكار والحنين إلى الماضي والغطرسة. وأن تكون على وعي تام بالتغيرات التي تطرأ وأن تكون على استعداد دائم للنظر في أثر هذه التغييرات على نجاحها الحالي.

التحدي الاستراتيجي: تتطلب القدرة على التحمل وجود بدائل أخرى إلى جانب توافر الوعي، كالقدرة على توفير عدد كبير من الخيارات الجديدة كبدائل مقنعة للاستراتيجيات المهترئة.

التحدي السياسي: يجب أن تكون المؤسسة قادرة على نقل الموارد من منتجات وبرامج الأمس إلى منتجات الغد، وإن كان هذا لا يعني تمويل الوهم، وإنما يعني بناء القدرة على دعم مجموعة واسعة من التجارب الثانوية من خلال الاستعانة برأس المال والمواهب اللازمة.

التحدي الإيديولوجي: يتساءل عدد قليل من المؤسسات عن مفهوم الأداء الأمثل، ولكن استخدام نموذج العمل، الذي تتضاءل أهميته شيئاً فشيئاً، في تقديم الأداء الأمثل، لا يمكن أن يضمن مستقبل الشركة. وإذا أصبح التجديد نشاطاً مستمراً ومدفوعاً باقتناص الفرص، بدلاً من أن يكون لحظياً مدفوعاً بظهور الأزمات، فستحتاج الشركات إلى تبني عقيدة تتجاوز التميز التشغيلي والتنفيذ الذي لا تشوبه شائبة.

قليل من المؤسسات، إن وجدت، يمكنها أن تدعي إتقانها للتعامل مع هذه التحديات الأربعة. ويتيح لنا عقد من البحث حول الابتكار والتجديد عرض بعض نقاط الانطلاق على الرغم من عدم وجود وصفة بسيطة لبناء مؤسسة تتمتع بالقدرة على التحمل.

قهر الإنكار

كل شركة هي عمل ناجح حتى إشعار آخر، الغريب أن أفراد الإدارة العليا كثيراً ما يدهشون حين يأتي هذا “الإشعار”. وتحمل هذه الدهشة، وهذا الاعتراف المتأخر بالظروف التي شهدت تغيراً هائلاً، تهديداً بتأجيل جهود التجديد بصورة كبيرة.

ما الذي يدعو إلى الاندهاش؟ هل لأن العالم لا يتغير فحسب بل يتغير بطرق لا يمكن توقعها ببساطة، بسبب الاضطراب المروع؟ ربما كان الأمر كذلك، ولكن حتى الصدمات “غير المتوقعة” يمكن التنبؤ بها في أغلب الأحيان، إذا كان المرء يولي اهتماماً كافياً. عندك مثلاً الانهيار الأخير الذي شهده قطاع التكنولوجيا، وهو الحدث الذي أدى إلى انهيار العديد من شبكات أجهزة الكمبيوتر ومورديها، وأدى إلى تعذر تحصيل ديون بمليارات الدولارات.

ترى العديد من الشركات، أن المستقبل لا يمكن تصوره أكثر منه مجهولاً، وغير مستساغ أكثر منه غامضاً.

وهناك 3 ضربات عصفت بنفقات قطاع تقنية المعلومات وهي كالآتي: انهيار قطاع الاتصالات، الذي اعتاد أن يكون المشتري الأكبر لمعدات الشبكات، تحت ضغط عبء الديون الهائلة، حيث نفدت النقود من حشود زبائن طفرة الويب وتوقفوا عن شراء أجهزة الكمبيوتر، وخفض الزبائن من الشركات الكبيرة للميزانيات المخصصة لتقنية المعلومات مع دخول الاقتصاد في حالة ركود. ففي تلك الحالة، هل من العدل الافتراض بضرورة تنبؤ موردي قطاع تقنية المعلومات بهذه العاصفة العاتية؟ أجل.

كانوا على علم بالأمر، ويتضح ذلك على سبيل المثال، من خلال النظر إلى الغالبية العظمى من زبائنهم من شركات الإنترنت الذين كانوا ينفقون الأموال بمعدل شره، دون تحقيق أرباح واضحة في الوقت ذاته. وينطبق الأمر ذاته على العديد من شركات الاتصالات الناشئة التي كانت تشتري معدات بالاستعانة بتمويلات الموردين. وكانت هذه الشركات تبني شبكات الألياف الضوئية بسرعة تتجاوز إمكانية الاستفادة منها. ومع زيادة عرض النطاق الترددي بسرعة تجاوزت معدلات الطلب، كانت مسألة وقت فقط قبل أن يؤدي انهيار الأسعار إلى دفع العديد من هذه الشركات المثقلة بالديون إلى الهاوية. هذا بالإضافة إلى دلائل تحذيرية أخرى، ففي عام 1990 أنفقت الشركات الأميركية 19% من ميزانياتها الرأسمالية على تقنية المعلومات، وبحلول عام 2000 بلغت نسبة الإنفاق الرأسمالي على تقنية المعلومات 59%، أي تضاعفت حصة تقنية المعلومات في ميزانيات رأس المال ثلاثة أضعاف، وذلك خلال أطول طفرة في الإنفاق الرأسمالي في تاريخ الولايات المتحدة. وكان ينبغي على أي شخص يتأمل تلك البيانات في عام 2000 أن يتساءل، هل سيستمر الإنفاق الرأسمالي في النمو بوتيرة مضاعفة؟ وهل من المرجح أن يستمر الإنفاق على تقنية المعلومات في النمو بهذه السرعة؟ من المنطقي أن يأتي الجواب على كلا السؤالين بالنفي، فالأشياء التي لا يمكن أن تستمر إلى الأبد لا تدوم. وكان ينبغي على الموردين العاملين بقطاع تقنية المعلومات توقع تراجع كبير في نمو عائداتهم وبدء تنفيذ خيارات “استراتيجيات الحرب” التي تعقب الانهيار، قبل انهيار الطلب بوقت طويل.

وليس من العدل، بطبيعة الحال، أن نخص بالذكر قطاع واحد فقط، فما أصاب بعض شركات تقنية المعلومات الخرقاء يمكن أن يحدث لأي شركة، وكثيراً ما يحدث. وأغلب الظن، أن الدهشة أصابت شركة “موتورولا” حين تصدرت “نوكيا” سريعاً مشهد الريادة العالمية في مجال الهواتف المحمولة. ومن المحتمل أن المسؤولين التنفيذيين في شركة “غاب” (Gap) صُعقوا حين اتجه محرك نمو شركتهم إلى الاتجاه المعاكس فجأة، في أوائل عام 2001. ولا شك أن فريق إدارة قنوات “سي إن إن” فوجئ بالصعود السريع لقنوات “فوكس نيوز” وصدارتها لأعلى نسب المشاهدة.

ولكن شأنهم شأن أولئك في قطاع تقنية المعلومات، كان يجدر بهم رصد الخطوط العريضة للمستقبل، لتوقع النقطة التي يتسطح فيها فجأة منحنى النمو أو اللحظة التي يتعطل فيها نموذج العمل. وتشير حقيقة القصور الشديد في الأداء الذي يأتي على هيئة مفاجأة، في كثير من الأحيان، إلى أن المسؤولين التنفيذيين كثيراً ما يلجؤون إلى الإنكار. ويصرح غريغ بلوندر، كبير المستشارين التقنيين السابق لدى شركة “أيه تي آند تي”، بذلك في مقال نُشر بعدد نوفمبر/ تشرين الثاني 2002 بمجلة “البارون”، قائلاً: “في أوائل التسعينات، أجرت إدارة شركة “أيه تي آند تي” نقاشاً داخلياً حول انهيار المنحنى التصاعدي الثابت لاستخدام الإنترنت بطريقة أو بأخرى. ولم يتبادر لأذهانهم احتمالية أنها قد تطغى على خدمة الهاتف التقليدية بهذه البساطة، لكن لم يكن إيقاف مسار هذا الاتجاه أو حتى إبطائه عن طريق التفكير المتفائل والتسويق الذكي أمراً ممكناً، وانهارت الدعائم التي ساندت الأعمال التجارية طوال هذه الفترة واحدة تلو الأخرى”. وترى شركة “أيه تي آند تي” مثلها مثل بقية الشركات أن المستقبل لا يمكن تصوره أكثر منه مجهولاً، وغير مستساغ أكثر منه غامضاً.

فالإنكار يوقف جهود التجديد، ومع كل شهر يمر، ترتفع التكلفة، ولامتلاك القدرة على التحمل، يجب على أي مؤسسة التقليل بصورة كبيرة من الوقت الذي تستغرقه للانتقال من فكرة “لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً” إلى “يجب أن نواجه العالم كما هو”. فما الذي يتطلبه اختراق درع الإنكار المنيع؟ ثلاثة أمور.

أولاً، يجب على الإدارة العليا الاعتياد على التطرق للمواضع التي يحدث فيها التغيير أولاً. اسأل نفسك كم مرة وضعت نفسك خلال العام الماضي في موقف يتيح لك الفرصة لرؤية التغيير عن قرب واختباره بنفسك، بعيداً عن مطالعتك لمقال عن التغيير في مجلة متخصصة في مجال الأعمال أو السماع عن الأمر من أحد الاستشاريين، أو الحصول على تقرير مكرر من أحد الموظفين. هل زرت أحد مختبرات تكنولوجيا النانو من قبل؟ هل قضيت بضع ليالٍ في أرقى نوادي لندن؟ هل قضيت فترة ما بعد الظهيرة تتحدث إلى أنصار حماية البيئة المتحمسين أو نشطاء مناهضة العولمة؟ هل خضت محادثة صادقة، مع أي شخص تحت سن 18 حول الأمور التي تقع ضمن دائرة اهتماماته؟ من السهل إهمال البيانات التي تأتيك من جهة أخرى، ولكن من الصعب تجاهل ما اختبرته بنفسك. وإذا كنت قد تمكنت من مجابهة التغيرات، فكم من الوقت أمضيت في التفكير في العواقب التي تأتي في المرتبة الثانية والثالثة لما شهدته؟ ومع زيادة معدل التغيير، يجب أيضاً زيادة الطاقة الذاتية التي تخصصها لاستيعاب التغيير.

ثانياً، يجب عليك اختيار الأفراد الذين يتولون مهمة التصفية. ستلاحظ على الأرجح، وجود أشخاص في مؤسستك منغمسين بشدة في المستقبل ويفهمون جيداً تداعيات التفاؤل على نموذج عمل شركتك. عليك العثور على هؤلاء الأشخاص، والتأكد من عدم مصادرة أمناء الاجتماعات لآرائهم وألا يعيق وصول أصواتهم إليك أولئك الذين يعتقدون أنهم يتقاضون رواتبهم لحمايتك من الحقائق غير السارة، كما يجب أن تتوخى الحذر من أي شخص لديه مصلحة في استمرار جهلك، ذلك الذي يخشى أن ينكشف إخفاقه في التوقع أو قصور استجابته عند استيعابك الكامل لمسار التغيير.

هناك العديد من الطرق للتحايل على الحراس والبيروقراطيين الذين يحمون أنفسهم، ومن بينها التحدث إلى الزبائن المحتملين الذين لا يشترون منك. اخرج لتناول المشروبات والعشاء مع موظفيك الأكثر تمتعاً بالفكر الحر، وابدأ بإنشاء لجنة ظل تنفيذية يقل متوسط أعمار أعضاؤها 20 عاماً عن أعمار أعضاء اللجنة التنفيذية “الحقيقية”. وامنح هذه المجموعة التي تضم أفراداً في الثلاثينات من عمرهم، الفرصة لمراجعة الميزانيات الرأسمالية والحملات الإعلانية وخطط الاستحواذ، واستراتيجيات التقسيم، لتقديم آرائهم مباشرة إلى مجلس الإدارة. وهناك استراتيجية أخرى تتمثل في المراجعة الدورية للمقترحات التي لم تصل إلى الإدارة العليا، تلك التي قدمها نواب الأقسام ومدراء الوحدات. وفي كثير من الأحيان تكون الأمور التي لا نلقي لها بالاً هي الأكثر انسجاماً مع التغيرات، ولكن قد تكون المقترحات خارج سرب المعتقدات التقليدية السائدة.

أخيراً، عليك مواجهة حتمية اهتراء الاستراتيجية التي تتبعها. ذات مرة، سمعت أحد تصريحات بيل غيتس، وأشار في حديثه إلى التزام “مايكروسوفت” الدائم بالوقوف على بعد عامين أو ثلاث سنوات من الإخفاق. ربما تكون مبالغة، ولكن الرسالة إلى مؤسسته واضحة، فلن يؤثر التغيير على الأقل على بعض أنشطة “مايكروسوفت” اليوم، لكنه سيفعل ذلك عاجلاً وليس آجلاً. ورغم سهولة الاعتراف بأن لا شيء يدوم إلى الأبد، فمن الصعب الاعتراف بأن استراتيجية محبوبة وغالية تتحول سريعاً من صالحة إلى فاسدة.

تهترئ الاستراتيجيات لأربعة أسباب، الأول بتكرارها بمرور الوقت، فبالتالي تفقد تميزها، وتفقد بدورها قدرتها على تحقيق عوائد أعلى من المتوسط. قد يكون تقديم “فورد” لسيارات إكسبلورر هو الدافع لإنشاء فئة سيارات الدفع الرباعي، ولكننا نشهد اليوم امتلاك جميع شركات تصنيع السيارات تقريباً، ابتداءً من “كاديلاك” إلى “نيسان” وانتهاءً بسيارات بورش، لوحش مستهلك للبنزين ضمن خط منتجاتها. لا عجب أن ربحية “فورد” قد تلقت ضربة موجعة مؤخراً. ومع وجود جيش حقيقي من المستشارين الذين يقدمون أفضل الممارسات، ومجموعة من الصحفيين المتخصصين في مجال الأعمال والذين يعملون على كشف أسرار الشركات عالية الأداء، تتكرر الأفكار الرائعة أسرع من أي وقت مضى. وعندما تتلاقى الاستراتيجيات، تنهار هوامش الربح.

كما أن الاستراتيجيات الجيدة تُستبدل باستراتيجيات أفضل. وسواء أكانت أجهزة الكمبيوتر المصممة حسب الطلب من “ديل”، أو قطع الأثاث القابلة للتجميع التي توفرها “إيكيا”، أو موسيقى قابلة للتنزيل عبر موقع “كازا” (KaZaA)، فغالباً ما يقوض الابتكار القدرة على الكسب في حال نماذج العمل التقليدية، فإبداع شركة ما يعني تدمير شركة أخرى. وفي اقتصاد شديد الاتصال، حيث تسافر الأفكار ورأس المال بسرعة البرق، هناك أسباب كثيرة للاعتقاد بأن الاستراتيجيات الجديدة ستصبح استراتيجيات قديمة أسرع من أي وقت مضى.

تنضب الاستراتيجيات عندما تصبح الأسواق مشبعة، وعند شعور الزبائن بالملل، أو عند وصول برامج التحسين إلى حد تناقص العائدات. انظر على سبيل المثال إلى أعداد الهواتف الجوالة في عام 1995 التي لم تكن تتجاوز 91 مليون هاتف في العالم كله.⁧ أما اليوم فهناك أكثر من مليار جوال. واعتلت شركة “نوكيا” منحنى هذا النمو بمهارة تفوق جميع منافسيها، حتى تجاوزت قيمتها السوقية قيمة أقرب منافسيها بثلاثة أمثال ونصف في بعض الأوقات، لكن عدد الهواتف المحمولة في العالم لن يرتفع بنسبة 1000% مرة أخرى، وبدأ بالفعل منحنى نمو “نوكيا” في التسطح. اليوم، يمكن أن تنطلق أسواق جديدة بسرعة الصاروخ، ولكن كلما زادت سرعة نموها، أسرعت في الوصول إلى النقطة التي يبدأ فيها النمو بالتباطؤ. وفي نهاية المطاف، تنضب طاقة بقاء أي استراتيجية.

وأخيراً، تتآكل الاستراتيجيات. ربما لم يغير الإنترنت كل شيء، ولكنه ساهم بصورة كبيرة في تسريع انتقال السلطة من المنتجين إلى المستهلكين. حيث يستخدم الزبائن قوتهم المكتشفة حديثاً مثل السكين، لنحت قطع كبيرة من هوامش الربح مرة واحدة. لم يكن هذا أكثر وضوحاً مما كان عليه في مجال السفر، حيث يستخدم المسافرون شبكة الإنترنت لاقتناص أدنى الأسعار الممكنة لشركات الطيران والفنادق. هل تدرك كل تلك الكفاءات في مجال الأعمال الإلكترونية التي كانت تجنيها شركتك؟ سينتهي بها الأمر إلى إعادة معظم المكاسب الإنتاجية إلى الزبائن في شكل أسعار أقل أو منتجات وخدمات أفضل بنفس السعر. والآن زبائنك، وليس منافسيك، هم الذين يبتلعونك أنت وهوامش الربح معاً أكثر من أي وقت مضى.

إن التقييم الدقيق والصادق لاهتراء الاستراتيجية هو ترياق قوي لعلاج الإنكار. (انظر العنوان الجانبي “توقع اهتراء الاستراتيجية” للحصول على قائمة بالأسئلة التشخيصية) وهي أيضاً الطريقة الوحيدة لمعرفة ما إذا كان التجديد يسير بالسرعة الكافية للتعويض الكامل عن تدهور الفاعلية الاقتصادية لاستراتيجيات اليوم.

التنبؤ باهتراء الاستراتيجية

تهترئ استراتيجيات الأعمال التجارية بأربع طرق، من خلال تكرارها أو استبدالها أو نضوبها أو تآكلها. وتتسارع وتيرة اهتراء الاستراتيجية في جميع المجالات. وتُشكل الأسئلة التالية، والقياسات التي تنطوي عليها، لوحة من الإشارات التحذيرية التي يمكن أن تنبه المدراء التنفيذيين إلى توقع الانهيار.

تشير حقيقة أن التجديد غالباً ما يؤخر الاهتراء إلى اعتياد قادة الشركات على إغفال أو إنكار مؤشرات اهتراء الاستراتيجية. وقد تساعد المراجعة الدقيقة والصادقة والمتكررة لهذه الأسئلة على تصحيح هذا الوضع.

⁩التكرار

هل تفقد استراتيجيتنا تميزها؟

هل تتحدى استراتيجيتنا الأعراف التي يفرضها القطاع بأي صورة؟

هل نملك في حقيقة الأمر أي مزايا تنافسية لا تضاهى؟

هل أصبح أداؤنا المالي متوسطاً وأقل تميزاً؟

⁩الاستبدال

هل تواجه استراتيجيتنا خطر الاستبدال؟

هل هناك فجوات (اجتماعية أو تقنية أو سياسية) تقوض القوة الاقتصادية لنموذج عملنا الحالي؟

هل هناك نماذج عمل ناشئة قد تتسبب في تلاشي قيمة نماذج عملنا؟

هل نمتلك استراتيجيات بديلة لاستمالة قوى التغيير أو تحييدها؟

⁩النضوب

هل تصل استراتيجيتنا إلى حد النضوب؟

هل تتباطأ وتيرة التحسن في مقاييس الأداء الرئيسية (تكلفة الوحدة أو تكلفة التسويق لكل زبون جديد، على سبيل المثال)؟

هل أصبحت أسواقنا مشبعة، هل أصبح زبائننا أكثر تقلباً؟

هل يتباطأ معدل نمو شركتنا، أو على وشك البدء في ذلك؟

⁩التآكل

هل تتسبب زيادة نفوذ الزبائن في تآكل هوامش الربح؟

إلى أي مدى تعتمد هوامش أرباحنا على جهل الزبون أو جموده؟

ما مدى سرعة اكتساب الزبائن لقدرات تفاوض إضافية، وبأي طريقة؟

هل تنخفض تحسينات الإنتاجية لدينا إلى الحد الأدنى، أم أننا مضطرون إلى إعادتها للزبائن في صورة أسعار أقل أو منتجات وخدمات أفضل بالسعر ذاته؟

⁩تقدير أهمية التنوع

الحياة هي الأكثر قدرة على التحمل على هذا الكوكب، فقد صمدت أمام زخات الشهب، وموجات الزلازل، والتحولات المناخية القاسية، وذلك في غياب أي خطط أو توقعات، وعدم امتلاك أي بصيرة، باستثناء تلك التي تتجلى في البشر. فما هو إذاً الشيء الأساسي الذي تعلمناه من الحياة بشأن القدرة على التحمل؟ لا شيء سوى أهمية التنوع،⁧ التنوع الجيني، داخل الأنواع وفيما بينها، فالتنوع هو بوليصة تأمين الطبيعة لمواجهة الأحداث غير المتوقعة. حيث يضمن التنوع البيولوجي الكبير وجود ولو بعض الكائنات الحية القادرة على التكيف مع الظروف الجديدة أياً كان ما يخفيه المستقبل.

ولا يقتصر فهم قيمة التنوع على علماء الأحياء التطوريون، لأن أي واضع لنظريات الأنظمة سيخبرك أنه كلما زاد تنوع الإجراءات المتاحة للنظام، زادت قدرته على استيعاب الاضطرابات، وهذا يعني ببساطة، أنه إذا كانت مجموعة البدائل الاستراتيجية التي تستكشفها شركتك أضيق بكثير من نطاق التغيير في البيئة، فإن عملك سيكون ضحية للاضطرابات. فالقدرة على التحمل تعتمد على التنوع.

اعتادت الشركات الكبرى على الرهانات الكبيرة، وحديقة ديزني الترفيهية خارج باريس، ومشروع “موتورولا” لهواتف الايرديوم المحمولة التي تعمل بواسطة الأقمار الاصطناعية، واستحواذ شركة “إتش بي” على شركة “كومباك”، ورهان “جنرال موتورز” على السيارات التي تعمل بالهيدروجين ليست سوى أمثلة قليلة على ذلك. وفي بعض الأحيان تؤتي هذه الرهانات ثمارها، ولكنها تفشل أحياناً أخرى. وعندما تفشل الاستراتيجيات الجريئة، غالباً تستجيب الشركات للأمر بفرضها لتدابير شديدة القسوة لخفض التكاليف، ولكن لا تتحقق القدرة على التحمل بالإسراف أو الحرمان. وستكون معظم الشركات في وضع أفضل إذا أجرت رهانات بعدد أقل من المليارات بحيث لا يزيد إجمالي المراهنات عن 10,000 أو 20,000 دولار، وسيكشف بعضها بمرور الوقت وجود التزامات أكبر. ويجب عليها الابتعاد عن الاستراتيجيات الإمبريالية الكبرى وأن تكرّس نفسها بدلاً من ذلك لإطلاق سرب من التجارب منخفضة المخاطر، أو المبادرات الواعدة كما تسميها زميلتنا إيمي مولر.

⁧⁩وبإجراء عملية حسابية بسيطة يتضح لنا أن الأمر يتطلب آلاف الأفكار لإنتاج العشرات من المبادرات الواعدة لتحقيق بعض النجاحات الضخمة. ومع ذلك، فقد التزم عدد قليل فقط من الشركات بإجراء تجارب استراتيجية موسعة ولكن على نطاق ضيق. وكانت شركة “ويرلبول” (Whirlpool) من بينها، وهي شركة رائدة في قطاع تصنيع الأجهزة المنزلية على مستوى العالم تنافس داخل قطاع دوري وتام النمو. ويتطلب النمو احتضان البدايات ودورات استبدال المنتجات، حيث يميل الزبائن إلى إصلاح الأجهزة القديمة بدلاً من استبدالها، لا سيما في الأوقات العصيبة. وتعتصر متاجر التجزئة العملاقة مثل “بيست باي” هوامش الربح بلا هوادة، ولا يُظهر الزبائن ولاءً كبيراً للعلامة التجارية. والنتيجة هي المنافسة الصفرية، وانخفاض الأسعار الحقيقية باستمرار، والنمو المنخفض. ولذلك ثار ديف وايتمان، رئيس “ويرلبول”، في عام 1999 نتيجة لعدم رضاه عن هذه الحالة المؤسفة، واتجه لجعل الابتكار اختصاص أساسي في الشركة. حيث أدرك وجود طريقة وحيدة لمواجهة القوى التي هددت نمو وربحية شركة “ويرلبول” وهي إنشاء تشكيلة واسعة من الخيارات الاستراتيجية الجديدة تماماً.

وعلى مدار السنوات الثلاث اللاحقة، أشركت الشركة ما يقرب من 10,000 من موظفيها البالغ عددهم 65,000 موظف في البحث عن إنجازات. ومن خلال الدورات التدريبية وورش العمل، أنتج هؤلاء الموظفون حوالي 7,000 فكرة، نتج عنها إجراء 300 تجربة على نطاق ضيق. ونتج عن هذه الوفرة في الأفكار سيل من المنتجات والشركات الجديدة، بدءاً من “غلاديتور غراج ووركس” (Gladiator Garage Works)، وهي عبارة عن مجموعة من وحدات التخزين النموذجية المصممة لتقليل فوضى المرآب، و”بريفا” (Briva)، وهي أحواض مزودة بغسالة أطباق صغيرة عالية السرعة، وحتى “غاتور باك” (Gator Pak)، وهو مركز طعام وترفيه متكامل مصمم لتوفير تجهيزات حفلات الشاحنات.

بعد إضفاء الطابع المؤسسي على إجراء التجارب، تدير “ويرلبول” الآن مجموعة واسعة من الأفكار والتجارب والمشاريع الكبرى داخل جميع أنحاء الشركة. ويولي كبار المسؤولين التنفيذيين اهتماماً وثيقاً بمجموعة من الإجراءات – لوحة متابعة الابتكار – التي تتولى متابعة عدد الأفكار ومسارها عبر خطوط الإنتاج، ورصد النسب المئوية للأفكار الجديدة كلياً، والآثار المالية المحتملة لكل منها. ويتعلم فريق القيادة في “ويرلبول” مدى أهمية التنوع الذي يجب أن يولده في واجهة خط الإنتاج، من حيث الأفكار الوليدة وتجارب المرحلة الأولى، لإنتاج معدلات الأرباح التي تسعى الشركة لتحقيقها في نهاية المطاف.

يجب أن تتطور التجارب بحيث تتجاوز المنتجات. فبالرغم من امتلاك جميع الشركات تقريباً لخطوط لإنتاج منتجات جديدة، فقلة منها فقط تتبع إجراءات لإنشاء تجارب استراتيجية جديدة تتولى إطلاقها وتتبعها باستمرار في مجالات التسعير والتوزيع والإعلان وخدمة الزبائن. وبدلاً من ذلك، أنشأت العديد من الشركات صوامع الابتكار، وهي حاضنات وصناديق استثمارية ومهمات تطوير الأعمال والمختبرات التجريبية، والتي تهدف لتوليد أفكار مبتكرة. وبعيداً عن الموارد والاختصاصات والزبائن في النشاط التجاري الرئيسي، فإن معظم هذه الوحدات تساهم بالقليل في ثروة المساهمين، والكثير منها يختفي ببساطة.

ويُعد عزل التجارب الاستراتيجية وعدم الوثوق بها أحد بقايا العصر الصناعي، حين كان يُنظر إلى التنوع على أنه عدو يجب التصدي له. وكان يُنظر إلى التباين، سواء في معايير الجودة أو جداول الإنتاج أو الميزانية، على أنه أمر سيئ، وهو ما كان عليه الحال في كثير من الأحيان، ولكن العديد من الشركات شهدت تحول النفور من التقلبات غير المخططة إلى كراهية عامة تجاه المخالفين والمنحرفين عن مسار القطيع. وهذا الافتتان بالمطابقة يعيق بشدة السعي إلى تحقيق القدرة على التحمل.

وتفيد خبرتنا أن شركة أو وحدة أعمال كبيرة نسبياً، تتراوح إيراداتها بين 5 إلى 10 مليارات دولار، على سبيل المثال، ينبغي عليها توليد ما لا يقل عن 100 تجربة رائدة كل عام، وتستهلك كل منها ما بين 10,000 – 20,000 دولار من صناديق الاستثمار المخصصة للمراحل الأولية. ولكن يجب الحرص ألا يأتي هذا التنوع على حساب التركيز. وابتداءً من منتصف التسعينات، اتبعت نوكيا استراتيجية محددة بثلاثة أهداف واضحة، وهي “إضفاء الطابع الإنساني” على التكنولوجيا (عبر الواجهة البينية للمستخدم وتصميم المنتج والنواحي الجمالية)، لتمكين “الوجود الافتراضي” (حيث يصبح الهاتف جهازاً متعدد الأغراض كالرسائل والوصول إلى البيانات)، وتقديم “حلول سلسة” (من خلال تجميع البنية التحتية والبرمجيات والهواتف في حزمة كاملة لمشغلي الاتصالات). وأنتجت هذه “الموضوعات الاستراتيجية” عشرات المشاريع الرائدة. إنه الشعور المشترك واسع النطاق بالوجهة التي يجب السير نحوها، بدلاً من التعريف الضيق الذي يفرضه السوق أو الولاء لنموذج عمل معين، والذي يقيدنا بالالتزام بتنوع غير ضروري.

لا تبدأ معظم الفرص البالغ قيمتها مليار دولار بصفتها أشياء مؤكدة، بطبيعة الحال، فهي تبدأ بصورة كبيرة كمقترحات قابلة للنقاش. فمن كان يتوقع مثلاً، أنه في ديسمبر/ كانون الأول لعام 1995، حين بلغ عمر موقع “إيباي” ثلاثة أشهر فقط، أن يكون للمزاد عبر الإنترنت قيمة سوقية تبلغ 27 مليار دولار في ربيع عام 2003، وبعد عامين من انهيار الطلب على شبكات الإنترنت؟ كانت “إيباي” استثناءً بكل تأكيد، فالنجاح استثناء دائماً. وللعثور على هذه الاستثناءات، يجب عليك جمع وفرز مئات الخيارات الاستراتيجية الجديدة، ثم اختبار الخيارات الواعدة من خلال تجارب منخفضة التكلفة ومصممة جيداً، من خلال بناء نماذج أولية وتشغيل المحاكاة الحاسوبية وإجراء مقابلات مع الزبائن التقدميين وغيرها من الأمور المماثلة. ببساطة، لا توجد طريقة أخرى للتحدث عن المستقبل، ستفشل معظم التجارب، والمشكلة ليست في عدد المرات التي تفشل فيها، ولكن قيمة نجاحاتك بالمقارنة مع إخفاقاتك. ما يهم هو وضع أداء الحافظات المالية، وليس نجاح تجربة معينة.

⁩تحرير الموارد

تُمثل مواجهة الإنكار وتعزيز الأفكار الجديدة خطوة كبيرة، ولكن تلك الخطوة لن تعود عليك بأي نفع إذا لم تتمكن من تحرير الموارد وتوجيهها لدعم مجموعة واسعة من تجارب الاستراتيجية في نطاق الأعمال الأساسية. ويعلم جميع المدراء أن إعادة تخصيص الموارد ما هي إلا عملية سياسية في المقام الأول، بيد أن السعي لامتلاك القدرة على التحمل يتطلب ألا يكون الأمر على هذا المنوال.

وتتعثر المؤسسات حين تقضي الكثير من الوقت في تأمل “ماهية الأمور” بدلاً من التركيز على “الخيارات المحتملة”. وتضيّع الشركات أوقاتاً طويلة في تأمل الأوضاع الراهنة، وتكرس الكثير من الجهود التسويقية لشرائح الزبائن الحاليين بينما تتجاهلون ضم قطاعات جديدة، وتضخ الكثير من أموال التطوير في تحسينات المنتج الإضافية بينما تعاني المشاريع الرائدة من نقص التمويل المخصص لها، فهي تسرف في توجيه الموارد لقنوات التوزيع الحالية بينما تعاني استراتيجيات السوق الجديدة قصوراً هائلاً، ولكن بغض النظر عن تجليات هذا الأمر، يظل السبب الأساسي هو نفسه دائماً، فالاستراتيجيات المتقادمة لها قاعدة جماهيرية قوية، وهذا ما لا تملكه الاستراتيجيات الوليدة.

ترتبط سلطة المدير مباشرة بالموارد التي يتحكم بها في معظم المؤسسات، وفقدان الموارد يعني فقدان المكانة والتأثير. علاوة على ذلك، غالباً ما ينحصر النجاح الشخصي في نجاح أداء الوحدة أو البرنامج الخاص به. ولهذا ليس من المستغرب أن يقاوم مدراء الوحدات ومدراء البرامج أي محاولة لإعادة تخصيص “رأسمالهم” ومواهبهم وتوجيهها للمبادرات الجديدة، مهما بدت المبادرات الجديدة مغرية. ليس من اللائق بالطبع أن تبدو ضيق الأفق، لذلك غالباً ما يخفي المدراء دوافعهم وراء حكمة ظاهرية في أي نقاش يخص الأعمال. وتُعد المشاريع الجديدة “غير مجربة” و”محفوفة بالمخاطر” أو تمثل “انحرافاً عن المسار”. إذا نجحت هذه الحيل، وكثيرا ما تنجح، فإن أولئك الذين يبحثون عن موارد لخيارات استراتيجية جديدة يضطرون إلى مواجهة عبء أكبر في تقديم دلائل لإثبات نجاحها مقارنة بأولئك الذين يريدون تخصيص أموال استثمارية إضافية للبرامج القائمة. والمفارقة العجيبة أن مدراء الوحدات نادراً ما يضطرون للدفاع عن المخاطر التي تواجههم عندما يضخون أموالاً طائلة في استراتيجية تتدهور ببطء أو حين يوجهونها لتمويل أنشطة تنتج عائدات متناقصة بالفعل.

تتعثر المؤسسات حين تقضي الكثير من الوقت في تأمل “ماهية الأمور” بدلاً من التركيز على “الخيارات المحتملة”.

والحقيقة أن الأمور الجديدة لا تضمن تجنب المخاطر، فالمخاطر تنطوي على عدم اليقين والذي يتضاعف بمضاعفة حجم المخاطر المالية للمرء، فالحداثة هي مدى تحدي الأفكار الجديدة للأفكار السابقة والسائدة، ولا شك أن بطاقة الخصم التي ابتكرتها “ستاربكس”، لتسمح للزبائن الدائمين بشراء جرعتهم اليومية من الكافيين دون تحسس جيوبهم بحثاً عن النقود، كان أحد الابتكارات التي خدمت قطاع المطاعم السريعة. بيد أن المخاطر التي تكتنفه لم تكن واضحة تمام الوضوح حينذاك. حيث تقدم البطاقة للزبائن فائدة قوية، وتعتمد على تقنية أثبتت جدواها. ولا شك أنها حققت نجاحاً بمجرد طرحها. ففي غضون 60 يوماً من إطلاقها، حصل الزبائن المولعون بالراحة على 2.3 مليون بطاقة وزودوا “ستاربكس” بفائض نقدي قدره 32 مليون دولار.

يعزز الإخفاق المستمر في التمييز بين الأفكار الجديدة والأفكار الخطرة ميل الشركات إلى الاستثمار المفرط في الماضي. وهذا هو الحال، مع التردد العام لمدراء الشركات في تحويل الموارد من وحدة أعمال إلى أخرى. فقد أثبتت دراسة تفصيلية أجراها أساتذة الأعمال هيون هان شين ورينيه ستولز، والتي تناولت دراسة شركات متنوعة، أن تخصيص صناديق الاستثمار عبر وحدات الأعمال لم يكن مرتبطاً في أغلب الأحيان بمدى جاذبية فرص الاستثمار داخل تلك الوحدات. وبدلاً من ذلك، كانت الميزانية الاستثمارية لوحدة الأعمال متوقفة إلى حد كبير على التدفق النقدي الخاص بها، وعلى التدفق النقدي للشركة ككل في المقام الثاني. ويبدو أن مسؤولي المناصب التنفيذية العليا يجدون صعوبة في تكوين نظرة جيدة للفرص على مستوى الوحدة، أو على مستوى الوحدات الفرعية، نظراً لعدم انخراطهم في مسار العمليات اليومية، وبالتالي يساورهم القلق بشأن إعادة تخصيص الموارد من وحدة إلى أخرى.

إننا الآن، لا نقترح سلب أموال الأعمال النامية وذات الأرباح الكبيرة من أجل تمويل بعض خطط التنويع مجهولة النفع، ولكن إذا كان نهج الشركة تفضيل البرامج الحالية على المبادرات الجديدة، وإذا كانت قوى الحفاظ على الوضع الراهن تتغلب بانتظام على قوى التجريب، فسرعان ما ستجد الشركة نفسها في مواجهة الإفراط في الاستثمار في الاستراتيجيات المحتضرة والبرامج القديمة، فالجمود هو عدو القدرة على التحمل.

ومثلما يمكن لعلم الأحياء أن يعلمنا شيئاً عن التنوع، يمكن للأسواق أن تعلمنا شيئاً حول ما يلزم لتحرير الموارد من سجن السوابق. ولا تترك الأدلة من القرن الماضي مجالاً للشك: حيث تتفوق الاقتصادات السوقية على تلك التي تخضع لتخطيط مركزي. وهذا لا يعني أن الأسواق معصومة من الخطأ، فهي عرضة للهوس واليأس شأنها شأن البشر، إلا أن متوسط أداء الأسواق أفضل من أداء التسلسل الهرمي في الحصول على الموارد المناسبة لانتهاز الفرص المناسبة في الوقت المناسب. ولكن الأسواق لا تحكمها السياسية أو العواطف، ولا تهتم برهانات المكسب والخسارة، على عكس التسلسل الهرمي. ومع ذلك، فإن أداء الشركات العادية يشبه أداء الدول الاشتراكية أكثر منها سوق غير مقيدة. قد يكون التسلسل الهرمي آلية فاعلة لاستخدام الموارد، ولكنه ليس الأداة المثالية لتخصيص الموارد، لا سيما في حال سوق رأس المال والكفاءات الموجود داخل الشركات والذي يكون أقل فاعلية بكثير من سوق الكفاءات ورأس المال الموجود بين الشركات.

في الواقع، يمكن أن تتمتع الشركة بالكفاءة التشغيلية بينما لا تتمتع بالكفاءة الاستراتيجية. ويمكنها زيادة كفاءة برامجها وعملياتها القائمة إلى أقصى حد، ومع ذلك تفشل في العثور على الأفكار والمبادرات غير التقليدية التي قد تحقق عائداً أعلى عند تمويلها. ورغم امتلاك الشركات لعدة طرق لتقييم الكفاءة التشغيلية، فإن معظم الشركات لا تفقه شيئاً عن الكفاءة الاستراتيجية. فكيف يمكن لقادة الشركات أن يكونوا على يقين بأن المجموعة الحالية من المبادرات تمثل أعلى قيمة لاستخدام الكفاءات ورأس المال، إلا إذا لجأت الشركة بإنتاج ودراسة عدد كبير من البدائل؟ وكيف يثق المسؤولون التنفيذيون بأن الموارد المناسبة تصطف خلف الفرص المناسبة إذا لم يتحرر رأس المال والكفاءات للانتقال إلى المشاريع أو الأعمال ذات العائد المرتفع؟ الجواب ببساطة هو أنهم لا يستطيعون ذلك.

فحين يكون هناك ندرة في الخيارات الاستراتيجية الجديدة، أو حين يؤدي الجمود إلى انحصار تخصيص الكفاءات والأموال النقدية في البرامج والشركات القائمة، يُسمح للمدراء بـ “شراء” الموارد بأسعار مخفضة، مما يعني أنهم ليسوا مضطرين للتنافس على الموارد مقابل مجموعة واسعة من البدائل. ولا يمكن تصحيح هذا الخلل بمطالبة كل مشروع وشركة بالحصول على تكلفة رأس المال الخاص بها. فمن الممكن أن تحصل الشركة على تكلفة رأس المال ولكنها تستمر في الإخفاق بعجزها عن توجيه رأسمالها وكفاءاتها للاستخدامات الأكثر قيمة.

ولكي تكتسب الشركات القدرة على التحمل، يجب عليها أن تقلل من ميلها إلى الإفراط في تمويل الاستراتيجيات المتقادمة، ففي إحدى الشركات الكبيرة، اتخذت الإدارة العليا خطوة مهمة في هذا الاتجاه من خلال تخصيص 10% من ميزانيتها الرأسمالية البالغة مليار دولار سنوياً للمشاريع التي يتبين أنها مبتكرة حقاً. وحتى يستحق المشروع الحصول على هذا التمويل، يجب أن يكون لديه القدرة على تغيير توقعات الزبائن أو اقتصاديات القطاع بصورة كبيرة. علاوة على ذلك، فقد أعلن الرئيس التنفيذي عن نيته زيادة هذه النسبة مع مرور الوقت، وعلل ذلك بقوله إنه إذا لم يتولى المسؤولون التنفيذيون في الأقسام تمويل المشاريع الرائدة، فستعجز الشركة عن تحقيق أي نتائج مذهلة، وجرى تخفيف خطر هذا النهج من خلال اشتراط أن يقوم كل قسم بتطوير مجموعة واسعة من التجارب، بدلاً من المراهنة على فكرة واحدة كبيرة.

ويظل تحرير النقود وتوجيهها لأوجه الإنفاق الصحيحة أمران مختلفان تماماً. ولنتأمل للحظة، الخيارات التي تواجه الموظف المحروم سياسياً الذي يأمل في الحصول على تمويل لتجربة استراتيجية على نطاق ضيق. ويتمثل أحد الخيارات في دفع الفكرة لأعلى حتى تصل للقيادة العليا إلى النقطة التي يمكن اعتبارها جزءاً من عملية التخطيط الرسمي. وهذا يتطلب أربعة أمور: رئيس لا يرفض الفكرة بشكل قطعي باعتبارها غريبة أو خارج النطاق، وأن تكون الفكرة “شديدة” الإغراء بما يضمن لها إثارة اهتمام الإدارة العليا، وتوافر المسؤولين التنفيذيين العازمين على تحويل الأموال من البرامج القائمة لصالح فكرة غير تقليدية، والمبتكر الذي يتمتع بحنكة في مجال الأعمال، وشخصية جذابة، وأخيراً توافر المكر السياسي لتحويل كل هذه الأمور إلى واقع. ويصلح هذا للاحتمالات الضئيلة.

إن ما يحتاجه المبتكر المحتمل هو توافر خيار ثان، بالوصول إلى العديد والعديد من المستثمرين المحتملين، مثل مجموعة كبيرة من المستثمرين الذين قد تمثل لهم الشركة فرصة مغرية، في حال سعيها للحصول على تمويل. كيف يمكن تحقيق ذلك؟ في المؤسسات الكبيرة هناك المئات، وربما الآلاف، من الأفراد الذين يتولون إدارة الميزانية، بدءاً من مدراء المرافق ومدراء المبيعات ومدراء خدمة الزبائن ووصولاً إلى مدراء المكاتب وغيرهم. تخيل لو كان كل فرد من هؤلاء يمثل مصدراً محتملاً لتمويل المبتكرين الداخليين. تخيل أن كلاً منهم يمكن أن يؤدي دور المستثمر الملاك من خلال توفير التمويل الأولي للأفكار التي تهدف إلى تحويل الأعمال الأساسية مهما كان هذا الدور كبيراً أو صغيراً. ماذا لو سُمح لكل مسؤول عن إدارة ميزانية باستثمار 1% أو 3% أو 5% من تلك الميزانية لتمويل تجارب استراتيجية؟ ويمكن للمستثمرين داخل إدارة أو منطقة معينة تشكيل نقابات لتحمل قدر أكبر من المخاطر أو لتنويع محافظهم الاستثمارية. وبقدر ما تحقق إحدى الحافظات عائداً إيجابياً، سواء كان في هيئة إيرادات جديدة أو وفورات كبيرة في التكاليف، فإن مكافأة صغيرة ستعود إلى أولئك الذين قدموا الأموال وكانوا رعاة وموجهين. وربما يُمنح المستثمرون الذين يمتلكون أفضل سجل إنجازات، الفرصة لاستثمار المزيد من ميزانياتهم في المشاريع الرائدة. وبهذا، يتدفق رأس المال إلى أكثر الاحتمالات إثارة للاهتمام، دون قيود من القوانين الحمائية التي يظهرها بعض المسؤولين التنفيذيين.

عندما يتعلق الأمر بالتجديد، فإن المهارات البشرية أكثر أهمية من النقود، لذا إذا كان سوق رأس المال مهماً، فمن الضروري وجود سوق للكفاءات. ويجب أن يكون الأفراد في جميع أقسام الشركة، أياً كانت مواقعهم، على دراية بجميع المشاريع الجديدة التي تبحث عن الكفاءات. وينبغي ألا تقلل المسافة الفاصلة بين حدود وحدات الأعمال التجارية أو الحدود الوطنية، من أهمية هذه الرؤية. ويجب أن تتاح أمام الموظفين طريقة بسيطة لترشيح أنفسهم للانضمام لفرق المشروع. وإذا كان فريق المشروع حريصاً على توظيف شخص معين، فلا ينبغي أن تقف أي حواجز في طريق نقله. في الواقع، ينبغي أن يتمتع فريق المشروع بقدر كبير من الحرية في التفاوض على شروط نقل أي موظف. ويجب أن يظل الأمر متروكاً للفريق لتحديد المبلغ الذي يجب دفعه مقابل تلك الكفاءات، طالما أن مخاطر المشروع لا تزال ضمن الحدود المناسبة.

ولا يجدر بالمسؤولين التنفيذيين المبالغة في القلق بشأن حماية الموظفين من مخاطر إخفاق أجد المشاريع. فبمرور الوقت، سيكون لدى الموظفين الأكثر رواجاً فرصة العمل في مشاريع متعددة، وسيعلنون عن مخاطرهم الشخصية. ومع ذلك، من المهم ضمان أن تحقق المشاريع الناجحة عائدات جيدة، للمعنيين بها، على المستويين المالي والمهني على حد سواء، وأن يكون التفاني في خدمة قضية التجريب موضع إشادة دائماً، ولكن بغض النظر عن المكافآت المالية، سيكتشف الموظفون الطموحون سريعاً، أن المشاريع التحوّلية عادة ما توفر فرصاً تحوّلية للنمو الشخصي.

⁩قبول المتناقضات

تمثل الإيديولوجية العائق الأخير الذي يقف أمام التحلي بالقدرة على التحمل. فالشركات الحديثة تمثل ضريحاً للأفكار المثالية القديمة البالغ عمرها 100 عام، فلم يطرأ أي تغيير على الهدف، بدءاً من “الإدارة العلمية” و”أبحاث العمليات” و”إعادة الهيكلة” و”تخطيط موارد المؤسسة” وانتهاءً “بمعايير سيغما الستة”، ولطالما تمثل ذلك في تقديم الأفضل بصورة أسرع وبسعر أرخص. وتنص أيدلوجية الوصول للأمثل على عدم ارتكاب أي أخطاء، وأدت بلورة هذه الأيدلوجية في القيم والمعايير والعمليات إلى تحقيق ثروة مادية هائلة. فالقدرة على إنتاج ملايين الأدوات، وإتمام ملايين المعاملات، أو تقديم الخدمة لملايين الزبائن هي واحدة من أكثر الإنجازات البشرية إثارة للإعجاب. ولكن ذلك لم يعد كافياً.

يتلخص مبدأ الوصول للشكل الأمثل في شعار “ماكدونالدز” الشهير “مليارات الوجبات”. وتظهر المشكلة عندما يظهر من بين تلك المليارات من يرغب شيئاً آخر، مختلفاً، وجديداً. ومن منظور مثالي، يكون الوصول للخيار الأمثل كافياً فقط طالما لم يكن هناك تغيير جوهري فيما يجب تحسينه. ولكن إذا كنت تعمل لشركة تسجيلات وتحتاج إلى العثور على نموذج أعمال مربح على الإنترنت، أو لشركة طيران تكافح من أجل التفوق على خطوط “ساوث ويست أيرلاينز” الجوية، أو لمستشفى تحاول تقديم رعاية عالية الجودة على الرغم من التخفيضات الهائلة في ميزانيتها، أو لسلسلة متاجر تلقت لكمات موجعة من خصومات الأسعار التي توفرها تجار التجزئة، أو لمنطقة مدرسية فقيرة عازمة على الحد من معدل التسرب من المدارس، أو لأي مؤسسة أخرى حيث لم يعد الاستمرار على نفس المنوال كافياً، ومن ثم يصبح الأمثل غير كافٍ تماماً.

من الممكن أن تحصل الشركة على تكلفة رأس المال ولكنها تستمر في الإخفاق بعجزها عن توجيه رأسمالها وكفاءاتها للاستخدامات الأكثر قيمة.

ويتطلب تسارع وتيرة التغيير تسارع وتيرة التطور الاستراتيجي، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا إذا اهتمت الشركة بالوصول للقدرة على التحمل بقدر اهتمامها بالوصول للأمثل، ولكن الوضع الحالي لا يعكس هذا المنظور. لا شك أن الشركات كانت تعمل على تحسين قدرتها التشغيلية على التحمل، قدرتها على الاستجابة لتقلبات دورة الأعمال التجارية أو لإعادة التوازن سريعاً لمزيج منتجاتها، ولكن لم يلتزم سوى القليل منها بالتصدي بشكل منهجي لتحدي القدرة الاستراتيجية على التحمل. بل كان الأمر على عكس ذلك تماماً، وفي السنوات الأخيرة، كانت معظم الشركات في وضع التقشف، حيث عملت على تغيير حجم قواعد تكلفتها لاستيعاب الاقتصاد الانكماشي والضغط التنافسي غير المسبوق، ولكن التقشف لا يمكنه إحياء نموذج الأعمال المحتضر، والتنفيذ العظيم لا يمكنه عكس آثار عملية الاهتراء الاستراتيجي.

فالأمر لا يتعلق بخطأ مساعي الوصول للشكل الأمثل، وإنما في أنها نادراً ما تدافع عن نفسها ضد منافس قوي مكافئ لها. ويجري يومياً تعزيز جهود العناية والتركيز والدقة، بمائة طريقة، من خلال برامج التدريب، ووضع معايير قياسية مرجعية، وإجراءات التحسين، وأنظمة القياس. ولكن أين نرى تعزيز التنوع الاستراتيجي، والتجريب على نطاق واسع، وإعادة التوزيع السريع للموارد؟ كيف تجسدت هذه المثل في تدريب الموظفين ومقاييس الأداء وعمليات الإدارة؟ لم يحدث ذلك في الغالب، لذا نادراً ما تتوقف المسيرة البطيئة لقوى الوصول للشكل الأمثل بسبب عدم جدواها.

حين تركض من أجل اللحاق بسيارة أجرة، يتسارع معدل ضربات القلب لا إرادياً، وحين تقف لتتحدث أمام جمهور، تبدأ الغدد الكظرية في ضخ هرموناتها تلقائياً. وحين يقع نظرك على شيء فاتن، تتمدد حدقتي عينيك عفوياً. لا إرادياً، تلقائياً، عفوياً. تصف هذه الكلمات الثلاث الطريقة التي تستجيب بها أنظمة جسمك اللاإرادية للتغيرات في الظروف المحيطة بك، ولا تصف الطريقة التي تستجيب بها المؤسسات الكبيرة للتغيرات التي تطرأ على الظروف المحيطة بها، ولن تصبح القدرة على التحمل أشبه بعملية لا تتمتع بالتحكم الذاتي إلا حين تكرس الشركات جهودها لوضع الأساس للتجديد الدائم بقدر الجهد ذاته الذي توجهه لبناء أسس الكفاءة التشغيلية.

وفي ظل الكفاح من أجل قبول المتناقضات المتأصلة بين السعي الحثيث لتحقيق الكفاءة والاستكشاف المضطرب للخيارات الاستراتيجية الجديدة، يستطيع المدراء تعلم شيء من الديمقراطيات الدستورية، وخاصة الولايات المتحدة. على مدى أكثر من قرنين من الزمان، أثبتت أميركا أنها أكثر قدرة على التحمل مقارنة بالشركات التي أنجبتها. وتنطوي التجربة الأميركية على إحدى المتناقضات، وهي الوحدة والتنوع، أمة واحدة تضم جميع الأمم. مما لا شك فيه أنه ليس من السهل توجيه مسار بين النزعة الطائفية الانقسامية والتوافق الاستبدادي، ولكن حقيقة أن أميركا تمكنت من القيام بذلك، على الرغم من بعض الهفوات المؤسفة، لابد وأن تعطي الشجاعة للمدراء الذين يحاولون مضاعفة مطالب زيادة الإنفاق على الكفاءات، والابتكار في كسر القواعد. فربما، يتمكن هؤلاء المحاسبين والمهندسين من حب المارقين والحالمين، رغم أنهم لم يكونوا أبداً من أنصار المتناقضات، وهو محض احتمال.

الميزة الحاسمة

ربما لا يزال البعض يعتقد أن المؤسسات الكبيرة لا يمكنها أبداً امتلاك قدرة حقيقية على التحمل، وأن هدف الوصول إلى “تفادي الصدمات” ليس أكثر من وهم، لكننا نؤمن بأن هؤلاء مخطئون. صحيح أن حجم شركة غالباً ما يحول دون حاجتها إلى مواجهة الحقائق القاسية، ولكن لماذا لا يوفر حجم الشركة أيضاً محضناً للأفكار الجديدة؟ وغالباً ما يمنح حجم الشركة إحساساً زائفاً بحقيقة المخاطر مما يؤدي إلى المخاطرة المتهورة، ولكن لماذا لا يمنح حجم الشركة أيضاً إحساساً بإمكانية تحقق الأمر ما يشجع على إجراء تجارب واسعة النطاق؟ وغالباً ما يشير الحجم إلى الجمود، ولكن لماذا لا يعني أيضاً المثابرة؟ المشكلة ليست في الحجم، ولكن في النجاح. حيث يزداد حجم الشركات لأنها تؤدي أداءً جيداً، فالحجم لا يشكل عائقاً أمام القدرة على التحمل إلا إذا وقع أولئك الذين يعملون في مؤسسات كبيرة فريسة للوهم بأن النجاح يستمر من تلقاء نفسه.

يتحدث قادة ساحة المعركة عن “الدخول في دائرة قرار العدو”. إذا تمكنت من امتلاك ذكاء ساحة المعركة وتفسيره والتصرف بناء عليه أسرع من خصمك، كما يزعمون، فستكون دائماً في حالة هجوم، وستتولى زمام الأمور بدلاً من الاكتفاء برد فعل. وعلى نحو مماثل، يمكن للمرء أن يفكر في الدخول إلى “دورة التجديد” لأحد منافسيه، فأي شركة تنجح في استيعاب بيئتها، وتوليد خيارات استراتيجية، وتعديل مواردها أسرع من منافسيها ستتمتع بميزة حاسمة. وهذا هو جوهر القدرة على التحمل، وستثبت أنها الميزة التنافسية الحاسمة في عصر الاضطراب، عندما تواجه الشركات تحديات بالغة وبسرعة أكبر من أي وقت مضى.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .