توحي كلمة الأزمة بشيء يحدث على نحو غير متكرر، بيد أنّ الأزمات في هذه الأيام أصبحت أمراً معتاداً. فالعلامات التجارية التي تظن أنها محصنة إلى حد ما عن الفضائح وجدت نفسها متورطة في حبائل الشكوك والخلافات. وتلك التي اعتادت على مجابهة تحديات العلاقات العامة بشكل منتظم ما تزال تتعرض للمشاكل على حين غرة من قبيل تمرد الزبائن. هذا وتختفي بعض الأزمات سريعاً، في حين أنّ بعضها يبدو وكأنه لن ينتهي أبداً. عندما يتعلق الأمر بوقوع الكارثة، تتغير الأحوال، ويبدو سؤال "ماذا لو حدث كذا...؟"، غير ذي صلة، ويجب أن يصبح السؤال: "متى يحدث كذا..."، وهذا يعني أنّ على جميع القادة أن يكونوا على أهبة الاستعداد. فالأزمات بطبيعتها تضع الأمور في دوامة، وتحيل العواطف إلى ضرب من الجنون. ولهذا فمن اللازم أن يتحلى القادة برباطة جأشهم وأن يأخذوا قرارات ذكية. وحتى نتغلغل إلى قلب المعمعة، تحدثنا مع مدراء تنفيذيين كان يجب عليهم الغوص في بحر الأزمات بكل أنواعها. وفيما يلي جملة من الدروس التي وقفنا عليها: لا يمكنك اختيار الأزمة التي تحل بك. أول شيء يجب عليك أن تتعلمه، هو أنه ينبغي عليك ألا تتوقع ما لا يمكن توقعه. فبحسب جامي مولدافسكي، مدير التسويق التنفيذي في شركة ويلز فارغو (Wells Fargo)، فإنّ "القاعدة الأولى هي أنه ليس متاحاً أمامك اختيار الأزمة التي تحل بك، ويجب عليك أن تكون على أهبة الاستعداد لكل ما قد يحدث". ويتفق معه في القول بريان إرفينغ، مدير التسويق التنفيذي في هامبتون كريك (Hampton Creek)، حيث يقول: "إنّ الأزمة التي تعتقد أنها ستحل بك ليست هي التي ستقع". إننا نشك في أن تكون شركة سكيتلس (Skittles) قد فكرت في أنّ خطر الأزمة التي ستحل بها كان على الأرجح سيأتيها من مشكلة سلامة الغذاء وليس من تغريدات الحملة. وبالمثل وجدت شركات أخرى مثل نوردستروم (Nordstrom) وأوريو (Oreo) أنفسها في مواقف مشابهة، حيث وجدت الشركتان أنهما منجذبتان على نحو غير متوقع إلى معترك السياسة. وبصرف النظر عن السبب، فإنّ الشيء المهم هو أن تتوخى الدقة والصواب في اختيارك للأشخاص والبيانات والأدوات والإجراءات والعقلية بما يمكنّك من التعامل مع ما عسى أن تسوقه الظروف في طريقك. لا تترك الأمر للمستشارين القانونيين وحدهم. ما إن تضرب الأزمة هذه المؤسسة أو تلك، فإنّ الساعات الأولى تكون حاسمة. وتكون الاستجابة المعتادة هي أن يجتمع الرئيس التنفيذي للمؤسسة بمستشاره القانوني وفريق الاتصالات دون تفكير. ويكون التركيز على تقييم المخاطر القانونية والعمل نحو تخيل ردة فعل المستثمرين ووسائل الإعلام. إلا أنّ هناك مكونات أساسية أخرى يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، فالعملاء والموظفون والشركاء يراقبون الموقف ليعرفوا طريقة تفاعل الشركة مع الأزمة. هل تتسم بالشفافية؟ هل تتحدث بشكل مسؤول؟ هل تحقق ما هو متوقع منك بشأن رسالتك وقيمك؟ عليك بالعمل مبكراً على إشراك رئيس التسويق ورئيس الموارد البشرية، فسوف يكون لديهما نظرة ورؤية لن تتوفر لدى مستشاريك القانونيين، وينبغي أن يحضرا الاجتماعات التي يجري خلالها اتخاذ القرار. القصة أكثر سوءاً من الحقيقة نفسها. من بين تبعات الميل إلى إغراق الفريق التنفيذي في المشاكل والصعوبات الافتقار إلى تدفق المعلومات إلى باقي أرجاء المؤسسة. لقد لاحظ بريان إيرفينغ أنه "عندما يكون هناك نقص في المعلومات المتاحة، فسوف يقوم كل واحد برواية القصة التي يختلقها على أنها الحقيقة. وهكذا فإنّ الحكايات التي يختلقونها تكون أسوأ من الحقيقة عشرات المرات". ويركز مارفين تشو، نائب الرئيس للتسويق العالمي في شركة جوجل، على مدى أهمية خلق الرؤية وبعدها يتم بناء الزخم وإظهاره، ويقترح البدء بفريق كبار المسؤولين في المؤسسة لضمان التوافق في الرأي، وبعد ذلك يتم جلب الرؤية إلى باقي المؤسسة للتأكد من فهم الجميع للمسار الذي يسيرون فيه والسبب في اتخاذ ذلك المسار. وما إن يتم الانتهاء من وضع تلك الرؤية، يجب مواصلة تعزيز الرؤية وإظهار ما يتم إحرازه من تقدم مستمر. ومن شأن هذا أن يبني الزخم الداخلي، ويخلق ثقافة لا يتحول فيها الصعب أو المستحيل إلى ممكن وحسب، وإنما يصبح أمراً محتملاً. تحسس طريقك للمسار الصحيح. بصفتك قائداً، قد يكون من الصعب الإبقاء على الجميع، بمن فيهم أنت نفسك، في وضع التحفيز أثناء الأزمة. ترى آمي فريدلاندر هوفمان، رئيس التسويق التجريبي في شركة أوبر، أنه من الضروري "العودة إلى الجوهر". فمن الناحية الشخصية، يعني هذا معرفة "من أنا، وما النفع الذي أجلبه لهذا الأمر". أما بالنسبة للشركة، فهذا يعني معرفة "من نحن، وما هي رسالتنا؟". تؤكد جامي مولدافسكي على أهمية أن تظل إيجابياً ومتفائلاً: "يجب أن تركز ناظريك على المدى الطويل". وبحسب مارفين تشو، من السهل تحديد المشاكل، أما التحدي فيكمن في أن تكون الشخص الذي يعطي الإجابات ويتوصل إلى الحلول. كن مخلصاً لرسالتك من خلال التركيز على المستخدمين أو العملاء، وكذلك من خلال السعي لعمل ما يحقق مصالحهم على أفضل وجه بطريقة تتواءم مع العلامة التجارية لمؤسستك وتخدمها. لا يتعلق الأمر بما تقوله أنت. إحدى تبعات وسائل التواصل الرقمية والاجتماعية أنّ أية قصة أو حكاية تنمو وتكبر بسرعة الصاروخ وتتحول من مجرد لا شيء إلى أزمة في ظرف ساعات فقط. كما تعني أنه لم يعد لديك تلك السيطرة على الحكاية التي كانت بحوزتك في وقت من الأوقات. يلاحظ الكثيرون ممن مروا بأزمة من الأزمات حدوث تحول في تفكيرهم. وتلاحظ جامي مولدافسكي أنّ شغلنا الشاغل في الماضي كان "ماذا سنقول نحن عن هذا؟" أما اليوم فإننا ننشغل بنفس القدر بأمر آخر وهو "ماذا سيقول الآخرون عن هذا؟". إنّ التحدي الحقيقي هو أنه مع وقوع الكارثة يكون في الغالب قد فات الأوان بالنسبة لكثير من العلامات التجارية. يجب عليك إنشاء بنك من النوايا الحسنة عندما يكون الوقت مواتياً، وهكذا عندما تحل الأزمة بك ستكون لديك جماعة من المؤيدين يتحدثون عنك، يعملون على بث روح الطمأنينة لدى المنتقدين لك وتعزيز رسالتك. سيطر على ما تستطيع. ربما لا يكون باستطاعتك أن تسيطر على ما يقوله الآخرون عنك. إلا أنّ هناك شيء واحد يمكنك السيطرة عليه: ألا وهو أنت نفسك. وبحسب جامي مولدافسكي، "لقد وقعت الأزمة ولا مفر منها. عندئذ يتعلق الأمر كله بطريقة تعاملنا معها. ويكون هذا ضمن نطاق سيطرة كل قائد من القادة". وهنا تقدم آمي هوفمان نصيحتها قائلة: "كن مستريحاً مع أي موقف ليس به ثمة راحة"، وهنا يكون الخيار أمامك أنت، حيث "يمكنك أن تأتي إلى عملك كل يوم محاولاً إنجاز المهمة المسندة إليك، وبك ما بك من الإحباط وكأن النيران تحاصرك ومفروض عليك إطفاؤها. وبدلاً من ذلك، عليك أن تدرك إنّ التعامل مع الموقف (وإطفاء تلك النار) هو بالفعل من صميم عملك". عليك بمعالجة المشكلة الأساسية. أحياناً وبكل بساطة لا تكون الأزمة نتاج خطأك أنت. ولكن في أحيان أخرى، تكون مجرد عرضاً لمشكلة أكثر عمقاً في ثقافتك أو منتجك أو نموذجك التشغيلي. فإذا لم تقم بحل المشكلة الأساسية، فسوف تتحول الأزمة من مجرد مشكلة تحدث لك مرة واحدة وينتهى كل شيء، إلى مشكلة تظل معك وملازمة لك. في رأي هانا جونز، رئيس شؤون الاستدامة في شركة نايكي، أنه "لا ينبغي أن تدع أية شركة الأزمة تمر بها مر الكرام من دون أن تستفيد منها أو تتعلم منها درساً نافعاً". بدلاً من ذلك، ينبغي استخدام الأزمة على أنها فرصة لإحداث التحول. وفي حالة نايكي، كانت الشكاوى من ظروف العاملين في أواخر التسعينيات هي القوة الدافعة (الزخم) "للوصول إلى شيء راسخ في أعماقنا حول القيم التي نعتنقها، مع الاستفادة من ذلك. لقد تعلمنا أن نحترم الفروق والاختلافات التي بيننا، وأن نتحلى بالتعاطف مع الآخرين، وأن نعثر على رؤية مشتركة فيما بيننا. لقد قبلنا الخضوع للمساءلة، واعتذرنا، وبدأنا في عمل التغييرات العميقة المنتظمة داخلياً، في سلسلة التوريدات لدينا، وفي الانخراط في رحلة من التعاون والتآزر مع جميع المنخرطين في المجال الذي نعمل فيه بأسره". وفي الأزمة، يكون الأمر في غاية اليسر والسهولة عند معالجة الأعراض السطحية دون النظر بحال من الأحوال إلى المشاكل الأساسية في العمق. الدروس التي تعلمها المسؤولون التنفيذيون الذين صمدوا إزاء ما مر بهم من أزمات تكون مناسبة بالنسبة لأي شخص يجد نفسه في ظروف حافلة بالتحديات والصعوبات. يجب علينا جميعاً أن نصقل قدراتنا على التغلب على العوائق والعقبات، والتعامل مع حالة عدم اليقين، وأن نمسك بزمام تركيزنا في بيئة متغيرة دوماً. ومن النصائح المفيدة حتماً بالنسبة للجميع، أن تكون على أهبة الاستعداد، وأن تظل مخلصاً لأهدافك، وأن تشرك الآخرين في التوصل للحلول، وأن تسيطر على ما تستطيع فعله، وأن تعمل على حل المشاكل الأساسية الكامنة.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!