بعد أن انتهيت من إلقاء محاضرة في منتدى عالمي للاستشارات حول كيفية التعامل بشكل أفضل مع ضغوطات السفر المستمر والزبائن المتطلّبين، اقتربت منّي إحدى الاستشاريات وطلبت أن تخلو بي جانباً، وأسرّت لي بأن الأمر لا يقتصر على الزبائن الذين يدفعونها إلى حافة الجنون أحياناً، فمديرها كان شخصاً مُستبدّاً ومتنمّراً يصرخ في وجوه الناس لأتفه الأسباب. لقد حوّل حياة مرؤوسيه إلى جحيم حقيقي إلى حدّ أن بعضاً من أفضل الناس لديه اضطروا إلى الانتقال إلى شركات أخرى.

تذكّرت ذلك اللقاء وأنا أقرأ القصة الرئيسية التي نُشرت مؤخراً على غلاف مجلّة "التايم" حول آخر الصرعات والبدع في مجال الموارد البشرية، والمتمثّلة باستعمال تحليل البيانات الضخمة وعلامات اختبارات الشخصية للتنبؤ بالشخص الأنسب لشغل وظيفة معيّنة – ويسمّى بالإنكليزية (XQ).

لا شكّ في أن العديد من الشركات تحصد ثماراً إيجابية من تحليلات البيانات الضخمة. لكن لازال هناك بعض المجالات التي تتسبّب بخيبة أمل. فالخبراء يحذّرون من أن جودة البيانات الضخمة، وكما هو حال أي شيء آخر، تتوقف على جودة السؤال المطروح – كما أنهم يحذّرون من أن بعض الخوارزميات يمكن أن تقود إلى افتراضات غير مفيدة.

هناك مقولة شائعة في عالم العلوم تنصّ على أن "الإحصائيات تعني بأنه لا يتعيّن عليك أبداً أن تقول بأنك على يقين." وفي أي تحليل للبيانات الهائلة، على سبيل المثال، سيكون هناك ارتباطات عشوائية معيّنة تبدو "ارتباطات ذات دلالة إحصائية" لكنها ليست أكثر من تشويش ولا ترقى إلى مستوى الإشارة.

اقرأ أيضاً من هارفارد بزنس ريفيو: أنجز أكثر عندما تركّز على عملك أقل

بعد ذلك هناك السؤال المطروح حول المقاييس التي يستعملها اختبار الشخصية لقياس مدى "النجاح". فالبيانات الضخمة تحتاج إلى مقياس للأداء يقيس نتائج ملموسة، لكن المقاييس المتاحة قد لا تكون هي العناصر الأهم عملياً لضمان ازدهار المؤسسة.

فأي مدير – مثل الشخص المستبد المُحبط لمن حوله والذي ذكرته أعلاه – يمكن أن يُجبرَ موظفيه على العمل بجد للوصول إلى الأهداف السنوية للشركة، مثلاً، بينما هو يعمل في الوقت ذاته على تدمير المناخ العاطفي الذي يشكّل الداعم الأساسي للدماء التي تجري في عروق المؤسسة. ونحن نعلم منذ أمد بعيد بأن المدراء الذين يبالغون في التركيز على الأداء، على حساب تركيزهم على الناس، يمكن أن يدمّروا المؤسسة على المدى البعيد. وعليه فإن استعمال مقياس للنتائج مثل الأرباح التي يحققها المدير التنفيذي، مع تجاهل دوره كمدير للموظفين وتأثيره على المعنويات، والولاء، والتركيز، ومستويات التوتّر والشدّة لدى مرؤوسيه المباشرين، قد يقود إلى الخطأ في تحديد من هو المدير الأفضل.

أليس من الملفت بأن المهندسين في شركة جوجل، ذلك المعقل الكبير للخوارزميات المنبثقة من مجموعات البيانات الضخمة، رفضوا استعمال تلك المنهجية فقط لتقرير الترقيات التي تحصل في الشركة؟ وقد فسّر لاسيزلو بويك، رئيس قسم التوظيف في جوجل الأمر بقوله أن معرفة الشركة بالكثير من الحقائق حول الخوارزميات يجعلها تدرك محدوديتها. فالافتراضات التي تدخل في صلب أي اختبار يمكن أن تكون بحدّ ذاتها منحازة ضد بعض السمات والخصائص الشخصية، وبالتالي فإنها تؤدّي إلى التمييز بطريقة غير عادلة ضدّ الناس.

لكن الاعتراض الأكبر يأتي من أن المؤشر الأقوى على السلوك المستقبلي للشخص هو أداؤه في الماضي. وأفضل تقويم للأداء يأتي من الناس الذين يعرفون ذلك الشخص جيداً.

هذا هو الطرح الذي ينادي به مثلاً كلاوديو فيرنانديز آروز في كتابه الكلاسيكي حول التوظيف، (المحكّ الأساسي ليس "كيف" أو "ماذا" بل "من"). وبحسب نصيحته، فإن أكثر المعلومات موثوقية وقيمة تأتي من الأشخاص الصادقين الذين يجرون المقابلات مع الشخص المرشّح لشغل الوظيفة، وكانوا قد عملوا معه في الماضي.

خذ مثلاً قوّة شخصية القائد – وهو عامل تعتبر المقابلات الشخصية الطريقة الأفضل لتقويمه، وليس الاختبارات التي تتضمّن أسئلة ذات إجابات متعدّدة (حيث لا يجب أن ننسى هنا بأن الشخص الذي يفتقر إلى النزاهة سوف يكذب على الأرجح بخصوص مؤشرات النزاهة والصدق). وكما تُظْهِرُ أبحاث فريد كيل، فإن السمات الشخصية مثل النزاهة والقدرة على التعاطف مع الآخرين تعتبر محرّكات قوية للنجاح في العمل، وهذا اكتشاف مفاجئ بالطبع. وقد وجد كيل بأن الأشخاص الذين يمتلكون هذه الصفات بقوّة حققوا نتائج في العمل أفضل بخمس مرّات مقارنة مع الأشخاص الذين لا يمتلكون هذه الصفات بقوّة.

فإذا كنت تريد تقويم مدى نزاهة شخص مرشّح لشغل وظيفة لديك، فما الذي ستثق به أكثر: الطريقة التي أجاب بها ذلك الشخص عن أسئلة ضمن اختبار معيّن يقيس النزاهة، أم التجربة الفعلية لأناس يعرفون هذا الشخص من قبل؟

وإليك ما أنصح به أنا شخصياً. تذكّر دائماً الفرق بين الكفاءة الأساسية الدنيا والكفاءة المُميِّزة. فالمهارة الأساسية الدنيا تعني بأن الشخص يجب أن يلبّي هذا المعيار لمجرّد دراسة إمكانية منحه الوظيفة. ففي شركة جوجل مثلاً، تشمل الكفاءة الأساسية الدنيا المطلوبة نتائج اختبارات تثبت بأنك بين أعلى 1% من حيث حاصل الذكاء (IQ). أمّا في حالة الشركات التي تستعمل ما يُسمى (XQ)، أي تحليل البيانات الضخمة لنتائج الاختبار، فإن مستوى معيّن من الارتباط الإحصائي يمكن أن يعتبر هو العتبة الدنيا.

ولكن بعد ذلك تأتي الكفاءات المُميِّزة، أي المهارات والقدرات التي تجدها لدى الأشخاص ذوي الأداء المتفوّق في أي مؤسسة ولكن ليس لدى الأشخاص ذوي الأداء العادي الباهت – أي من يتمتّعون بالحدّ الأدنى الكافي من المهارات للاحتفاظ بوظائفهم. وعليه فإن الكفاءات المُميِّزة هي ما يجب أن تبحث عنه عندما تحاول دراسة ملف الشخص المعني وستجد هذه المعلومة لدى الناس الذين عملوا مع ذلك الشخص في الماضي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!