هناك نسبة لا يستهان بها من العملاء الذين يقومون بشراء هاتف ذكي جديد ثم يعيدونه خلال فرصة "الإرجاع المجاني"، ويدّعي العديد منهم أنّ الهاتف لا يعمل بشكل صحيح. ولكن، تشير البيانات إلى أنّ هذا ليس هو السبب الحقيقي في كثير من الأحيان، والحقيقة هي أنّ هؤلاء العملاء لا يعرفون كيفية استخدام الهاتف الذكي بشكل جيد، فإما أنهم لا يدركون ذلك، أو أنهم لا يرغبون في الاعتراف بالأمر، لذا يقومون بإرجاعه، ما يسبب حدوث فروقات كبيرة في ربحية كل من الشركة المصنعة للهواتف الذكية ومزودي الخدمة. أما بالنسبة لمتاجر التجزئة، فيمكن أن تكون تلك الفروقات بحدود آلاف الدولارات في القيمة الدائمة للعميل (CLV).

يمكن للمؤسسة من خلال قدرتها على توقع الإرجاع ووضعها لاستراتيجية استباقية؛ أن تمنع حدوث مثل هذا النوع من المشاكل. قد تفعل هذا عن طريق "خبير" (مثل أي فرد في شركة جيك سكواد Geek Squad التابعة لشركة بيست باي BestBuy أو شركة جينيوس Genius التابعة لشركة آبل) يقوم بالتواصل مع العميل بعد عدة أيام من شراء المنتج، ويسأله عن تجربتة مع الهاتف الذكي الجديد من حيث تشغيله وأدائه، ويعلمه أنهم متوفرون لخدمته على مدار الساعة لأي سؤال أو مساعدة. يختلف هذا التفاعل الاستباقي بالنسبة للعميل بشكل جوهري عن تفاعل مندوب المبيعات الذي يُعلم العميل في لحظة الشراء بأنّ المساعدة متوفرة. ومن المؤكد، أنّ هذا "التدخل" يُعد مكلفاً إذا اتبع مع جميع العملاء، وبالتالي، فإنّ المسألة الرئيسية هي تحديد العملاء الذين يجب تطبيق مثل هذا الإجراء معهم.

إذاً، يُعد أسلوب تحليل بيانات العملاء هو طريقتنا لتجنب هذه المشكلة:

إذ قمنا بمساعدة أحد العملاء الذين لديهم هذه المشكلة بالذات مع زبائنه، وذلك باستخدام نموذج تنبؤي؛ والذي صنف كل عميل على حسب احتمالية أن يقوم بإرجاع المنتج من مرتفع إلى منخفض (من دون تدخل) وذلك خلال مدة زمنية معينة. وفي اختباره على أرض الواقع، أعطى هذا النموذج بعض النتائج الجيدة جداً، إذ أنّ نسبة الـ10% الأعلى من العملاء الذين صنفهم النموذج لاحتمالية إرجاع الهاتف؛ تضمنت حوالي 40% من جميع العملاء الذين قاموا بإرجاع الهاتف فعلياً. بعبارة أخرى، فإنّ المجموعة التي تم تصنيفها بأنها عالية المخاطر شملت نسبة كبيرة نسبياً من العملاء أصحاب المخاطر العالية فعلاً.

من السهل رؤية فعالية التدخل بهذه المجموعة (الـ10%) من ناحية التكلفة، ففي حال أنّ النتائج المستقبلية تعكس النتائج المستندة على البيانات السابقة، من المحتمل أن تؤثر على 40% من العملاء الذين من المحتمل أن يرجعوا هواتفهم، وليس فقط 10% منهم؛ على الرغم من أنّ تكلفة التدخل تكون مقابل الـ10% فقط من العملاء الجدد. ويمكن تحديد النسبة المئوية (العليا) للقائمة المصنفة، والتي يجب أن تتلقى عملية التدخل لتكون أكثر ربحية، بسهولة من الجانب الاقتصادي؛ وذلك بمجرد المقايضة بين تكلفة التدخل، والفائدة من تحويل العملاء الذين من المحتل أن يقوموا بإرجاع المنتج إلى الاحتفاظ به إذا تم التدخل، ومدى نجاح النموذج التنبؤي من حيث تحديد العملاء الأكثر احتمالاً للإرجاع. قد تكون النسبة المثلى للعملاء الذين يجب التواصل معهم، على سبيل المثال، أعلى 8%، أو 13%، أو حتى أعلى 30%. (إنّ التدخلات، في العديد من الحالات التي نرصدها، تعطي عوائد أكثر من تكلفتها).

خذ مثالاً آخر لعملية التدخل؛ إذ يأخذ مقدم الرعاية الصحية بعين الاعتبار التواصل مع الأشخاص الذين (من دون تدخل) من المحتمل أن يقيموا في المستشفى بالمستقبل القريب. (من المؤكد أنّ عوائد الهواتف الذكية مختلفة عن عوائد الإقامة في المستشفى، إلا أنّ عمليتي تحليل التدخل لكل منهما متشابهة للغاية). ومن أجل خفض احتمال الإقامة غير الضرورية في المستشفى، فإنّ برنامج التدخل يمكن أن يتخذ أشكالاً عديدة، مثل إجراء مكالمة هاتفية أسبوعية لتذكير المرضى بتناول أدويتهم. في هذا المثال الواقعي، فإنّ "المقيمين" هم أشخاص يحتاجون إلى دخول المستشفى لمدة لا تقل عن 15 يوماً خلال العام الواحد، لذا قمنا باستخدام نموذج تنبؤي لتصنيف كل شخص من الأكثر احتمالية بأن يمكث في المستشفى إلى الأقل احتمالية (وذلك من دون تدخل). وكانت النتيجة أنّ المجموعة الـ10% الأعلى من القائمة المصنفة انعكست على نسبة عالية جداً والتي قدرت بـ53% من جميع المقيمين الفعليين. وبالطبع نحتاج هنا أيضاً إلى معرفة كلفة عمليات التدخل مقابل وفورات التكاليف في تخفيض مدة المكوث في المستشفى والتي تنتج عن ذلك التدخل، وتحديد كيفية توجيه تلك العملية.

هناك جانب من عملية اتخاذ قرار التدخل الشامل لا يحظى بالاهتمام كثيراً: وهو مسألة تحسين التدخل الأنسب. بمعنى آخر، تحديد التدخل الذي يعتبر أكثر فعالية من حيث التكلفة، والسبب الرئيسي وراء عدم الالتفات إلى هذا الجانب، هو ببساطة نقص البيانات. يتوجب علينا تجربة تدخلات مختلفة على مجموعات مختلفة وتسجيل نتائج استراتيجيات التدخل هذه خلال مدة زمنية طويلة محتملة، ويجب تطبيق استراتيجيات التدخل هذه على مجموعات من الأفراد التي تلغي أحدها الآخر، إذ لا تريد الشركات قضاء سنوات عديدة في مقابل عمليات تدخل مختلفة، مع العلم أنّ معظمها قد لا يكون مربحاً. وقد تم طرح وجهة النظر هذه سابقاً عندما كان يجري نقاش حول البيانات لتحديد القيمة الدائمة للعميل في العديد من الشركات. ولم تكن البيانات متاحة في معظم تلك الشركات، واعتبرت عملية جمع مثل هذه البيانات لسنوات عديدة أمراً شاقاً للغاية. إلا أنّ جميع الشركات اليوم، الكبيرة والمتوسطة الحجم، تمتلك بيانات كافية لتطوير نموذج القيمة الدائمة للعميل، ويمكن القول أنه عندما يتعلق الأمر ببيانات قرارات التدخل، فإنّ قصر النظر يكون حاضراً، إلا أنّ التقدم الذي يطرأ في مجال تعلم الآلة قد يساعد في تغيير هذا المنظور عندما يتعلق الأمر باختيار التدخل الأمثل.

هنالك العديد من المشاكل التي تتعلق بالتسويق والأعمال، إذ قد يتخذ العملاء إجراءات غير مرغوب فيها تؤثر سلباً على المؤسسات ومقدمي الخدمات، ولحسن الحظ، يمكن للمسوقين مواجهة هذه الإجراءات بفاعلية من خلال التدخل. يتم الآن الاعتراف، على الأقل بالنسبة لتدخل معين؛ بأنه إجراء مفيد في كثير من الحالات. ولن نستبعد أن يصبح مصطلح "تحليلات التدخل" شائعاً جداً، نظراً لتضخم مجال تحليلات التسويق، والتحولات التي تطرأ على الشركات.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!