هل يمكن أن تكون قائداً بمعايير عالية مدفوعاً بالنتائج، بينما تبني في نفس الوقت فريقاً متفاعلاً والعمل معه ممتع؟ يزعم كثيرون أنّ إجادة أحد الأمرين يجعل من الصعب إجادة الأمر الآخر. ومع ذلك، أظهر لنا تقييم شامل من نوع 360 درجة أجريناه على بيانات أكثر من 60,000 قائد أنّ القادة الذين صُنّفوا في الربع الأعلى على أساس هاتين المهارتين جاءوا في الشريحة المئوية الـ91 بين جميع القادة. حيث يبدو أنّ إجادة الأمرين معاً ليس فقط ممكناً، بل إنّ أفضل القادة هم أولئك الذين يتمكنون من القيام بذلك.

لكن هذا النوع من القادة قليل جداُ. حيث أنه لدى عزلنا القادة الذين صُنّفوا في الربع الأعلى من ناحية الدفع نحو النتائج ومهارات التعامل مع الأشخاص، وجدنا أنّ 13% فقط منهم في مجموعة بياناتنا تنطبق عليهم هذه المواصفات. وهي نسبة قليلة لكن مع ذلك تبقّى لدينا 7,800 قائد كي نعمل على تحليلهم.

ولاستكشاف السلوكيات والصفات المميزة لهؤلاء القادة، ألقينا نظرة عن كثب على هذه المجموعة الفرعية من بيانات. فوجدنا أنّ القادة الشباب تفوقوا في المقدرة على إيجاد بيئة مرحة وفعالة لفريق العمل. ووجدنا احتمال أن يكون القادة تحت الثلاثين عاماً فعّالون على صعيدي النتائج والتفاعل أكبر ما بين مرتين إلى ثلاث مرات من نظرائهم الأكبر سناً. كما حقق تقريباً ثلث أفراد المجموعة الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً كلتا الأولويتين معاً. إذ تبيّن لنا أنه في سن الأربعين تقريباً يكون القادة حددوا اختياراتهم بأن يكونوا إما مدفوعين بالنتائج أو أن يكونوا أقوياء على صعيد العلاقات الشخصية مع الآخرين. واستناداً إلى هذه النتائج، لم يتمكّن إلا 10% فقط من القادة في أي مجموعة عمرية من فعل الأمرين معاً.

لكن لماذا ذلك؟ ربما لأن الأشخاص الأصغر عمراً يعلّقون أهمية أكبر على علاقات العمل أكثر من نظرائهم الأكبر سناً. وبالتأكيد الشواهد تدعم هذا الافتراض: في حين يُبدي الشباب اهتماماً أكبر لأن تكون لديهم صداقات مقرّبة وشخصية مع زملائهم. حيث يقول العاملون الأكبر سناً: "العمل عمل، والحياة الشخصية شيء آخر، ولا يجب أن يلتقي الاثنان أبداً"، ربما لأن هؤلاء الزملاء الأكبر سناً يعرفون أشخاصاً أكثر خارج العمل، أو لعل السبب يعود إلى شعورهم بأنهم أقل حاجة للاعتماد على المهارات الناعمة إذا افتراضنا أنّ زملاءهم سوف يتأثرون بما يمتلكونه من عظيم الخبرات.



لكننا تساءلنا أيضاً ما إذا كانت النتائج التي توصلنا إليها غير مرتبطة بالعمر أو ربما ليست مرتبطة بالعمر فقط، بل بالمنصب أيضاً. وفعلاً، كان تساؤلنا في مكانه. إذ توصلنا إلى أنّ المشرفين بشكل خاص يكون غالباً احتمال امتلاكهم لكلتا المقدرتين أكبر من احتمال أن يمتلكها كبار المدراء. وفي الواقع، يستطيع المشرفون القيام بالأمرين معاً باحتمال أكبر بمرتين مقارنة بكبار المدراء. وفي هذه الحالة بالتحديد، رأينا بعض التراجع في كلتا المهارتين مع التقدم بالعمر، لكن مهارات التعامل مع الأشخاص تراجعت أكثر من مهارة الدفع نحو النتائج مع انتقال القادة من مشرفين إلى مناصب الإدارة العليا. إذن، فكلتا المهارتين شهدتا تراجعاً مع العمر، والعمر والمنصب مرتبطان ببعضهما بشكل قوي. وهناك احتمال كبير أن يشعر الأشخاص الذين يمتلكون سلطة أقل، مثل المشرفين، بأنّ عليهم الاعتماد على مهاراتهم في التعامل مع الآخرين إذا أرادوا تحقيق ما ينشدونه من نتائج. لكن ما لا يدركه المدراء الأقوى أو الأكبر سناً أنّ إظهار مهاراتهم في التعامل مع الأشخاص سيعود بالفائدة عليهم هم أيضاً.



ولكي نفهم كيف يستطيع بعض القادة أداء كلتا المقدرتين جيداً، قارنا نتائج المجموعة التي صُنّفت في الربع الأول على أساس كلتا المهارتين مع جميع القادة في مجموعة البيانات. ثم حلّلنا 40 سلوكاً وأجرينا اختباراً إحصائياً (t-test) لمقارنة نتائج المجموعتين. كما أجرينا تحليلاً عاملياً من خلال تحليل العناصر التي تُظهر أكبر قدر من الاختلافات بين القادة، وحددنا ست مجموعات تصنيفية تتضمن السلوكيات التي تُمكّن 13% من القادة استخدام كلتا مجموعتي المهارات القيادية بشكل متسق.

إضافة إلى ذلك، أسمينا هذه المجموعات باسم "الجسور السلوكية" لأن دليلنا يرى أنها تُمكّن القادة من الدفع نحو النتائج وممارسة مهارات شخصية جيدة. وبطبيعة الحال، تشير هذه النتائج إلى امتلاك القادة ست مهارات قوية تمكنّهم من تقديم أداء على مستوى أعلى بكثير من مستوى أولئك الذين يفتقرون لهذه المهارات.

1- يبلّغون عن استراتيجية وتوجّه واضحين

  • الدفع نحو النتائج: يتوقف تحقيق أقصى النتائج على توافر وضوح كاف لدى الجميع حول التوجه وفهم الاستراتيجية من أجل تنفيذها.

  • مهارات التعامل مع الأشخاص: عندما يكون الناس في حيرة أو ارتباك، يستولي عليهم سريعاً شعور من عدم الرضا. لذلك فإنّ القادة الذين يُبلّغون جيداً عن توجه واضح يكون لديهم فريق عمل أكثر تفاعلاً.


2- يُلهمون ويحفزون.

  • الدفع نحو النتائج: إذ وجدنا أنّ مقدرات الدفع نحو النتائج لدى 78% من القادة أكبر من مقدراتهم على إلهام وتحفيز الآخرين. وعادة نشبّه الدفع نحو النتائج على أنه "الدفع" أما الإلهام فهو "السحب". وعندما يكون لدى القادة القدرة على الدفع نحو النتائج ويكونون قادرين في نفس الوقت على إلهام الآخرين لتقديم جهد وأداء أعلى، تكون فرصهم في تحقيق النتائج أكبر بكثير.

  • مهارات التعامل مع الأشخاص: إنّ إلهام الآخرين يُطلق العنان للطاقة الكامنة في الأفراد لتقديم أفضل ما لديهم. حيث نودّ معظمنا صنع فارق إيجابي في حياتنا وعملنا، والقادة الذين ينجحون في خلق بيئة عمل إيجابية هم الذين يتمكنون من إلهام وغرس الولاء والالتزام والشغف والحماس لدى أعضاء الفريق.


3- يضعون أهدافاً مرنة

  • الدفع نحو النتائج: إنّ وضع أهداف مرنة يقبلها أعضاء الفريق كفيل بجعل الآخرين يعملون بجد، كما يرفع سقف الأداء.

  • مهارات التعامل مع الأشخاص: عندما يتعاون الفريق في وضع الأهداف المرنة، ستحصل أمور عجيبة، إذ يصبح العمل مرحاً، وينخرط الجميع فيه، ويحس الأفراد بقيمتهم وكفاءتهم.


4- يتميزون بالاستقامة العالية ويوحون بالثقة

  • الدفع نحو النتائج. إذا وضع قائد غير أهل للثقة أهدافاً مرنة فسوف يفترض أعضاء الفريق غالباً أنه وضعها ليتلاعب بهم ويستغلهم. أما دوافع القائد الموثوق به لا تكون موضعاً للشك.

  • مهارات التعامل مع الأشخاص: من العناصر المهمة في بناء علاقات إيجابية مع الآخرين أن تكون موضع ثقة. وكي يتمتع القادة بثقة الآخرين يحتاجون لأن "يترجموا الأقوال إلى أفعال". وعليهم ألا يطالبوا أبداً أعضاء فريقهم بفعل شيء هم أنفسهم غير مستعدين للقيام به.


5- يطورون الآخرين.

  • الدفع نحو النتائج: سيحصد القادة الذين يهتمون بتطوير مرؤوسيهم ومن يخصصون وقتاً لتطوير هؤلاء الأشخاص المنافع في شكل النتائج المحققة. فالأفراد الأفضل تدريباً هم أكثر إنتاجية بكثير.

  • مهارات التعامل مع الأشخاص: إنّ معظم الناس يريدون فرصة لتطوير مهارات وكفاءات جديدة، لهذا يُنظر بإيجابية أكثر للقادة الذي يركزون على مساعدة أفراد فريقهم كي يتطوروا. كما أنّ لتطوير الآخرين تأثيراً مضاعفاً من حيث رفع الأداء وخلق ثقافة مرحة وتفاعلية. وتجذب هذه البيئة أيضاً المزيد من الناس للعمل فيها.


6- يتقبلون الآراء.

  • الدفع نحو النتائج: يُعتبر القائد الذي يقاوم الآراء التقويمية أشبه بإمبراطور لا يرتدي ثياباً. إذ لا يريد سماع أي رأي ولا يريد من الناس التعليق عليه، ما يؤدي إلى تسرب المشاكل عبر التصدعات. فيتم تفويت المواعيد الهامة. أما عندما يطلب القائد الآراء ويكون منفتحاً على النصيحة، فإن زملاءه لن يقفوا متفرجين إذا شاهدوه يرتكب الخطأً.

  • مهارات التعامل مع الأشخاص: يحظى القادة الذين يطلبون آراء الآخرين ويعملون على إدخال تحسينات باحترام كبير. كما أنّ تقبلهم للآراء يجعلهم قدوة للجميع.


أخيراً، يُعتبر امتلاك القدرة على الدفع نحو النتائج وتوظيف مهارات ممتازة في التعامل مع الأشخاص مزيج قوي له تأثير درامي على فعالية المدير. وكما ذكرت سابقاً، وجدنا أنّ القادة الذين يمتلكون كلتا المهارتين صُنّفوا ضمن الشريحة المئوية الـ91 الأفضل في مجمل فعاليتهم القيادية. وآمل أن تتمكن أنت أيضاً من تحديد واحد أو اثنين أو ثلاثة من هذه الجسور السلوكية التي سوف تساعدك لتتوصل إلى مزيجك السحري.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!