كلنا يريد عيش حياة غنية وذات معنى، في العمل والمنزل، دون التضحية بجوانب أي منهما. في جميع أنحاء العالم، يسعى المزيد والمزيد من الموظفين وراء ترتيبات عمل مرنة كنتيجة لذلك، وتتطلع الشركات إلى تلبية هذه التوقعات عن طريق تقديم مجموعة متنوعة من السياسات الصديقة للأسرة بشكل متزايد. في أوروبا، يعد العمل عن بعد، وأوقات العمل المرنة، وأسابيع العمل المضغوطة، والعطلات (مدفوعة أو غير مدفوعة الأجر)، وعطلات الدراسة أو السفر كل سبع سنوات هي الأكثر شيوعاً. ومع ذلك، وبقدر ما تبدو هذه السياسات عظيمة على الورق، فإن للعديد منها عواقب غير مقصودة على العمال:

لا تعني المرونة توازناً أفضل بين العمل والحياة بالضرورة. غالباً ما يواجه العاملون عن بُعد كثافة عمل واستقلالاً منقوصاً بسبب قدرتهم على التواصل مع الزملاء عبر أجهزتهم في أي وقت. يمكن لهذا الاتصال الثابت أن يطمس الحدود بين العمل وبين غيره من الأنشطة.

يمكن لعطلات الأسرة المدفوعة أو عطلات دعم رعاية الأطفال أن تثير تصورات بشأن عدم الإنصاف في القوى العاملة. عادة ما يتم تخصيص هذه السياسات للعمال الواقع على عاتقهم مسؤوليات تقديم الرعاية، بينما يكون العمال الراغبون في الحصول على نفس المستوى من التوازن بين العمل والحياة، لكنهم يفتقرون إلى المسؤوليات الأسرية الملحة، أقل قدرة على الوصول إليها.

تتردد غالبية الموظفين ممن يقدرون على الوصول إلى ترتيبات عمل مرنة في استخدام هذه الصلاحية. يخشى الكثيرون من أن يؤدي ذلك إلى انخفاض الالتزام بالعمل مما سيخلف أثراً سلبياً على مسارهم المهني.

لمعرفة كيف يمكن للمؤسسات التغلب على هذه العوائق، أجرينا دراسة تبحث في تجارب أكثر من 400 من الوالدين العاملين في إيطاليا، 58% منهم من الرجال و42% من النساء بمتوسط عمر 43 عاماً. طلبنا من المشاركين تقييم بيئة عملهم، ومشرفيهم المباشرين، والثقافة المؤسسية على مقياس يتراوح من واحد إلى خمسة، مع كون خمسة هي الأكثر دعماً للأسرة وواحد هي الأقل. سألناهم أيضاً عن عدد المرات التي يستخدمون فيها سياسات صديقة للأسرة متاحة لهم في العمل (إن وجدت) وكذلك عدد ساعات عملهم في الأسبوع.

اكتشفنا من خلال بحثنا أن الشركات تحتاج إلى تركيز جهودها في مجالين رئيسيين إذا كانت ترغب في إحداث توازن صحي بين العمل والحياة لفرق عملها:

1. درّب المشرفين:

يواجه الموظفون الذين يعملون مع مشرف داعم، أي شخص يقدم الدعم العاطفي والعملي، ويعمل كنموذج إيجابي، ويحل المشاكل بإبداع، نزاعاً أقل حدة بين العمل والحياة، ويجدون صحة أفضل، ورضاء متزايد في الوظيفة وفي المنزل.

وذلك لأن المشرفين، بغض النظر عن مدى قربهم من المناصب التنفيذية العليا، يمثلون المؤسسة ككل في أعين فرقهم. فيملكون القدرة على تشجيع (أو تثبيط) الموظفين لاستخدام سياسات صديقة للأسرة من خلال مواقفهم وسلوكياتهم، والتي يمكن أن تشير (أو لا تشير) إلى وجود عواقب لمن يعطي الأولوية لمسؤوليات الأسرة أو يساوي بين أهميتها وبين مسؤوليات العمل. يمكن أن يكون للمشرف صاحب توقعات متناقضة مع الأهداف الشخصية لموظفه تأثيراً ضاراً على التوازن بين العمل والحياة. (أظهرت الأبحاث أن تأثير المشرف كبير وبشكل خاص بين الأجيال الشابة).

انظر، على سبيل المثال، إلى قضية سليم: أحد خريجي كلية الأعمال ممن يقدر حياته المهنية وحياته الشخصية. بسبب عبء العمل الثقيل الملقى على كاهله، يصارع سليم لإيجاد الوقت للمشاركة الفعالة في مجتمعه. نظرياً، يمكنه الاستفادة من سياسات العمل التي تسمح له بالانخراط بشكل أكبر (مثل ساعات العمل المرنة) والاستمرار في أداء وظيفته بفاعلية. لكن مشرفه يتوقع منه أن يكون تحت الطلب طوال الأربع وعشرين ساعة في السبعة أيام من الأسبوع. ولأن سليم يحب وظيفته ويأمل في الحصول على ترقية في يوم من الأيام، فإنه يختار التضحية بالسياسات في سبيل إتاحة نفسه أكثر في العمل وإبهار مشرفه.

للأسف، هذا السيناريو ليس فريداً من نوعه. بل هو شائع في الواقع. هناك حوالي 63% من المشاركين في دراستنا قيّموا مشرفيهم بدرجة "منخفض باعتدال" (وهي درجة 3.25 أو أقل من أصل الدرجة الكلية 5) عند سؤالهم عن مدى دعم مشرفيهم للأسرة.

استناداً إلى نتائجنا، نعتقد أن الشركات التي تثقف قادتها حول الفوائد التنظيمية المتمثلة في إتاحة توازن صحي بين العمل والحياة للموظفين ستشهد نتائج أفضل من تلك التي تركز فقط على تصميم سياسات رسمية. يمكن للمؤسسات أن تبدأ بتدريب المشرفين على كيفية تزويد فرقهم بدعم الأداء والأسرة والدعم الشخصي، وإبلاغهم بأهمية القيام بذلك: تسمح الأنشطة غير الخاصة بالعمل للموظفين بتوسيع شبكاتهم، وبناء مهارات جديدة، واكتساب إحساس أكبر بالهدف (في كل من حياتهم الشخصية ومواقع عملهم).

2. اسعَ لإيجاد ثقافة أكثر دعماً في الشركة:

يؤثر تدريب المشرفين ليصبحوا أكثر دعماً للسياسات الصديقة للأسرة بشكل غير مباشر على الثقافة المؤسسية. تعتمد الثقافة السائدة في معظم الشركات الإيطالية على ما يسمى بـ "إطار العامل المثالي"، وهو يصور العامل المثالي باعتباره شخص موجود فعلياً في المكتب، متاح للعمل طوال الأربع وعشرين ساعة لسبعة أيام في الأسبوع، وعلى استعداد للتضحية بحياته الشخصية لصالح العمل عند الحاجة، أي باختصار مقاتل الشركات الكلاسيكي. على الرغم من أن هذا النموذج قد يناسب كلاً من الرجال والنساء في إيطاليا، فإنه من المتوقع أن يكون "العامل المثالي" في كثير من الأحيان رجلاً له شريك في المنزل، أو أن يكون، في حالات نادرة، امرأة وحيدة.

لذلك، ليس من المستغرب أن يكشف بحثنا أن الشركات تدعم النساء اللاتي يطلبن إجازة عائلية أكثر من الرجال. غالباً ما يفضل آباء الأطفال الصغار قضاء يوم مجهول إلى جانب إجازة عائلية أطول، حتى عندما يكون لهم الحق في ذلك، لتجنب عواقب سلبية. في الواقع، صنّف 81% من المشاركين ثقافتهم المؤسسية باعتبارها غير داعمة لحياتهم الشخصية (بدرجة 3.25 أو أقل من أصل الدرجة الكلية 5).

في المقابل، وجدنا أن الموظفين الذين يعملون في مؤسسات تدعم العمال الذين لا يتناسبون مع الإطار التقليدي، بدلاً من معاقبتهم، يميلون إلى تحقيق توازن أفضل بين العمل والحياة ويقع لديهم نزاع أقل بين العمل والأسرة. من الأرجح أن يستفيد هؤلاء الموظفون من ترتيبات العمل المرنة، وإذا كان لديهم مشرف داعم، فإنهم يعملون لساعات أقل. نتيجة لذلك، يميلون إلى أن يكونوا أكثر رضا بأدوارهم وأكثر ولاءً لمؤسساتهم.

في ضوء هذه النتائج، نعتقد أنه بالإضافة إلى تدريب المشرفين على تحديد الثقافة الأكبر للشركة، فإن إنشاء مجموعات موارد الموظفين وسيلة قيمة للمؤسسات لتقديم الدعم والموارد لهؤلاء العمال الذين قد يشعرون بالتمثيل المنقوص داخلها.

كيف تتخذ الخطوة الأولى

على الرغم من أن هذه التغييرات تبدو بسيطة بما يكفي لإجرائها، إلا أن العديد من الشركات، والعمال أنفسهم، يصارعون للقيام بذلك. يرجع هذا إلى حد كبير إلى المتطلبات التي تقتضيها هذه الإجراءات من تغيير العقلية لدى كلا الطرفين وإعادة تعريف ما يعنيه "العامل المثالي"، بغض النظر عن عدد سياسات العمل المرنة والتدريبات التي تقدمها شركاتهم.

لدى الكثير منا اليوم رغبة فطرية لحماية هويات مدمني العمل "السعداء" كما فسرناها لأنفسنا على مر السنين ولتجنب خوفنا مما ستبدو عليه هوية مهنية جديدة أكثر توازناً. منبع هذا الخوف يرجع إلى حد كبير إلى حقيقة أن الكثيرين منا لا يعرفون ماذا يفعلون في الوقت الذي لا يعملون فيه. يجادل الباحثون بأنه نظراً إلى أننا نولي اهتماماً أقل بكثير للكيفية التي نقضي بها وقت فراغنا مقارنة بالكيفية التي نقضي بها وقت العمل، فقد بدأنا نفكر في وقت الفراغ كهدر للطاقة، بينما تظهر البيانات عكس ذلك. تشير دراسة أخرى إلى أن ثقافتنا المنهكة ناجمة جزئياً عن مؤسسات حديثة مزدحمة بعمال غير آمنين ما زالوا يتطلبون بيانات موضوعية، مثل عدد ساعات العمل في الأسبوع، لإظهار قيمتهم ومساهماتهم وأدائهم.

إن الخطوة الأولى الحقيقية نحو تحقيق التوازن بين العمل والحياة، إذن، يجب أن تحدث على المستوى الفردي. نحن نعتقد أنه من المهم بالنسبة لنا كعمال وقادة أن نزرع هويات مهنية أوسع كتلك التي تترك مساحة للأسرة والمجتمع، والتي تجد معنى في الأنشطة خارج العمل. وبمجرد أن نبدأ في تقدير وقت فراغنا، سنكون قادرين على إيجاد التوازن بشكل أسهل بين هويتنا في العمل وهويتنا خارج المكتب وبشكل منفصل عن بعضهما البعض. نحتاج إلى أن نبدأ في النظر إلى وقت الفراغ كوقت للراحة وإعادة الشحن وزرع مهارات واهتمامات جديدة قد يفيد بعضها مواقع عملنا في النهاية أيضاً. بمجرد أن نقوم بهذا التغيير، فإن سياسات العمل المرنة، والتدريبات، ومجموعات موارد الموظفين الموضوعة قيد التنفيذ قد تحدث التأثير الذي صممت من أجله بالفعل.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!