يهتم الكثير من الشركات بالمسؤولية الاجتماعية، ولكن تنفيذها يتطلب أكثر من مجرد إلقاء الرؤساء التنفيذيين للخطابات ووضع الشركات للسياسات. إن ذلك يتطلب انخراط المدراء والموظفين في هذه العملية لكي يصبح بالإمكان تنفيذ المبادرات والإبقاء على الزخم المرافق للمسؤولية الاجتماعية. وبحسب البحث الذي أجريناه، يشكّل مدراء المسؤولية الاجتماعية للشركات عوامل تغيير هامة في هذا الصدد، غير أنه ينبغي الاعتراف بأدوارهم وتعزيزها إذا أرادت الشركات أن تصبح رائدة في تحقيق الاستدامة في ذلك الأمر.

أجرينا في عام 2013 مقابلات مع عينة من المدراء في عدة قطاعات صناعية متنوعة تضم 54 مديراً للمسؤولية الاجتماعية في شركات ألمانية متعددة الجنسيات، شملت شركات مثل "باير" (Bayer) و"بي إم دبليو" و"إس إيه بي" (SAP)، بحيث تحدثنا عموماً مع رؤساء أقسام المسؤولية الاجتماعية في كل شركة. وأردنا معرفة أهدافهم وأكبر التحديات التي تواجههم والاستراتيجيات التي وجدوها أكثر فعالية لإجراء التغيير التنظيمي المطلوب. تعود هذه الرؤى الأصلية لسنوات عدة خلت، غير أنّ المناقشات والعروض التقديمية الأخيرة أقنعتنا بأنّ هذه الرؤى لا تزال وثيقة الصلة بالحاضر. وعلى الرغم من التقدم الذي لا يمكن إنكاره فيما يتعلق باحترام المسؤولية الاجتماعية للشركات، لا يزال إيجاد زخم للاستدامة والتغيير الاجتماعي يمثل تحدياً كبيراً يتطلب المزيد من الفحص والتدقيق.

وجدنا أنّ ترغيب المدراء من المستوى المتوسط للمدراء الآخرين – في مجالات التسويق والمشتريات والإنتاج والمبيعات – على التفكير في تحقيق الاستدامة والمشاركة في المبادرات الجديدة، يقع على عاتق مدير المسؤولية الاجتماعية للشركة، وهو ما يمكن أن يشكل تحدياً كبيراً. ففي حين أقر الكثير من الرؤساء التنفيذيين وكبار القادة بأنّ المسؤولية الاجتماعية للشركات أمر "ضروري"، فقد قالوا لنا إنّ معظم المدراء من المستوى المتوسط لم يعتبروها كذلك. لقد اعتبروا أنّ الحافز المشجع على تحقيق الاستدامة وأيضاً الاهتمام بها كانا ضئيلين، وأنّ الموظفين شعروا بأعباء كبيرة لدى المشاركة في مشاريع جديدة للمسؤولية الاجتماعية. وأكد الأشخاص الذين أجريت معهم المقابلات أنه عندما طُلب من المدراء من المستوى المتوسط اعتماد ممارسات جديدة للمسؤولية الاجتماعية في عملهم اليومي وعملية صنع القرار، وجدوا أنّ هذه المهام لم تكن متوافقة مع أهدافهم المالية.

لقد حددنا أربعة تكتيكات وجدها المدراء أكثر فعالية في استنهاض الآخرين، وناقشوا صيغ تطبيقها على الرغم من أنّها لم تكن متواجدة بشكل متساو في كل الشركات بالضرورة. أكد المدراء الذين قابلناهم على أهمية تطبيق هذه الاستراتيجيات منهجياً من أجل التغلب على مقاومة التغيير وتنفيذ مبادرات المسؤولية الاجتماعية بنجاح. ويجدر بالذكر أنّ هذه التكتيكات لا تزال ربما أكثر فائدة اليوم، حسبما تشير دراسات حديثة حول "التأثير النفسي للمسؤولية الاجتماعية للشركات على الأفراد" والتي تركز على دور الأفراد في تنفيذ المسؤولية الاجتماعية للشركات.

أسس شبكة من الحلفاء الداخليين. إنّ تحديد الزملاء الذين يمتلكون شغفاً مشتركاً تجاه الاستدامة وبناء شبكة من الموظفين المهتمين بتطوير المسؤولية الاجتماعية للشركات، شكّلا عنصراً أساسياً في تطبيق المبادرات وجعل الاستدامة ذات فائدة تجارية في الإدارات المختلفة. كما أشار مدراء المسؤولية الاجتماعية إلى حاجتهم للحصول على دعم من الإدارة العليا من أجل تطوير مشاريع تجريبية: "إذا أردت دمج مواضيع المسؤولية الاجتماعية بنجاح في الشركة، عليك بناء شبكة من الأشخاص الذين يعرفون الشركة والذين تعرفهم"، وذلك حسبما قال أحد الأشخاص الذين قابلناهم. وقال آخر إنّه "عليك أن تتخطى النظام القائم وأن تؤسس مشاريع رائدة تساهم في توجيه الموظفين ومن ثم تعمل على توسيع نطاق ما تفعله".

أظهر أهمية الاستدامة. كان ربط الأفكار المجردة حول الاستدامة بروتين العمل اليومي للموظفين بمثابة رافعة أخرى لتعزيز الالتزام والدعم. وهذا يشتمل على ما تعنيه الاستدامة بالنسبة للشركة، وكذلك على أشخاص محددين ووظائف محددة. وكما لفت أحد المدراء، فإنّه "عليك فعلاً التواصل مع كل موظّف من الموظفين مهما كانت وظيفته، وأن توضح أهمية الاستدامة له".

شدد الأشخاص الذين قابلناهم على أنه في حين يمكن لمبادرات المسؤولية الاجتماعية أن تخلق شعوراً بوجود هدف بالنسبة للكثير من الموظفين، ينبغي النظر إلى هذا الأمر ضمن السياق الخاص بمواقفهم الشخصية. على سبيل المثال، عند محاولة حثّ عمال المصنع على التعامل مع المواد الخطرة بعناية، تبين أنّ تقديم المبادرة على أنها تهدف إلى مساعدتهم في تحمل المسؤولية تجاه أنفسهم وتجاه زملائهم كان أفضل من اعتبارها جزءاً من الأهداف الأوسع للشركة.

تحدث مدراء المسؤولية الاجتماعية للشركات أيضاً عن تأثير الاستدامة على تباين الوظائف التي يعمل فيها الموظفون. نظم الكثير من الأشخاص الذين أجريت معهم المقابلات ورشات عمل مع أقسام مثل الموارد البشرية والمحاسبة والمبيعات من أجل تحديد التحديات المرتبطة بالاستدامة التي تعنيهم مباشرة. على سبيل المثال، قد يساعدون مديراً في قسم الموارد البشرية على رؤية الرابط بين المسؤولية الاجتماعية الأقوى وتوظيف المواهب الأقوى، بينما قد يركزون عند التحدث مع المهندس على مسائل الكفاءة البيئية والحد من التلوث. كذلك جرى التركيز على الفائدة التجارية لبيئات عمل محددة، بدلاً من الترويج لصيغة منهكة من مفهوم "عالم أفضل" لم يفهم معظم الموظفين ارتباطها بالروتين اليومي الخاص بهم.

حدد الحوافز الملائمة. يمتلك الموظفون آراء مختلفة حيال الاستدامة، ما يجعل مدراء المسؤولية الاجتماعية للشركات يقضون بعض الوقت في تحديد شعور الموظفين المختلف تجاه المسؤولية الاجتماعية. أشار أحد مدراء المسؤولية الاجتماعية إلى أنّه "يمكن إقناعهم بذلك فقط عندما تعرف طريقة تفكيرهم وعقلياتهم". ولفت مدير آخر إلى ضرورة "معرفة ما الذي يحرك الناس وما الذي يؤثر فيهم فيما يتعلق بالمسؤولية الاجتماعية للشركات". عادة ما يشتمل ذلك على تطوير علاقات طويلة الأمد وإجراء حوارات منتظمة مع المدراء من المستوى المتوسط الآخرين على امتداد المؤسسة. وتوجّب تالياً على مدراء المسؤولية الاجتماعية للشركات أن يتأكّدوا من أنّهم كانوا يستخدمون اللغة والحوافز المناسبة مع الجمهور المناسب.

قال بعض المدراء، على سبيل المثال، إنّ الموظفين في الوظائف الإدارية، وخصوصاً الذين يمتلكون خلفيات مالية قوية أو يمتلكون شهادات في مجال الأعمال، كان إقناعهم بالمشاركة مرجحاً أكثر في حال أمكن تحديد مقدار المسؤولية الاجتماعية وتقديم جدوى تجارية قوية. في المقابل، كانت الحجج المتعلقة بالسمعة والآثار طويلة الأمد على الموظفين المستقبليين أو العملاء المستقبليين أكثر أهمية لدى أقسام التسويق وعلاقات المستثمرين والموارد البشرية. بالإضافة إلى ذلك، قال مدراء المسؤولية الاجتماعية الذين قابلناهم إنّ موظفي المصنع والعمالة اليدوية كانوا متحفزين أكثر لدى تقديم المسؤولية الاجتماعية على أنّها "الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله"، بغض النظر عن كيفية احتمال تعزيزها للأرباح.

ضع معايير قياس خارجية وداخلية. يُعتبر وضع معايير مرجعية لقياس التقدم المحقق في مشاريع المسؤولية الاجتماعية للشركات تكتيكاً مهماً آخر. فمن الذي يريد أن يكون متقاعساً فيما يخص الاستدامة؟ شرح مدراء المسؤولية الاجتماعية طريقتين للقيام بهذا الأمر: الأولى، معايير مرجعية داخلية تسمح بالمقارنة بين الأقسام المختلفة داخل الشركة من حيث الأهداف، مثل تقليل انبعاثات الكربون أو زيادة نسبة إعادة التدوير. وفي هذا الصدد، قال أحد الذين قابلناهم إنه أطلق مسابقة داخلية بين مصانع الشركة المنتشرة في العالم حول الإنتاج الأكثر استدامة بيئياً، بناء على عدد من المؤشرات المتفق عليها. وقد ساهم هذا التحدي حول أداء المسؤولية الاجتماعية إلى تبادل أفضل الممارسات ضمن الشركة.

والثانية، معايير مرجعية خارجية تسمح بمقارنة أداء المسؤولية الاجتماعية للشركة ككل مع أداء منافسيها، ويمكن قياسه عن طريق النظر في مؤشر شهير للمسؤولية الاجتماعية للشركات، مثل "مؤشر داو جونز للاستدامة"، على سبيل المثال. نجح هذا التكتيك أكثر عند مقاربة وظائف مثل التسويق أو الموارد البشرية، حيث كان موظفو هذه الأقسام منفتحين أكثر على ما تفعله الشركات المنافسة من حيث المسؤولية الاجتماعية ولم يريدوا أن يُنظر إليهم على أنّهم متخلّفين عن منافسيهم الرئيسيين.

توظف الكثير من الشركات مدراء للمسؤولية الاجتماعية، أو تضمّ قسماً كاملاً مسؤولاً عن دفع الشركة نحو مزيد من المسؤولية. ولكن مدراء المسؤولية الاجتماعية يواجهون مقاومة داخل شركاتهم، وينبغي عليهم اعتماد بعض الاستراتيجيات الأساسية لحث الآخرين على وضع الاستدامة ضمن الأولويات، وفقاً لما يظهر البحث الذي أجريناه. ففي يومنا هذا، يتطلب تحقيق المسؤولية الاجتماعية للشركات جهداً مشتركاً من جميع العاملين في المؤسسة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!