جمعت شركة نيو تي في (NewTV)، وهي شركة جديدة تركز على مقاطع الفيديو القصيرة، مليار دولار أميركي للتو، هذا بالإضافة إلى مبلغ 750 مليون دولار جمعته شركتها الأم وندركو (WndrCo) للمشروع. أُسست شركة نيو تي في على يد رجل الأعمال الأميركي جيفري كاتنزنبرغ، الذي عمل في السابق رئيساً لقسم الإنتاج في بارامونت (Paramount) ورئيساً لاستوديوهات والت ديزني وشارك في تأسيس استوديوهات دريم ووركس. وعيّن كاتزنبرغ مؤخراً ميغ ويتمان، الرئيسة التنفيذية السابقة لكل من إتش بي وإيباي، في منصب الرئيس التنفيذي لشركة نيو تي في. وتكمن فكرتهما في أن المستهلكين سيريدون خدمة اشتراك للترفيه القصير على الأجهزة المحمولة بدلاً من الأفلام الكاملة. وتتمثل خطتهما في إنشاء برامج مدتها 10 دقائق، أي ستشكل هذه الخدمة مزيجاً من يوتيوب ونتفلكس.

إنه رهان تكلفته نحو ملياري دولار أميركي ويستند إلى مجموعة من الافتراضات: هل يريد المستهلكون مشاهدة هذه المقاطع الترفيهية القصيرة على الأجهزة المحمولة؟ وبما أن شركة نيو تي في لن تكون مسؤولة عن إنتاج المحتوى، فإنها ستعتمد على الحصول على تراخيص أو عقد شراكات مع منتجي المواد الترفيهية التقليديين. هل ستنتج هذه الأطراف الأخرى محتوى سيحرص هؤلاء المتابعون على مشاهدته؟ ستعتمد نيو تي في على شركاء مثل شركات الاتصالات لتوزيع المحتوى (بالنظر إلى أن شركة فيرايزون الأميركية للاتصالات المتنقلة أغلقت للتو خدمتها غو ناينتي لمقاطع الفيديو القصيرة، سيكون من المثير للاهتمام أن نرى ما إذا كانت فيرايزون ستوزع عروض شركة كاتنزنبرغ).

لكن نيو تي في لا تخطط لاختبار هذه الافتراضات، فمع أقل من 10 موظفين واستثمارات بقيمة ملياري دولار، تخطط الشركة للقفز في المنافسة مباشرة.

إنها تمثل النقيض من الشركات الناشئة المرنة وقد تنجح، لماذا؟ لأن حجم اكتشاف العملاء وتوافق المنتجات مع السوق الذي تحتاج إلى إيجاده يتناسب عكسياً مع حجم وتوافر رأس المال المخاطر.

أزمة فقاعة الإنترنت

لا يتذكر معظم الطلاب الذين يدخلون الجامعة اليوم أزمة الإنترنت التي حدثت عام 2000. في الواقع، وُلد معظمهم في تلك السنة. للتذكير، سبقت هذه الأزمة فقاعة الإنترنت، وهي فترة دامت لخمس سنوات من أغسطس/آب عام 1995 (الاكتتاب الأولي لشركة نتسكيب) إلى مارس/آذار عام 2000 حينما كانت هناك موجة هائلة من التجارب على شبكة الإنترنت الجديدة آنذاك، في مجالات التجارة والترفيه ووسائل التواصل الاجتماعي الوليدة والبحث. كان رأس المال المخاطر متوافراً فجأة على نطاق واسع من خلال العروض العامة، وكانت أسعار الاكتتابات التقنية وأسعار التداول اللاحقة منفصلة عن الإيرادات والأرباح. وصف البعض هذه الفترة بأنها فترة من الوفرة الطائشة ولكن مثلما وصفت العالمة الفنزويلية كارلوتا بيريز، تمر كل الصناعات التقنية الجديدة بمرحلة ثورة وانفجار، يتبعها انهيار ثم عصر ذهبي ونضج، ثم تتكرر هذه الدورة مع مجموعة جديدة من التقنيات.

وبالنظر إلى أن سوق الأوراق المالية كانت تشتري "القصة والرؤية" لأي شيء متعلق بالإنترنت، كانت التوقعات المتضخمة أهم من المقاييس التقليدية مثل العملاء أو النمو أو الإيرادات أو الأرباح. كتبت الشركات الناشئة الخطط ووضعت تنبؤات موسعة لمدة خمس سنوات ونفذت هذه الخطة (وظفت وأنفقت وبنَت). أصبحت فكرة "ميزة المبادر الأول"، التي تتمثل في أن الفائزين هم الذين كانوا أول من دخلوا أسواقهم، هي الحكمة التقليدية في شركات وادي السيليكون. لم يفهم المبادرون الأوائل مشكلات العملاء أو خصائص المنتجات التي تحل هذه المشكلات (ما نطلق عليه الآن توافق المنتجات مع السوق). خلال فترة الفقاعة، كانت هذه الشركات الناشئة في الواقع تخمن نموذج أعمالها وأحدثت ضجيجاً سابقاً لأوانه وكانت لديها معدلات حرق مرتفعة للغاية – واستند كل ذلك إلى أنها ستطرح اكتتابات أولية لجمع المزيد من المال. ولكي نكون منصفين، لم يكن هناك أي نموذج آخر في القرن العشرين لكيفية إنشاء الشركات الناشئة سوى كتابة خطة وجمع المال اللازم لتنفيذ هذه الخطة، وساهمت الفقاعة في تنشيط هذه الطريقة أكثر.

ثم انتهى كل شيء ذات يوم، وتوقفت الاكتتابات الأولية. ونفد المال من الشركات الناشئة ذات معدلات الحرق المرتفعة. واختفت معظم الشركات الناشئة التي ظهرت خلال فترة الفقاعة في فترة الفقاعة.

صعود الشركات الناشئة المرنة

بعد أزمة فقاعة الإنترنت، كان رأس المال المغامر نادراً أو معدوماً (كانت قيمة معظم صناديق التمويل التي بدأت في الجزء الأخير من فترة الفقاعة أقل من قيمتها النظرية). اختفى الاستثمار الملائكي، الذي كان أصغر من أن تبدأ الشركات به، وتوقف رأس المال المغامر لمعظم الشركات، ولم يعد أصحاب رأس المال المغامرون يصرون على الشركات الناشئة للمجازفة مقابل تحقيق عوائد كبيرة. في الواقع، كانوا يصرخون في هذه الشركات لتقليل معدلات الحرق لديها بشكل كبير. كان شتاء نووياً لرأس المال الخاص بالشركات الناشئة.

بُنيت فكرة الشركات الناشئة المرنة على أنقاض الانهيار الذي حدث بسبب فقاعة الإنترنت.

ومع وجود رأس المال المخاطر وإغلاق الأسواق العامة، كانت الشركات الناشئة تحتاج إلى منهجية للحفاظ على رأس المال والصمود لفترة تكفي لتوليد الإيرادات والأرباح. ولفعل ذلك، كانت هذه الشركات تحتاج إلى طريقة أخرى بدلاً من مجرد تأسيس الشركة وانتظار الأرباح لتأتي. كانت هذه الشركات بحاجة إلى أن تتأكد أن ما كانت تبنيه هو ما كان يريده العملاء ويحتاجون إليه. وإذا كانت تخميناتهم الأولية خاطئة، كانت الشركات بحاجة إلى عملية تسمح لهم بالتغيير مبكراً في عملية تطوير المنتجات عندما تكون تكلفة التغيير قليلة.

بدأ مفهوم المرونة من ملاحظة أن الشركات الناشئة لم تكن نسخا مصغرة من الشركات الكبيرة؛ فالشركات الكبيرة نفذت نماذج أعمال معروفة، بينما بحثت الشركات الناشئة عن نماذج جديدة. ولكن في حين كانت لدينا العديد من الأدوات للتنفيذ، لم تكن لدينا أي أدوات للبحث؛ لذلك بنينا هذه الأدوات. وساعد ذلك الأمر – خلال الشتاء النووي الذي تبع فقاعة الإنترنت – في أن تصبح الشركات الناشئة ورؤوس الأموال المغامرة متقبلة للأفكار الجديدة.

وكما وصفت في مقالي بمجلة هارفارد بزنس ريفيو بعنوان "لماذا تغير الشركات الناشئة المرنة كل شيء"، طوّرنا مفهوم المرونة كحزمة حلول مكونة من نموذج الأعمال/تطوير العملاء/التطوير الرشيق، حيث يخطط رواد الأعمال أولاً افتراضاتهم بشأن نموذج الأعمال الخاص بهم ثم يختبرون هذه الافتراضات مع العملاء في الميدان (تطوير العملاء) ويستخدمون منهجية تطوير مكررة وتدريجيّة (التطوير الرشيق) لبناء المنتج. وسمح ذلك للشركات الناشئة ببناء منتجات صغيرة قابلة للتطبيق – نماذج أولية تدريجية ومتكررة – ووضعتها أمام عدد كبير من العملاء للحصول على ردود أفعال فورية. وعندما اكتشف المؤسسون أن افتراضاتهم كانت خاطئة – كما فعلوا حتماً – لم تشكل النتيجة أزمة، بل كانت حدثاً تعليمياً يدعى المحور، وكانت فرصة لتغيير نموذج الأعمال.

النتيجة؟ أصبح لدى الشركات الناشئة الآن أدوات تسرّع عملية البحث عن العملاء وتقلل الوقت اللازم للتسويق وتخفض تكاليف التطوير.

الاستيلاء على النقد

تدخل كل شركة ناشئة في سباق مع الزمن، إذ يجب عليها إيجاد التوافق بين المنتجات والسوق قبل أن تنفد مواردها النقدية. ويصبح مفهوم المرونة منطقياً عندما يكون رأس المال شحيحاً وعندما تحتاج إلى إبقاء معدلات الحرق منخفضة. صُمِمَ مفهوم المرونة لنقل رؤية المؤسس للعمل بسرعة، وليس كمجموعة تركيز لتحقيق الإجماع بين من ليست لديهم قناعات عميقة.

واليوم، تلاشت ذكريات رأس المال المغامر المقتصد، وأصبح هيكل رأس المال المخاطر مختلفاً بشكل جذري. إن انفجار التمويل الأولي (تمويل رأس المال الأولي) يعني أن عشرات الآلاف من الشركات تحصل على التمويل، ومن المحتمل أن يكون حجم الطلب أكبر من مقدار تمويل الفئة الأولى الذي تلقته الشركات خلال فترة فقاعة الإنترنت. توفر الهواتف النقالة منصة يستخدمها جميع الأشخاص في العالم تقريباً.

وتملك صناديق الشركات والصناديق السيادية وحتى صناديق رؤوس الأموال المغامرة عشرات مليارات الدولارات، وتبحث جميعها عن النموذج الجديد من شركات ناجحة مثل تيسلا أو أوبر أو إير بي إن بي أو علي بابا. وترغب معظمها في الرهان على شخص لديه سجل أعمال ناجح مثل كاتزنبرغ، ولديه رؤية لإزعاج صناعة بأكملها.

باختصار، كانت المرونة إجابة عن سؤال محدد ما زال معظم رواد الأعمال يواجهونه، ويتراجع ويتدفق اعتماداً على أسواق رأس المال. إنها استجابة لرأس المال الشحيح، وعند تخفيف هذا القيد من الجدير بالاعتبار أن يجري تحديد ما إذا كانت هناك أساليب أخرى أفضل. ومع توفر رأس مال كاف، يمكن أن يتحمل كاتزنبرغ إنشاء المحتوى وإبرام صفقات التوزيع، ومعرفة ما إذا كان المستهلكون يشاهدون هذا المحتوى. وإذا لم يكن الأمر كذلك، ما زال لديه خيار تغيير نموذج الأعمال. وإذا كان على صواب، سيكون العائد ضخماً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!