تابعنا على لينكد إن

هل الغاية تبرر الوسيلة؟ هذا السؤال يثير عادة التساؤل حول أخلاقيات العمل، والمتمثلة بمنظومة الأفكار والمفاهيم التي يتوقعها القانون والسوق (المستهلك) بأن تحكم اتخاذ القرار في بيئة الأعمال، من حيث صعوبة الحفاظ على التوازن ما بين اتخاذ القرارات الأخلاقية في العمل وتحقيق العوائد والأرباح بما يتناسب مع توقعات حاملي الأسهم وأعضاء مجالس الإدارة، حيث يعد “الربح” في النظرية الكلاسيكية الحديثة في الاقتصاد الاعتبار الأهم في اتخاذ القرارات الاستراتيجية للمؤسسة.

مؤخراً، قام أيلون مسك، رئيس ومؤسس كل من شركتي سبيس إكس (SpaceX) وتيسلا موتورز (Tesla) بحذف حسابات فيسبوك للشركتين بعد توارد الأخبار عن خرق إحدى شركات البيانات البريطانية وهي شركة كامبريدج أناليتيكا (Cambridge Analytica) خصوصية بيانات أكثر من 50 مليون مستخدم من مستخدمي فيسبوك عبر الولايات المتحدة الأميركية.

وما يهمنا في الأمر، من منظور استراتيجية الأعمال وإدارة الأداء، هو النهج الاستراتيجي الذي اتبعته شركة كامبريدج أناليتيكا من خلال قرارات مديرها التنفيذي أليكساندر نيكس في دعم أعمالها من خلال خرق خصوصية عملاء فيسبوك، والحصول على بياناتهم وبيانات “أصدقائهم” باستخدام أداة طورت أساساً بهدف البحث العلمي الأكاديمي من خلال استبيان تحت عنوان “تعرف على هويتك الإلكترونية”، ومن ثم استخدام هذه البيانات من دون موافقة أصحابها كسلعة في الفضاء الإلكتروني، ما ساهم في الترويج لمنتجات وأفكار بعينها.

تمكنت شركة كامبريدج أنالتيكا من النمو من مقرها في لندن لتصبح إحدى أهم الشركات في مجال البيانات في العالم خلال فترة وجيزة، وامتدت أنشطتها الى الولايات المتحدة الأميركية، والأرجنتين ودول الاتحاد الأوروبي محققة ملايين الدولارات خلال الفترة من العام 2014 إلى العام 2018.

وفي مثال آخر على اتخاذ القرارات الاستراتيجية باعتبارات الربحية المطلقة، دون النظر إلى اعتبارات المسؤولية المجتمعية أو أخلاقيات الأعمال، قام المدير التنفيذي لإحدى شركات الأدوية الأميركية وهو مارتن شركلي برفع سعر أحد الأدوية الاحتكارية المنقذة للحياة بقيمة تفوق 5,000 في المئة لأنه كما قال: “إذا اشترينا سيارة وهي سيارة من شركة آستون مارتن مثلاً بسعر دراجة هوائية، ثم قمنا ببيعها بسعر تويوتا، فإنها ليست جريمة!”.

وعلى الرغم من أنّ القرار برفع السعر قد لا يكون مخالفاً للقانون، فإنّ تبعاته الاجتماعية والإنسانية انعكست سلباً على أداء الشركة، بينما يواجه شركلي حالياً مجموعة من الاتهامات أمام القضاء الأميركي.

والسؤال من منطلق التخطيط الاستراتيجي، هل يبرر ما تحققه شركات مثل كامبريدج أناليتيكا من أداء ربحي قوي، وانتشار سريع في عالم البيانات والإعلانات الموجهة، ما قامت به المؤسسة من خرق لأبسط أساسيات أخلاقيات البحث العلمي وخصوصية العملاء؟ أو هل يبرر العائد الاستثماري الكبير للدواء المحتكر رفع كلفة العلاج وربما منعه عمّن يحتاجه لارتفاعه الكلفة؟

لا يتسع المجال هنا لذكر الأمثلة العديدة لاستخدام هذه الفلسفة في اتخاذ القرار الاستراتيجي خلال السنوات الأخيرة. ولكن العامل المشترك الأكبر في نتائج استخدام هذه الفلسفة في عملية اتخاذ القرار الاستراتيجي هي أنها تؤدي إلى مردود مؤقت وقصير الأمد، وتأتي بنتائج عكسية، وفي العديد من الأحيان مدمرة، على المدى الاستراتيجي لهذه المؤسسات.

كلا المديرين التنفيذيين للشركتين، أي مارتن شركلي وأليكساندر نيكس، يمثّلان تجسيداً عملياً لمفهوم الاقتصاد النيو كلاسيكي المعتمد على مبدأ العرض والطلب لتحديد السعر، حيث يمثل الربح أهم ما في معادلة اتخاذ المدراء التنفيذيين للقرار الاستراتيجي، متجاهلاً، وبشكل متعمد، التبعات الاجتماعية والإنسانية لهذه القرارات الاستراتيجية على المجتمع والبيئة التي تمارس فيها المؤسسة أعمالها. وما غاب عن عملية اتخاذ القرار في مثل هذه الحالات، هو أنّ نظريات علم الإدارة المعاصر ومعظم نتائج الدراسات المعاصرة تدعم وبشكل كبير الأداء المتوازن للمؤسسة، بالإضافة الى المسؤولية المجتمعية للمؤسسة، على اعتبارها المعايير الأساسية لتحديد نجاح المؤسسة، كما يتضح ذلك من خلال معايير جوائز التميز المؤسسي كالجائزة الأوروبية للامتياز (EFQM).

وفي الواقع، إنّ نظريات وأبحاث علم الإدارة المعاصرة تشير إلى أنّ التصرف الأخلاقي والالتزام بالمسؤولية المجتمعية خلال عمليات اتخاذ القرار الاستراتيجي يعود بنتائج إيجابية على نتائج الأعمال، وذلك ما قاله كل من فانغ فاو من كلية إدارة الأعمال في جامعة إلينوي – شيكاغو، الولايات المتحدة الأميركية، ولينغ ليسك من كلية الإدارة في جامعة جورج ماسون، الولايات المتحدة الأميركية، وإيفي زانغ من كلية كارلسون للإدارة، في جامعة مينيسوتا، الولايات المتحدة الأميركية، في دراستهم عن الالتزام الأخلاقي في العمل، وهو ما ورد أيضاً في دراسة قام بها كل من هنري سيرفايس وآني تامايو حول أثر المسؤولية الاجتماعية للشركات على القيمة الحقيقية، وما ورد أيضاً في بحث يعود للعام 2014 قام به كل من يونتاغ كيم، وهيدان لي، وسيكي لي حول عمل المدراء التنفيذيين.

وحسب دراسة نشرت في الوول ستريت جورنال في العام 2008، فإنّ المستهلك على استعداد لدفع قيمة أو سعر أعلى مقابل الحصول على منتج متوافق وأخلاقيات الأعمال. بأسعار وقيم تصل إلى 65 في المئة أعلى من سعر المنتجات الأخرى. كما يمكن صياغة القرار الاستراتيجي بشكل أخلاقي ومسؤول مجتمعياً حتى ضمن أصعب الظروف كإعادة الهيكلة ومواجهة التقلبات الاقتصادية.

وعليه، لا يمكن الاستمرار بنهج قرارات شركلي ونيكس في تجاهل ممارسات الأعمال الأخلاقية، فإنّ التوافق الأكاديمي والدراسات الحديثة لنتائج أعمال الشركات بشكل عام، وعلى الرغم من الاختلاف على المنهجيات الأنسب، تؤكد ضرورة تحديد التوجهات الاستراتيجية للمؤسسة، من منطلق الالتزام بمنظومات الأخلاقيات المؤسسية والمسؤولية المجتمعية لإدارة الأعمال كأساس النجاح والتقدم المؤسسي، حيث يمكن لمتخذ القرار المؤسسي الاستعانة بمعايير معتمدة دولياً، كالإطار المحاسبي “ثلاثية الربح“، لاحتساب الربح من خلال المحاور الأساسية: الأثر الاجتماعي، والأثر البيئي، بالإضافة إلى الأثر المالي، كما يمكن الاستفادة من تطبيق منهج الإدارة المتوازنة للأداء للحفاظ على نظرة شمولية لأهداف المؤسسة، واستخدام مرجعية شمولية لتطبيق أفضل الممارسات الدولية المعتمدة للمسؤولية المجتمعية بما تتضمنه من ممكنات الإدارة المستدامة والأخلاقية ومن أهمها ضمان الحوكمة المؤسسية، وتطبيق ممارسات أعمال نزيهة انطلاقاً من داخل المؤسسة، بالإضافة إلى الالتزام بالقوانين والتعليمات، كالسبيل الأمثل لتجاوز متلازمة الربح. 

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz