عندما أتحدث إلى مجموعات كبيرة عن القيادة، فإنّ السؤال الذي غالباً ما أطرحه هو “كم واحد منكم حظي بإشادة من مديره لكنه شعر أنها إساءة إليه في حقيقة الأمر؟”. لقد رفع أكثر من ثلثي الأشخاص الحاضرين في الغرفة أيديهم. وعندما أتعمق أكثر فيما وجده الأشخاص مسيئاً لهم في إشادة مدرائهم، تكون أكثر الإجابات الشائعة التي أسمعها هي أنها “لم تكن صادقة أو نابعة من القلب” وأنهم “لم يعلموا حقاً ما الذي كانوا يشيدون به”.

وعندما يبدو القادة أنهم فقط يطبقون أسلوباً تحفيزياً قرأوا عنه، يدرك الموظفون حقيقة هذه الجهود السطحية الإلزامية. إذ يبدو الأمر وكأنهم تخلصوا من واجب “تحفيز شخص ما هذا اليوم”! إنّ التحفيز ليس شيئاً تفعله للآخرين؛ ففي نهاية المطاف الشخص نفسه هو من يقرر إن كان لديه الحافز أم لا، وهو الذي يقرر متى يبذل ما في وسعه ويقدم أفكاراً تحدث تحولاً. ويكون الشيء الوحيد الذي يمكن للقادة فعله هو تهيئة الظروف التي يقرر الآخرون من خلالها أن يكون لديهم الحافز أم لا، والقرار النهائي يرجع إليهم.

لسوء الحظ، يدرك عدد قليل من المدراء ذلك؛ ومن هنا فهناك فجوة بين جهودهم والنتائج التي يحصلون عليها. وتُظهر دراسة أجريت لمدة 10 سنوات بمشاركة أكثر من 200 ألف موظف أنّ 79% من الموظفين الذين تركوا وظائفهم أشاروا إلى أنّ عدم التقدير هو السبب الرئيس وراء تركهم لوظائفهم. ووفقاً لتقرير حالة أماكن العمل الأميركية الصادر عن مؤسسة غالوب عام 2017، فقد اتفق 21% من الموظفين فقط على أنّ أداءهم يُدار بطريقة تحفزهم للقيام بعمل رائع. وفيما يلي ثلاثة من أكثر أشكال “التحفيز” إساءة، وقد شاهدت المدراء يتبعوها، بالإضافة إلى ثلاثة أساليب بديلة رأيتها تنجح بشكل مذهل.

الإشادة الخاطفة: غالباً ما يضطر المدراء النشطون إلى ضغط جهودهم في الإشادة لتتناسب مع جداولهم المزدحمة بالفعل؛ ولذلك يوجهون أنظارهم فجأة إلى مكاتب موظفيهم في طريقهم إلى الاجتماعات الأخرى ليقولوا عبارات مثل “مرحباً، لقد قمت بعمل رائع هذا الصباح في مراجعة مسار المبيعات”، أو يرسلون رسالة نصية تحتوي على عبارات مثل: “آسف لأنني لم أتمكن من التواصل معك قبل أن أرحل، لكنني قرأت للتو التحليلات الحديثة التي قمت بها وهي تبدو رائعة، شكراً لك!” بشكل سطحي، تبدو هذه الجهود غير مسيئة وربما إيجابية. لكن بالنسبة للمتلقي، يمكن أن تبدو أنها إشادة غير شخصية وغير كافية، خاصة إذا كانت هذه الإشادات الخاطفة هي الشكل الوحيد من الإشادة التي يقدمها المدير لموظفيه.

الإشادة الكاذبة: خلال استراحة ضمن اجتماع كنت أديره مع فريق تنفيذي، شاهدت مديراً تنفيذياً يقول لأحد الموظفين التابعين له مباشرة “فقط لكي تعلم، كنت أخبر رئيس الشركة وفريقه هذا الصباح عن العمل الرائع الذي تقوم به”، ثم أشار له بغمزة يبدو كأنها تعني “أنا أدعمك”. المشكلة الوحيدة هي أنّ هذا لم يحدث قط، أقصد أنّ مديره لم يدعمه في أي موقف قبل ذلك. ولم تسفر تلك الإشادة عن أش شيء سوى ابتسامة الموظف المصطنعة أيضاً وقد هم قائلاً: “مدهش! هل قمت بذلك من أجلي؟”، اتضح لي أنّ الموظف لم يصدق هذا الأمر. إذ يعلم الموظفون عندما يكون مدراؤهم غير مخلصين أو يكذبون صراحة. وسواء كانت هذه القصص المختلقة حسنة النية أم لا، فإنها تؤدي إلى تآكل رصيد ثقة الموظف بمديره.

الإشادة بسبب الشعور بالذنب: إنه لأمر محرج للغاية عندما يحاول المدير الذي يشعر بالذنب أن يعوض ذلك بتعبير فياض عن تقديره للموظف. سيقول المدير، الذي ربما يطلب من الموظف بذل الجهد والتضحية للوفاء بموعد التسليم النهائي، عبارات مثل: “ليست لديك فكرة عن حجم تقديري لما تقوم به. لا أعلم ماذا كنت سأفعل إذا لم تقم بذلك من أجلي اليوم. أنا مدين لك بالشكر والعرفان!” أو ربما قال ما هو أسوأ من ذلك إذا كان شعوره بالذنب شديداً، وسيفعلون ذلك على الملأ، وهو ما ينطوي على نوع من التلاعب. سيتخلص هذا المدير من واجب “الثناء على الملأ” – وهو أسلوب مقترح شائع – بأن يقول عبارات مثل “هلا صفقنا جميعاً لليلى على هذا العرض التقديمي الرائع الذي أعدته؟” كان الثناء والتقدير سيصبح أكثر صدقاً ونابعاً من القلب لو قال المدير: “هلا صفقنا جميعاً لليلى على هذا العرض التقديمي الرائع الذي أعدته، والذي أهملت طلبه منها حتى الساعة الثامنة مساء الليلة الماضية لأنني نسيت أنني سأقوم بمراجعة تجزئة العملاء هذا الصباح؟”.

يتمثل النقص الشائع في هذه الأساليب الخاطئة في أنها تخدم جميعاً القائد الذي يقدم الثناء، وليس المتلقي. إذا كنت ترغب في تحويل نواياك الحسنة إلى تعبيرات ذات مغزى أكبر من الثناء والتقدير، فكر في البدائل التالية.

اسأل عن القصة: لا شيء يؤكد العمل الرائع الذي قام به الموظف أكثر من قول المدير له: “كان ذلك رائعاً حقاً.. أخبرني كيف فعلت ذلك؟” من خلال السؤال عن القصة التي تقف خلف هذا الإنجاز والاستماع إليها باهتمام، فإنك كقائد تقّر بأنّ المساهمة التي قدمها الموظف تعد بمثابة إضافة لعمله وتساعده على الشعور بأنه مهم حقاً هو وعمله بالنسبة للمؤسسة. ومن خلال الافتخار بالقصة التي تقف خلف هذا العمل، فإنك تفتخر بالنتائج أيضاً وكذلك بالموظف الذي حققها. وستأخذ فكرة أيضاً عما يدور في عقل هذا الموظف: كيف يحل المشاكل، ومتى تساوره الشكوك، وأي الأدوار يحبها في العمل، وما الذي يشعره بالفخر. وتصبح هذه الأفكار لا تُقدر بثمن لاحقاً، وعندما تكلّف موظفيك بالمهام ستعرف ما هي المهمة الأكثر إمتاعاً لهذا الموظف.

وضع الامتنان في سياقه: لا يرى الموظفون الذين يقبعون في المستويات الأقل داخل المؤسسة في الغالب كيف تسهم جهودهم في تنفيذ استراتيجيات المؤسسة على نطاق واسع. وتظهر إحدى الدراسات الاستقصائية أنّ 47% فقط من الموظفين يمكنهم الربط بين واجباتهم اليومية وأداء الشركة. وبدلاً من افتراض أنّ هؤلاء الموظفين الذين تتولى قيادتهم يُقدرون السياق الأكبر الذي تسهم فيه جهودهم، خذ الوقت الكافي لتعليمهم. أخبرهم أنك تُقدر جهودهم ليس فقط لأنك تستفيد منها، لكن لأن المؤسسة ككل تستفيد منها أيضاً. على سبيل المثال، لنفترض أنّ مديراً جعل فريقه يستخدم منصة تقنية جديدة كجزء من اختبار تجريبي لهذه المنصة. يجدر بك أن توضح لهم أنّ هذا الجهد سيسهم في قبول مبادرة لإدارة عملية تغيير واسعة داخل الشركة وأنّ ذلك يعد نموذجاً رائعاً للموظفين الذين يقاومون التغيير أمام جميع الموظفين الآخرين.

الإقرار بالكلفة: لا توجد مساهمة كبيرة دون كلفة شخصية تقع على عاتق الشخص الذي يقدمها. فسواء ضحى الموظفون بقضاء أوقات مع عائلاتهم، أو عانوا من الضغوط النفسية للقيام بشيء جديد، أو تحملوا المخاطر من أجل خروج المشروع للنور، فاحرص أن يعلم الموظفون أنك تدرك كم كلفهم ذلك من عناء. إذ يخفي معظم الموظفين أية معاناة صاحبت جهودهم خوفاً من ظهورهم ضعفاء أو غير أكفاء. ولكن الإقرار بالتحديات التي ربما يواجهونها تجعل ثناءك أكثر مصداقية، وتجعل الأمر أكثر أماناً بالنسبة للموظفين ليكونوا صريحين معك في المستقبل عندما يواجهون صعوبات أو تحديات.

إنّ إحدى مهام القائد هي توفير بيئة عمل ثرية بالثناء والعرفان، وفي هذه البيئة سيقرر الموظفون تحت إدارته أن يقدموا أفضل ما لديهم في العمل. وهذا يبدأ من خلال التأكيد على أن يلبي الثناء حاجات من يقدم لهم الثناء، وليس حاجاتك أنت.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!