تابعنا على لينكد إن

في أحد الأيام في نهاية الثمانينات كنت أجلس في قاعة محاضرات في إحدى الجامعات أستمع إلى محاضرة لآبي هوفمان وهو كاتب وناشط معروف، وكان يتحدّث بجدّية عن حالة اللامبالاة التي أصابت جيلنا. وكان إلى جانبي غلوريا إيمرسون وهي صحفيّة وكاتبة مبدعة ومتميّزة، وكنا نتبادل أطراف الحديث حول محاضرة هوفمان، فأخبرتها كم أحببت أن أغوص مجدداً في هذه الأفكار العميقة.

قلت لها: “إنّها فرصة عظيمة أن يتاح لي أن أكون هنا اليوم وأخوض في نقاشات مع أشخاص أذكياء ومثقفين”.
فكان جوابها: “آه، لا تكن سخيفاً. بإمكان أي شخص أن يكون طرفاً في هذه الحوارات، ما عليك سوى أن تقرأ بعض الكتب!”

العجيب في الأمر هو أنني بحكم تخصصي في التاريخ كنت أقرأ ثلاثة أو أربعة كتب كل أسبوع. ولكن غلوريا على حق، فقراءة هذه الكتب هو ما أتاح لي فرصة الجلوس على تلك الطاولة، وأن أشارك في حوار مع بعض الشخصيات العظيمة.
وها أنا ذا بعد العديد من السنوات أعود إلى هذا الحوار. منذ أن بدأت برنامجي الحواري على مدونتي الصوتيّة وأنا أقرأ أكبر قدر ممكن من الكتب غير الأدبيّة، فأقرأ كتاباً واحداً على الأقل في الأسبوع. وهذا الأمر ضروريّ لعملي، فعليّ أن أقرّر إن كان من المناسب أن أستضيف الكاتب وأتحدث عن آرائه، والسبب الثاني هو أن يكون الحوار ذا قيمة إن حلّ الكاتب ضيفاً في البرنامج. (قد لا يحتاج هذا الأمر توضيحاً، ولكن قد تستغرب إن أخبرتك عن عدد المرات التي قابلني فيها أشخاص لم يقرأوا أي كتاب من مؤلفاتي).

إنني غنيّ بفضل هذه القراءات التي قمت بها، فأنا أعرف أكثر وأُقدم على مزيد من المغامرات وأطبّق خبراتي ممّا أقرأ وأتعلم. ثم إننّي أشعر بقدر أكبر من الثقة تجاه آرائي وأفعالي، كما أنني أفهم الآخرين بشكل أفضل لأنني أكثر مقدرة على تقدير مجريات الأمور وظروفها.

ولكنّ القراءة ممارسة تحتاج إلى وقت. لقد كنت مشغولاً جدّاً حين بدأت قراءة عدّة كتب في الأسبوع، علماً بأنني قارئ بطيء.

جرّبت الطرق المختصرة التقليدية، ولكنها لم تفلح معي. لقد كانت المختصرات غير كافية لفهم الكتاب، كما أنّ الخلاصات التنفيذية رديئة للغاية. لا أذكر أنني قرأت خلاصة تنفيذية قادرة على نقل ما هو مثير ومفيد بشأن أي كتاب.

فكيف يمكن إذن قراءة كتاب أو أكثر كل أسبوع؟ أعتقد أنّ أكثر ما أفدت منه هو بعض النصائح التي تلقّيتها وأنا في الجامعة. لقد كان البروفسور مايكل غمينيز، أستاذ تاريخ أمريكا اللاتينية، أحد أفضل الأساتذة الذين درسوني، وأخبرته ذات يوم أنّني أستصعب قراءة المقررات التي كلفنا بها.

فقال لي: “أخشى أنّك تقرأ هذه الكتب كلمة كلمة كأنّها كتب روائية”.

فأخبرته أنّني أقرأ هكذا.

فنظر حوله في القاعة ورأى بقية الطلاب يحركون رؤوسهم بإقرار كأنهم يشكون مما أشكو، فما كان من الأستاذ إلا أن جمعنا وعلمنا كيف نقرأ الكتاب غير الأدبيّ.

شرع الأستاذ يقول: “أصغوا إلي، أنتم لستم بحاجة إلى قراءة هذه الكتب، ولكنكم تحتاجون أن تفهموها”.

وأضاف قائلاً: إن قراءة الأدب تتطلب منّا أن ندخل في عالمٍ من صنع الكاتب في تجربة أكثر عمقاً، أمّا الكتابات غير الأدبية فإنّها ذلك النوع من الكتب الذي نحتاج قراءتها كي تعيننا في عملنا كقادة في عالم الأعمال، فهي تقدم فكرة وتعرض علينا أن نستفيد منها.

نحن بالقراءة نكسب الأفضليّة ونضمن التفوّق، وكلّما قرأنا أكثر ازدادت سرعة استيعابنا للمزيد من الكتب وبتنا أقدر على الربط بينها وبين أفكار المؤلفين الآخرين، كما سنكون أكثر ثقة حين نطبق النصائح التي نقرأها أو نعتمدها في حياتنا العمليّة.

وبعبارة سريعة يمكن أن نقول، القراءة الكثيرة هي السبيل إلى القراءة السريعة.

سأعرض في النقاط الآتية توجيهات الأستاذ غمينيز لقراءة الكتب غير الأدبية بالإضافة إلى بعض النصائح منّي:

  • ابدأ بالتعرف إلى الكاتب، واقرأ نبذة عن سيرته وابحث عن مقابلة أو مقالة سريعة عنه في الإنترنت. اقرأ هذه المعلومات بسرعة لأنّها ستعطيك فكرة عن توجهات الكاتب وإن كان لديه تحيّز لقضيّة ما.
  • اقرأ العنوان والعنوان الفرعي والمعلومات التي على الغلاف وانظر في فهرس المحتويات لتعرف الفكرة العامّة للكتاب والطريقة التي يتناول بها الكاتب الموضوع. لاحظ أنّك قادر بهاتين الخطوتين وحسب على أن توضّح الفكرة العامّة للكتاب إن سألك شخص عنه.
  • اقرأ المقدّمة والخاتمة، فالمؤلف عادة ما يضع خلاصة رأيه في مقدمة الكتاب وخاتمته. اقرأ هذين القسمين بأكملهما بشكل سريع. أنت الآن تمتلك فهماً عاماً لرأي الكاتب، فالمقدّمة تعطيك فكرة عن منهجيته في الوصول إلى رأيه والخاتمة ستوضّح لك ما يأمل الكاتب أن تخرج به من الكتاب.
  • اقرأ/تصفّح فصول الكتاب. اقرأ العنوان وابدأ بالفقرات الأولى وتنقل بين الصفحات الأولى للفصل لترى مكان هذا الفصل في بناء الفكرة العامّة للكتاب. ثم تنقّل بين العناوين والعناوين الفرعية (إن وجدت) لتحدّد الأسلوب الذي يسير عليه الكاتب. اقرأ الجمل الأولى والأخيرة من كل فقرة، فإن فهمت الفكرة المقصودة فتابع التصفح، وإلا فارجع للفقرة واقرأها كاملة. وحين ترى أنّك فهمت ذلك الفصل، فابدأ بالقراءة السريعة صفحة صفحة فيه لأنّ الفكرة ستكون أوضح وستجد شيئاً من التكرار في بعض صفحاته.
  • أعد قراءة فهرس المحتويات بعد الانتهاء من تصفح الفصول وارسم ملخصاً للكتاب في ذهنك. حاول في بضع لحظات أن تعيش مرة أخرى مع الكتاب وتتخيّل مسار أفكار الكاتب والحجج التي قدّمها والقصص التي ذكرها والرحلة التي قضيتها مع الكاتب.

أحرصُ أثناء قراءتي على كتابة الملاحظات كي أحضّر نفسي للحوار مع المؤلف، فأحدد النقاط التي أتفق به معها أو أختلف، وأدوّن بعض الأسئلة التي علقت في ذهني، وأفكر بما يجدر بي مناقشته مع الآخرين أو ما يجب أن أفكّر به بشكل أعمق في الفترة المقبلة. وأجد أنّ كتابة مثل هذه الملاحظات ستكون أمراً مفيداً لكلّ قارئ.

رغمّ أنّ هذه الطريقة في القراءة أكثر سرعة من الطريقة التقليدية (يستغرق مني الكتاب ساعة إلى ساعتين بدلاً من ست ساعات أو ثمانية) إلا أنّها في الوقت ذاته تساعدك على حفظ قدر أكبر من المعلومات، وهذا هو الجانب المثير في هذه الطريقة.

والسرّ في ذلك هو أنّ هذه الطريقة تدفعك إلى الانخراط في الكتاب والتفاعل معه بدلاً من الاكتفاء بمجرّد القراءة. إن ذهنك يبقى متيقظاً طوال الوقت ولذا تكون قادراً على تكوين صورة متكاملة عن الكتاب، فأنت لا تتلقّى المعلومات وحسب وإنما تستنبط ما في الكتاب وتحلله.

كنت أهدف حين بدأت برنامجي الحواري إلى أن أمنح المتابعين فرصة الاستماع إلى حوارات أجريها مع شخصيات مميّزة في ذكائها وحضورها للحديث عن اهتماماتهم وخبراتهم وتعليمهم وآرائهم. ولكنّ ما أذهلني هو أنني اكتشفت أننا نمتلك القدرة من خلال قراءة كتبهم على تكوين معرفة عميقة بهم. صحيح أنّ هذه الحوارات أمّدتني بالكثير، ولكنّ هذا لم يكن ليحدث لو أنّني لم أقرأ ما يكتب الشخص قبل أن ألتقي به.

نستطيع جميعنا أن نقرأ الكتب ونستمع إلى الحوارات مع الكتّاب الأذكياء البارعين لنتمكن من التعرف على الأفكار العظيمة ونستفيد منها في حياتنا.

وفي النهاية أقول: يمكننا بقليل من الجهد فقط أن نعود إلى مقاعد الدراسة والتحصيل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

4 تعليقات على "كيف تقرأ كتاباً كل أسبوع"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
Ahmad.Alali
Member
Ahmad.Alali
2 سنوات 1 شهر منذ

مقال جيد
تُعلمنا القراءة السريعة بإحدى تقنياتها sq3r
ماذكر بالمقال

Zacko
زائر
Zacko
2 سنوات 1 شهر منذ

بالفعل كلام سليم وجميل و واقعي

twitter_3amaaar
Member
twitter_3amaaar
2 سنوات 1 شهر منذ

نحن بالقراءة نكسب الأفضليّة ونضمن التفوّق، وكلّما قرأنا أكثر ازدادت سرعة استيعابنا للمزيد من الكتب. #أعجبني..

Skilled4ever
Member
Skilled4ever
2 سنوات 1 شهر منذ

‏مقال جميل وخفيف وانصح بقراءة كتاب “كيف تقرأ كتابا” ‏الشهير ‏لمعرفة أنواع وانماط القراءة في شتى المجالات

wpDiscuz