تابعنا على لينكد إن

يعلم معظم القادة كيف يحفزون الآخرين بشكل قوي. لكن القليل منهم يعلم كيف يمكن تنمية هذا المستوى من التحفيز أو المحافظة عليه. فعندما أطلب من عملاء تطوير القيادة تحديد الصفات التي يرغبون بتحفيزها عند فرقهم، تتركز إجاباتهم حول تطوير صفات مثل المثابرة ووجود الدافع الذاتي للبدء بالعمل، وامتلاك حس المسؤولية تجاه الالتزام بتحقيق النتائج، واستعدادية الموظف للعمل بجهد على المشاريع لمساعدة الأعضاء الآخرين في الفريق.

لا يدرك معظم القادة أنهم جزء لا يتجزأ من النظام التحفيزي في شركاتهم. في معظم الأحيان، تظهر الصفات التحفيزية المذكورة أعلاه عندما يشعر الموظفون أنهم مقدّرون وأنهم موضع ثقة وتحدي ومدعومون في عملهم وما إلى ذلك مما يستطيع القادة تقديمه لموظفيهم. أي أنّ سلوكيات القادة ومواقفهم لها أكبر الأثر في تحريك الموظفين وتطوير الأداء.

يمكن القول إنّ استخدام التعويض على أنه الطريقة الأساسية أو الوحيدة لتحفيز الأداء العالي، يُعّبر عن وجود مشكلة في الرؤية الأساسية للموظفين الذين يجلسون على مكاتب شركاتنا. فهو يشبه محاولة بناء منزل باستخدام مطرقة فقط. إذ يتم تصفية هذه الحوافز وتطبيقها بصرف النظر عما يفكر به الموظفون وعن جوانب خبرة كل واحد منهم. هنا لابد من تحديد التعويضات والفوائد المقدّمة بناء على الطريقة التي يتعامل بها الموظفون مع العمل.

كما يقف حاجز آخر أمام قدرة القائد على تحفيز موظفيه، ألا وهو الاعتقاد الشائع والمنتشر بشكل واسع بأنّ الحافز هو صفة متأصلة في الموظف، بمعنى أنه إما أن يمتلكها أو لا يمتكلها. ولكن حقيقة التحفيز أنه عملية ديناميكية وليست صفة ثابتة في الموظف. فعندما نحكم على موظف بطريقة تجعل منه شخص غير محفز تماماً، نكون بذلك تخلينا عن محاولة تحفيز الموظفين. ثم يتبع هذه الحالة حلقة مفرغة، وهي الطريقة التي تثير بها مواقفنا وسلوكياتنا تلك السلوكيات الصادرة من موظف غير محفز والتي بدورها تعزز وتبرر الأحكام الصادرة منا ونهجنا الذي نتبعه. ونتيجة لهذا فإن الجميع خاسر، حيث تخسر الشركة مساهمة الموظف بشكل كامل، وبالتالي يتصرف القائد بشكل غير احترافي، وبالتالي يتزايد ابتعاد الموظف عن تفاصيل العمل.

عادة ما يبدأ المدراء بأفضل النوايا، ولكن كلما تم توظيف شخص جديد يُتوقع منه بأن يكون محفز تلقائياً. وعندما يحصل تباطؤ في المشاركة أو الأداء في وقت لاحق، نشعر بالإحباط بسبب ذلك الموظف غير المحفز.

وفي مقال حول القيادة نشرته هارفارد بزنس ريفيو عبر صفحتها على موقع فيسبوك، يقول أحد المدراء: “بدأت بالاهتمام بشكل كبير جداً بالاحتياجات العاطفية للموظفين. للأسف، فقد سبب كل هذا شعوراً بأنه من حق هؤلاء الموظفين استخدام مشاعرهم لإضاعة الوقت وخلق بيئة سلبية. ولهذا أصبحت مهتماً بشكل أقل بالمشاعر وبشكل أكبر بإنجاز العمل. طالما أنّ توقعاتي واضحة، والموظفون يتقاضون رواتبهم ولديهم بيئة عمل آمنة، ليس هناك مجال لمزيد من المتطلبات في مكان العمل”.

ربما يعبّر هذا التعليق عن عدد كبير جداً من المدراء الذين قابلتهم خلال مسيرتي المهنية. ولكن حتى ولو كان المدير يشعر بأن اتباعه لهذا النهج مبرراً، إلا أنّ إعطاء الموظفين انطباعاً بأنّ خبراتهم الشخصية غير مهمة لن يؤدي إلا لتثبيط دوافعهم وحوافزهم.

كما يمكن للقادة أن يتعلموا تحفيز الموظفين الذين تخلوا عنهم. على سبيل المثال، قمت مؤخراً بتدريب قائد مسؤول عن عمليات مؤسسة عالمية في إحدى بلدان أوروبا الشرقية. كان هذا المسؤول في الخمسينيات من عمره وبخلفية عسكرية، وشكى لي موظفاً ضعيف الأداء ولم يتمكن من تحفيزه. حيث قال: “إنه عديم الفائدة، وكل ما يمكنني فعله هو احتواؤه حتى لا يفسد العمل، والاعتماد على الموظفين المؤهلين لإنجاز العمل”. لكن الحقيقة أنّ هذا القيادي كان قد أوكل مهاماً روتينية لذلك الموظف وغير ذات أهمية، ولم يشارك معه أي معلومات مهمة، ولم يهتم بعقد أي اجتماع معه، ولم يقدّر أي مشاركة له في المشاريع المهمة. وأصر في بداية الحديث على قول “لم أشغل نفسي معه؟ لا يمكنني تغييره وليس لدي وقت لإضاعته على شخص غير محفز”.

وعليه، لا بدّ للقائد أن يتدرب كيف يصبح أكثر تقديراً لحقيقة أن هذه الخيارات -والتي رآها في البداية على أنها استجابات منطقية لنقص التحفيز عند الموظف- قد فاقمت في الواقع من حجم المشكلة. ثم أدرك في النهاية أنّ تصنيف ذلك الموظف على أنه عديم الفائدة هو واحد من عدة وجهات النظر المحتملة، وأنّ هذا التصنيف حدد من فعاليته القيادية. وبعد أن حوّل نهجه من الاحتواء إلى التسهيل، رأى مكاسب كبيرة على صعيدي الأداء والحافز لذلك الموظف، إلى الدرجة التي جعلت من هذا الموظف عضواً مهماً في الفريق.

لإجراء هذا التحويل الذي نمّى الدافع عند الموظف، كان على هذا المدير ألا يخاف اختبار طريقة التفكير الخاصة بالموظف ونمط سلوكه. بالإضافة إلى أنه أدرك واعترف أنه في البداية لم يفكر في الموظف على أنه شخص كامل، ولكن كشيء غير فاعل وكمشكلة بحد ذاته. وكان عليه أن يشعر بالفضول أيضاً لمعرفة تقييم الحالة من وجهة نظر الموظف، وأن تقدير وجهة النظر هذه قد فتحت أبواباً للتحفيز. وبمجرد ما بدأ بتعيين مهام ذات أهمية لموظفه وتقدير إسهاماته وشمله في المشاريع المهمة، كانت استجابة الموظف هي المزيد من الحماس والالتزام. قال لي المدير نفسه بعد عدة جلسات: “لا يمكنني تصديق الفرق الذي أحدثه النهج الجديد!”.

أعتقد أنّ منشأ معظم المشاكل بين الناس في العالم سواء في العلاقات أو البلدان أو الشركات هي صعوبة رؤية البشر لوجهات نظر الآخرين. فعندما نفترض أموراً حول معتقدات وقيم الموظفين، ثم نفسر سلوكياتهم بناء على هذه الافتراضات، نقلل بذلك من إنسانيتهم وتعقيدهم البشري. ونلاحظ أن تعبير “الموارد البشرية” بحد ذاته يعامل الموظفين على أنهم مواد ستيم توزيعها لأغراض تنظيمية، في حين أنّ الطبيعة الأساسية لعقود العمل تتضمن تفضيلاً للأجور على العامل نفسه. لذلك، إذا فشلنا في تقدير الموظفين ومعاملتهم كبشر كاملين، ستحقق الجهود المبذولة لتحفيزهم نجاحاً محدوداً. وبدلاً من التفكير في كيفية السيطرة على موظفينا، لنركز على التفكير في كيفية تحفيزهم. ولفعل هذا يمكنك البدء من التفكير في الطريقة التي يتعامل بها أفضل مدير قابلته في حياتك، ما الذي جعلك هذا المدير تشعر فيه؟ وما الذي فعله ليجعلك معجباً بنهجه؟ حاول تجميع استراتيجيات التحفيز لأفضل المدراء لديك وطبّق هذه الاستراتيجيات بنفسك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz