لا يخفى على أحد أن "عصر الآلة" لم يعد على الأبواب، بل حلّ فعلاً. وقدّر المنتدى الاقتصادي العالمي مؤخراً أن 1.4 مليون شخص سيخسرون وظائفهم بحلول عام 2026 نتيجة للتغير التقني، وستكون خسارة أكثر من 70% من هذه الوظائف بسبب عدم استمرار وجودها آنذاك. كما يتوقع تقرير جديد أصدره معهد ماكنزي العالمي أن تتأثر المناطق الريفية بصورة كبيرة.

ونتج عن بحثنا الذي أجريناه في موقع إيديكس "edX" أن أهم فجوة في المهارات توجد في اختصاص علوم البيانات، ووجدنا في استبانتنا أن 39% من المشاركين أبلغوا عن شعورهم بأنهم لا يتمتعون بالكفاءة اللازمة في البيانات مع التركيز على مجالي التحليلات المحوسبة وعلوم الكمبيوتر، كما أبلغ ربعهم (24%) عن اضطرارهم للاستعانة بجهات خارجية لمعرفة طريقة العمل مع التقنية التي يستخدمونها في مؤسساتهم. أما مجموعة المهارات التي تضم ثاني أكبر فجوة فهي مهارات الأعمال والمهارات الشخصية، بما فيها إدارة المشاريع والقيادة، إذ يشعر أكثر من ثلث المشاركين بأنهم يفتقدون المهارات اللازمة في هذا المجال.

وفي حين تنبئنا هذه الإحصائيات بقصة التحديات التي تواجهنا، نجد أن المسؤولين التنفيذيين والباحثين والسياسيين على حد سواء يتصارعون مع مسألة طريقة إعداد القوة العاملة المستقبلية لهذا الاضطراب، ومع مسألة الجهة التي ينبغي أن تمتلك الحل أيضاً. هل سيحتاج الأمر إلى قانون فيدرالي يفرض إطلاق مبادرات لتحسين المهارات في مجالات مثل علوم البيانات والذكاء الاصطناعي كي نرى أثراً حقيقياً؟ هل يعني أن يسعى الموظفون بمفردهم للحصول على فرص للتدريب؟

على الرغم من أنه يمكن أن يكون هذان الخياران جزءاً من حلّ شامل، أعتقد أن القوة القادرة على إيجاد تغيير وأثر فوريين تكمن في الشركات، فهي تطبق فعلاً برامج المسؤولية الاجتماعية للشركات من أجل تعويض مجتمعاتها وإحداث أثر إيجابي، وينبغي لها الآن استخدام هذه المبادرات من أجل الانضمام إلى النضال ضد التفاوت وعدم المساواة الاقتصاديين بهدف حماية القوة العاملة المستقبلية.

تركز المسؤولية الاجتماعية للشركات في أسمى معانيها على التأثير على المجتمع الأوسع للشركة، وتشمل مبادرات الاستدامة، والمؤسسات التذكارية، والبرامج التطوعية التي يمكن أن يكون لها تأثير كبير فيما يتعلق بالحفاظ على المواهب ومعنويات الموظفين. إلا أنه يمكن القول أن الشركات مسؤولة عن جميع المكونات، سواء في المجتمع أو داخلياً، ولذلك يجب أن تشمل مبادرات المسؤولية الاجتماعية للشركات هاتين المجموعتين معاً. ويمكن أن يكون التعليم في هذا السياق من ضمن مبادرات المسؤولية الاجتماعية للشركات التي تستثمر في قوتها العاملة، إذ إنه يحمي موظفيها وبالتالي يحمي المجتمع بأكمله من تأثير التغيير التقني.

وهناك فعلاً صلة واضحة بين التعليم وتأثيره على الاقتصاد، فقد تمكنت القوة العاملة المثقفة تاريخياً من إحداث أثر إيجابي على متوسط الدخل المحتمل ومعدل البطالة على حد سواء. كما تثبت البيانات أن الموظفين عازمين على قبول المساعدة المقدمة لهم، وأن ذلك سيشكل نقطة تحول. ووفقاً لتقرير تعلم القوة العاملة الذي أصدره موقع لينكد إن لعام 2019، من المحتمل أن يبقى 94% من الموظفين في الشركة مدة أطول إذا قامت ببساطة بالاستثمار في مساعدتهم على التعلم.

وتماشياً مع ذلك، وجد بحث موقع إيديكس أنه في حين يرى ثلث المستهلكين أنه ينبغي على الشركات تحمل مسؤولية قيادة عملية تحسين المهارات، إلا أن قرابة النصف (40%) لا يشعرون بالراحة في طلب المساعدة من أرباب أعمالهم في دفع تكاليف حلول التعلم. هذا هو موقف القطاع الذي يملك قادة الشركات القوة لتغييره، ويبدأ ذلك بطريقة تعاملهم مع التدريب والتطوير.

ويجب أن يتطلع المشككون إلى الشركات التي بدأت بالفعل بمعالجة فجوات المهارات لديها عن طريق الاستثمار في فرص تعليم قوتها العاملة. على سبيل المثال، يدفع برنامج "الخيار المهني"(Career Choice) الذي أطلقته أمازون نسبة 95% من رسوم التعليم ورسوم الحصول على شهادة مهنية في مجالات الدراسة المتخصصة، مما يرفع مستوى مجموعات المهارات ويتيح للمتلقين التقدم للوظائف المطلوبة. وحتى الآن، شارك أكثر من 10,000 موظف في هذه المبادرات. تقوم شركة بوينغ من خلال برنامج "نتعلم معاً" (Learning Together) بتسديد تكاليف الدراسة الجامعية والكتب والرسوم للحصول على شهادة وبرامج الشهادات تخصصية بالإضافة إلى الدورات الفردية في الجامعات عالية الجودة. ولذلك، من المهم أن نستثمر في إيجاد حلول تعليمية عالية الجودة للموظفين الذين أظهروا نتائج قوية، وهناك منصات تعلم كثيرة تتمتع بسمعة جيدة يمكن التشارك معها في هذا الصدد.

وتتمتع المؤسسات بالقدرة على أن تكون القوة المحركة نحو إيجاد حل شامل لمستقبل التعليم في مكان العمل، وتعزيز الموظفين عن طريق منحهم فرصاً لمواصلة تعليمهم. وهناك ضرورة، من الناحيتين الأخلاقية والاقتصادية على حد سواء، تستدعي أن تطبق الشركات برامج التعليم من أجل المساعدة على حماية القوة العاملة المستقبلية. وهذا يعني التركيز على إزالة أكبر العوائق، المتمثلة بالوقت والكلفة والموقع، التي يواجهها التعليم عالي الجودة في المجالات المطلوبة.

يقع مستقبل القوة العاملة في أيدي الشركات في مختلف القطاعات، وستتمكن الشركات من الفوز في حرب المواهب والاستثمار في مجتمعاتها المحلية في نفس الوقت عن طريق اعتبار التدريب والتطوير من مبادرات المسؤولية الاجتماعية للشركات والاستثمار في مسارات مرنة تزيد من سهولة متابعة الأفراد رحلات التعلم المستمر مدى الحياة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!