كيف تُحسن مهاراتك القيادية على الرغم من القيود التي تفرضها ثقافة المؤسسة؟

6 دقيقة
تحدي القيود
shutterstock.com/FAHMI98

ملخص: في كثير من الأحيان لا تهتم برامج تطوير القدرات القيادية اهتماماً كافياً بثقافة المؤسسة أو معايير العمل أو نظامه المتبع الذي يجب على القائد أن يعمل بموجبه. إذ قد يُطلب من القادة التركيز على النتائج الفورية في أعمالهم، أو يُوَجَّهُون نحو التعاون مع الإدارات الأخرى بالمؤسسة بينما يُكَافَؤون على العمل داخل حدود فرقهم. وعندما لا يقر القادة وممارسو تطوير القدرات القيادية بالدور المهم لـ 1) ثقافة الشركة والسياق المؤسسي 2) ودور كبار القادة في تشكيل هذا السياق، فإنهم يقللون من أهمية الجهود اللازمة لتطوير القدرات القيادية؛ بل من المحتمل أن يقوّضوها. ويقدم المؤلف في هذه المقالة 4 استراتيجيات استخدمتها شركة إنتويت (Intuit) لبناء ثقافة تعزز نمو القائد الإيجابي بدلاً من إعاقته.

تارا هي مديرة محنكة في شركة تكنولوجيا متوسطة الحجم، وقد أنهت حديثاً تدريباً على كيفية إجراء المحادثات الصعبة، ووجدته ذا قيمة؛ فقد تعلمت نموذجاً جديداً، وتدربت على إجراء محادثة صعبة كانت بحاجة إلى التدرب عليها مع أحد الزملاء، وحصلت على ملاحظات من المشاركين الآخرين.

ولكن لم تُجرِ تارا تلك المحادثة؛ فقد بدا لها أنها محفوفة بالمخاطر، وكانت قلقة حيال كيفية استجابة الزميل. كانت تدرك أهمية إجراء هذه المحادثة، على الرغم من أن مديرها كان نادراً ما يتواصل بطريقة مباشرة، وينطبق الأمر نفسه على معظم القادة في شركتها الذين كانوا يحصلون على مكافآت وترقيات باستمرار.

تمثل تارا العديد من القادة المتحمسين الذين عملتُ معهم على مر السنين يشجَّعون للقيادة وتطوَّر مهاراتهم فيها بطرق لا يرَون نماذج لها في شركاتهم أو لا يرون أن شركاتهم تكافئ عليها.

كتبتُ سابقاً عن قوة استخدام العلوم السلوكية لزيادة فاعلية برامج تطوير الموظفين، فعندما يحدد الأفراد -بعد إتمام التدريب- متى سيتخذون الإجراءات ويخططون لمواجهة العقبات الحتمية، تزداد احتمالية أن يحققوا أهدافهم وأن يُجروا تغييرات سلوكية مجدية.

لكن هذا التركيز على التنمية الفردية لا يأخذ في الاعتبار متغيراً رئيساً آخر في أي جهد لتغيير السلوكيات وهو السياق أو البيئة التي يعمل فيها الفرد! تؤدي بيئة الفرد دوراً كبيراً في تكوين سلوكه في جميع المجالات تقريباً.

ويؤثر تصميم بيئتنا في اختياراتنا وما يترتب عليها من عادات. ونتأثر أيضاً تأثراً شديداً بمعايير الآخرين وتوقعاتهم داخل بيئتنا؛ فعندما نعيش مع أناس يمارسون الإيثار، فمن المرجح أن نتصرف بالطريقة نفسها، وقد قال مؤسس مختبر تصميم السلوك بجامعة ستانفورد (بي جيه فوغ): “ثمة طريقة واحدة فحسب لتغيير سلوكك جذرياً وهي أن تتغير بيئتك جذرياً!”.

وفي سياق المؤسسات للقادة دور كبير في خلق البيئة! فقد أشار (إدغار شاين) الذي يُعد “الخبير الأكثر تأثيراً” في مجال الثقافة المؤسسية، إلى أن ما يهتم به القادة ويكونون قدوة فيه ويدرِّسونه ويعززونه سيكون له تأثير كبير في الثقافة المؤسسية؛ فالقائد الذي يهمل فريقه ويقضي وقته كلّه مع القادة الذين هم أعلى رتبة منه يرسل إشارة عما يعتقد أنه مهم له. وعندما يرفض القائد الاعتراف بخطأ أو الإقرار بأي نوع من أنواع من القصور، فإنه يخبر أعضاء فريقه ضمنياً أنه ليس من الآمن فِعل ذلك. وفي حالة تارا، تجنب مديرُها المحادثات الصعبة والمباشرة، وأرسى أساساً بأن مثل هذه المحادثات ليست مهمة بما يكفي لإيلاء الأولوية لها ومن الممكن تجنبها.

ومع ذلك -في كثير من الأحيان- لا تخصص برامج تطوير القدرات القيادية اهتماماً كافياً للثقافة التي يعمل بموجبها القائد؛ إذ قد يُطلب من القادة التفكير على المدى الطويل في ثقافة تركز على النتائج الفورية، أو يُوَجَّهُون نحو التعاون مع الإدارات الأخرى بالمؤسسة عندما يُكَافَؤون على العمل داخل فريقهم. وعندما لا يقر القادة وممارسو تطوير القدرات القيادية بالدور المهم لـ 1) ثقافة الشركة والسياق المؤسسي 2) ودور كبار القادة في تكوين هذا السياق، فإنهم يقللون من أهمية الجهود اللازمة لتطوير القدرات القيادية؛ بل من المحتمل أن يقوضوها.

في إنتويت، قضينا السنوات الخمس الماضية في العمل على بناء ثقافة تعزز نمو القائد الإيجابي بدلاً من إعاقته، واستخلصنا دروساً من رحلتنا هذه؛ إذ نحتاج إلى تحديث تكنولوجيا التعلم التي نعتمدها، وهذا يتطلّب قدراً كبيراً من الدعم والاستثمار من فِرقنا المتخصصة في الموارد البشرية والتكنولوجيا. وعلمنا أيضاً مدى صعوبة أن يعطي قادتنا الأولوية لتطورهم باستمرار في خضم الوقت المحدود والأولويات العديدة المتضاربة. وعلى الرغم من أنه لا يزال علينا قطع شوط طويل، فقد رأينا ردود فعل إيجابية وتفاعلاً وتغيراً في السلوك، وهذا يشير إلى أننا على الطريق الصحيح. ونأمل أن تكون تجاربنا مصدر إلهام لأي شخص آخر يخوض رحلة مماثلة. وفيما يلي 4 إجراءات اتخذناها لضمان أن تدعم ثقافتنا تطوير القدرات القيادية وتعززه.

تحديد شكل القيادة

في البداية، يحتاج كبار القادة في شركتك إلى توضيح شكل القيادة الناجحة وإيجاد لغة مشتركة عن توقعاتك بشأن القيادة. ولفعل ذلك يمكنك طرح أسئلة من قبيل:

  • ما الذي يجيد أفضل قادتنا فعله؟
  • ما الذي سيحتاج قادتنا إلى أن يكونوا بارعين به في المستقبل؟
  • ما الذي يميز ثقافتنا ونتوقع من القادة تجسيده وتعزيزه؟

في إنتويت، كان من المهم لنا أن تكون لغتنا المشتركة عن القيادة ملائمة وقابلة للتطبيق على قادة الأفراد على جميع المستويات، وليس على مسؤولينا التنفيذيين فحسب. أردنا أيضاً التيقن أنها “سهلة التذكُّر والقراءة”؛ لذلك تجنبنا جعلها “آمرة” أو معقدة أكثر من اللازم. وفي النهاية، ركزنا تعريفنا على 3 قدرات أساسية: 1) القيادة برؤية واضحة 2) بناء ثقافة الأداء العالي 3) تحقيق نتائج إيجابية. والخطوة القادمة هي وضع إطار للقيادة. إننا نسمي إطارنا “دليل القيادة”، ويتضمن 3 سلوكيات داعمة لكل قدرة أساسية. وكثير من السلوكيات التي أدرجناها، مثل “تطوير الأشخاص لتسريع الأداء”، هي من أفضل الممارسات، ومن المرجح أن تكون مشابهة للسلوكيات المرغوبة في العديد من الشركات والقطاعات الأخرى. وتعكس سلوكيات أخرى، مثل “إبقاء التركيز منصباً على مشكلة العميل”، الأولويات والقيم الفريدة لشركتنا. لقد تلقينا باستمرار تعليقات من القادة مفادها أن تدوين هذه السلوكيات كان مفيداً في توضيح توقعاتهم وتوفير إطار لمواجهة تحديات القيادة.

إظهار سلوكيات القيادة المرغوبة

إذا كنت من كبار القادة، فإن الشيء الأكثر تأثيراً الذي يمكنك فعله لضمان اتساق ثقافة شركتك مع توقعاتك بشأن القيادة هو تجسيد سلوكيات القيادة بشركتك؛ فكما يقترح شاين، سيكون لأفعالك تأثير كبير جداً في تكوين الثقافة. ونحن -للتشجيع على ذلك في إنتويت- نبدأ من القمة؛ إذ يأخذ كبار قادتنا بالعديد من جهودنا لتطوير القدرات القيادية. وعندما طرحنا دليل القيادة في مؤتمرنا السنوي للقيادة، شارك رئيسنا التنفيذي (ساسان غودارزي) وموظفوه ورئيسنا التنفيذي السابق والرئيس التنفيذي آنذاك (براد سميث)، شاركوا خبراتهم في ممارسة السلوكيات الواردة في الدليل وكيفية إظهارها بطريقة مختلفة بناءً على أساليبهم الفريدة في القيادة. إنّ كبار قادتنا يرسمون المسار لسائر المؤسسة، وتشير أفعالهم المتفوقة على كلماتهم إلى ما يعتقدون أنه مهم. إننا نحاول أيضاً مساعدة القادة على أن يكونوا واعين في إظهارهم سلوكياتنا القيادية؛ إذ يتلقى القادة ملاحظات من فِرقهم أو مدرائهم أو من كليهما عن مدى تطبيقهم لدليل القيادة بوصفه جزءاً من العديد من برامج تطوير قدرات المسؤولين التنفيذيين. ويضع القادة بعد ذلك أهدافاً للتطوير بناءً على هذه الملاحظات للتيقن أنهم يعززون هذه السلوكيات ويمارسونها باستمرار.

تدريب القادة

في كتاب “الإدارة العالية الإنتاجية” (High Output Management) يناقش الرئيس التنفيذي السابق لشركة إنتل (Intel)، أندي غروف، مفهوم “الفعالية الإدارية” (Managerial Leverage)؛ أي الإجراءات التي يمكن للقادة اتخاذها لزيادة إنتاجية مؤسستهم. ويعرّف التدريب بأنه “أحد الإجراءات ذات الأثر الأكبر التي يمكن للمدير تنفيذها”. ولذلك ندرّب قادتنا على اغتنام “الفرص القابلة للتدريس” بوصف هذا التدريب جزءاً من جهودنا لبناء ثقافة تطوير القدرات القيادية. وهذه الفرص يمكن أن تكون رسمية؛ فنحن مثلاً نصمم جميع برامجنا التدريبية تقريباً بحيث يقودها القائد أو المعلم جزئياً على الأقل، ونحاول تنظيم هذه الفرص بحيث يدرِّس القائد موضوعاً له شغف به ويعرض دروساً مستفادة من تجاربه وملاحظاته. ويمكن أن يحدث التدريس أيضاً بطريقة غير رسمية بواسطة المحادثات اليومية للقائد والاجتماعات الثنائية واجتماعات الفريق. إننا نشجع قادتنا على وضع فلسفة للقيادة، وهي ما يسميها الأستاذ والخبير في القيادة (نويل تيتشي): “وجهة نظر قابلة للتدريس”؛ إذ نقترح عليهم أن يسألوا أنفسهم الأسئلة التالية لتكوين وجهة نظرهم القابلة للتدريس:

  • ما التجارب أو الملاحظات التي أثرت في وجهة نظري تجاه القيادة؟
  • ما الدروس المهمة التي تعلمتها من تجاربي؟
  • كيف يمكنني تدوين دروسي أو تبسيطها في شكل مبادئ أو نصائح ملموسة؟

في السنة المالية الماضية قدَّم جميع نواب الرؤساء التنفيذيين و88% من كبار نواب الرئيس تجربة تعلُّم؛ ولذلك ربما ليس من المستغرب أن يكون حضور المشاركين لبرامج تطوير القدرات القيادية وتفاعلهم معها والتزامهم بها قوياً نسبياً. وفي عامنا الأول بعد إطلاق دليل القيادة، حضر 95% من نواب الرئيس طوعاً أول برنامج قدمناه لتطوير قدرات المسؤول التنفيذي بعنوان “مختبر القيادة لنائب الرئيس” (VP Leadership Lab).

مكافأة القادة ودعمهم

لترسيخ سلوكياتك القيادية يجب تعزيزها بطريقة منهجية بواسطة أنظمتك وعملياتك ذات الصلة بالمواهب والأداء. وعندما لا تتوافق أنظمة الأداء مع السلوكيات التي تعززها يصبح القادة أقل ميلاً إلى ممارسة هذه السلوكيات باستمرار؛ لذا فكّر في جميع الطرق الرسمية وغير الرسمية التي تستخدمها لتوظيف قادتك ومكافأتهم وتقديرهم؛ إذ توفر كل من هذه العمليات فرصة لتعزيز تعريف مؤسستك بالقيادة الناجحة. لقد دمجنا دليل القيادة بعمليات التوظيف وإعداد الموظفين الجدد وإدارة الأداء، وأدرجنا فيه أسئلة مقابلات تتعلق بالناحية السلوكية لاستخدامها عند توظيف القادة. فمثلاً، لانتهاج سلوك القيادة المتمثل في “تحديد شكل النجاح وتحفيز الفريق بناءً عليه”، أدرجنا سؤال المقابلة التالي: ما الذي فعلتَه للتأثير في الآخرين ليتحركوا في اتجاه معين كانوا يقاومونه في البداية؟ يتعرف كل موظف الدليلَ في أثناء مرحلة توجيه الموظفين، ويشارك فيه جميع المسؤولين التنفيذيين الجدد بعمق مدة عام بوصفه جزءاً من عمليتنا لإعداد المسؤولين التنفيذيين الجدد. فدليل القيادة هو القواعد التي نستخدمها لاتخاذ القرارات المتصلة بالأداء والترقيات، وهو أساسي لجوائز القيادة ومؤتمر القيادة السنوي بالشركة.  إنّ لدى مؤسسات عديدة قادة مثل (تارا) يتسمون بأنهم فضوليون ومتحمسون ومتلهفون لفعل ما يصب في مصلحة شركتهم وفريقهم، ولكنهم يواجهون تحديات؛ ولذلك فإن اتخاذ خطوات لخلق بيئة وثقافة لدعم نموهم وتطورهم بدلاً من تقويضهما سيكون له تأثير كبير!

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .