غالباً ما يُنظر إلى نُظم السجلات الصحية الإلكترونية لشبكات تقديم خدمات الرعاية الصحية المتكاملة الضخمة اليوم باعتبارها موحّدة وغير مرنة وصعبة الاستخدام وباهظة التكلفة من حيث إعدادها. ويتم الحصول عليها في الغالب من موردين تجاريين، وتتطلب وقتاً طويلاً ومالاً وفيراً ومساعدة استشارية لتنفيذها ودعمها والارتقاء بمستواها.

وغالباً ما تُبنى النظم الأشهر على الإطلاق استناداً إلى تقنيات أساسية أقدم، ويتجلى ذلك عادة في سهولة استخدامها. وكثير من مزودي خدمات الرعاية الصحية (بمن فيهم الجراح والمؤلف أتول قواندي) يجدون هذه النظم معقدة ويصعب التنقل بداخلها، وقلما يتوافق نظام السجلات الصحية الإلكترونية بشكل جيد مع عمليات تقديم الرعاية الصحية المفضلة لديهم.

وبينما تنمو شبكات تقديم خدمات الرعاية الصحية وتُعمم منصات سجلات صحية إلكترونية مؤسسية واسعة النطاق، يزداد التحدي في جعلها عوناً للأطباء السريريين لا حجر عثرة في طريقهم. وتتجاوز معرفة الأطباء السريريين بمراحل النطاق السريري – حيث إنّ لديهم دراية بإجراءات الرعاية الصحية ومعرفة بالإطار العام للمرضى وخبرة بالعملية الإدارية – وقلما تحيط نظم السجلات الصحية الإلكترونية بكل هذه المعارف بفعالية أو تجعلها متاحة بسهولة ويسر. والأكثر من ذلك، تضيف متطلبات الفوترة ودورة الإيرادات في الولايات المتحدة مزيداً من التعقيد على سير عمل الرعاية الصحية الإلكترونية، وتقلص بقدر أكبر من الزمن المتاح للأطباء السريريين للتعامل مع المرضى.

إنّ خيارات تحسين انعدام التوافق بين النظم والعمليات هي خيارات محدودة. ويتمثل أحدها في أن تكون نظم السجلات الصحية الإلكترونية أكثر تكاملاً وانسيابية منذ البداية. فقد طورت شركة وان ميديكال (One Medical) مثلاً، وهي شركة متخصصة في تقديم خدمات طبية منزلية في 40 مدينة في الولايات المتحدة الأميركية، نظام السجلات الصحية الإلكترونية الخاص بها والمتوافق إلى حد كبير مع الرعاية الصحية وممارسات العلاقة مع المرضى التي تعتمدها. واشترت شركة فلاتيرون هيلث (Flatiron Health)، المتخصصة في خدمات رعاية مرضى السرطان والتي تعتمد على تحليل البيانات والتي استحوذت عليها مؤخراً شركة روش (Roche)، شركة تملك سجلات صحية إلكترونية على الويب، وعدلتها بما يتناسب مع سجلاتها الصحية الإلكترونية "أنكوكلاود" لطب الأورام المجتمعي. وعلى الرغم من أنّ هذه النظم المصممة حسب الطلب، فإنها تبدو مناسبة لمسيرات عمل الأطباء السريريين على نحو أفضل، غير أنّ تطويرها صعب ويستغرق وقتاً طويلاً (تطلب الأمر 10 سنوات من شركة وان ميديكال لبناء نظامها). إنّ بناء نظام من الصفر أو تخصيص نظام تجاري تخصيصاً موسعاً لن يفلح على الأرجح لشبكات تقديم خدمات الرعاية الصحية الكبرى.

ويتمثل الخيار الثاني في استخدام نظام سجلات صحية إلكترونية مفتوح المصدر. ولكن أغلب هذه النظم إما مصممة للعيادات الطبية الصغيرة وليس من السهل ترقيتها، وإما تحتاج إلى قدر كبير من التهيئة والإعداد. وعلى الرغم من أنّ البرمجيات مجانية، إلا أنّ الأمر يتطلب قدراً كبيراً من البرمجة والبنية الأساسية لتكنولوجيا المعلومات لوضعها موضع التنفيذ وتخصيصها بما يتناسب مع الممارسة الفردية. علاوة على ذلك، فالسجلات الصحية الإلكترونية تجري صيانتها بقدر أقل من العناية، وتُحدث بوتيرة أقل من السجلات الصحية الإلكترونية التجارية، وبالتالي يمكن أن تصبح مُهملة بشكل سريع. وأخيراً، فإنّ المتطلبات التنظيمية وقواعد السداد تتغير بوتيرة سريعة. والاعتماد على النظم ذات المصدر المفتوح أو النظم المطورة داخلياً بما يواكب تلك المتطلبات، يخلق مخاطر تتعلق بالمطابقة والتحديات المالية.

وثمة خيار ثالث وواعد بقدر أكبر يتمثل في استخدام الذكاء الاصطناعي لجعل نظم السجلات الصحية الإلكترونية أكثر مرونة وذكاءً. فأحيانا تحقق بعض شبكات تقديم الخدمات الصحية، بالتعاون مع مورد منصة السجلات الصحية الإلكترونية الخاص بها، قفزات في هذا الاتجاه. إنّ إمكانات الذكاء الاصطناعي للسجلات الصحية الإلكترونية ما برحت محدودة نسبياً في الوقت الحالي، لكن بوسعنا أن نتنبأ بتحسنها سريعاً. وتتضمن تلك القدرات ما يلي:

استخلاص البيانات من النصوص

يستطيع مزودو خدمات الرعاية الصحية بالفعل استخلاص البيانات من الفاكسات في شركة "وان ميديكال"، أو باستعمال السجلات الصحية الإلكترونية لشركة أثينا (Athena). ويراجع "مستخلصو البيانات" البشر في شركة فلاتيرون هيلث ملاحظات مزود الخدمة، ويستخلصون بيانات مهيكلة بمساعدة تقنية الذكاء الاصطناعي التي تعينهم على تمييز الاصطلاحات المفتاحية والكشف عن معطيات ثاقبة، ما يزيد من إنتاجيتهم. وأعلنت خدمات أمازون ويب (Amazon Web Services) مؤخراً عن خدمة سحابية تسخر تقنية الذكاء الاصطناعي لاستخلاص البيانات من الملاحظات السريرية وفهرستها.

خوارزميات تشخيصية أو تنبؤية

تتعاون شركة جوجل مع شبكات تقديم خدمات الرعاية الصحية من أجل بناء نماذج تنبؤية من البيانات الضخمة لتحذير الأطباء السريريين من الحالات عالية الخطورة مثل حالات تعفن الدم والسكتة القلبية. وتعكف شركة جوجل وإنليتيك (Enlitic) ومجموعة متنوعة من الشركات الناشئة على تطوير خوارزميات تحليل الصور المستخلصة من الذكاء الاصطناعي. وتقدم شركة جفيون (Jvion) "آلة النجاح السريري" لديها القدرة على تحديد المرضى المعرضين لأقصى مستويات الخطر، وكذلك المرضى الذين من الأرجح أن يستجيبوا لبروتوكولات العلاج. ويمكن دمج كل أداة من هذه الأدوات في السجلات الصحية الإلكترونية بهدف دعم اتخاذ القرار.

التوثيق السريري وإدخال البيانات

يسمح رصد الملاحظات السريرية بواسطة معالجة اللغات الطبيعية للأطباء السريريين بالتركيز على مرضاهم بدلاً من لوحات المفاتيح والشاشات. وتقدم شركة نيوانس (Nuance) أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي مع السجلات الصحية الإلكترونية لدعم جمع البيانات وتدوين الملاحظات السريرية.

دعم القرار السريري

لقد كان دعم القرار الذي يوصي باستراتيجيات علاجية أمراً شمولياً يستند إلى قواعد محددة في الماضي. وتبرز حلول التعلم الآلي اليوم من موردين أمثال آي بي إم واتسون (IBM Watson) وشركة تشينج هيلث كير وشركة أول سكريبتس (AllScripts) التي تتعلم وفقاً للبيانات جديدة وتفسح الطريق أمام رعاية مخصصة بقدر أكبر.

وعلى الرغم من أنّ الذكاء الاصطناعي يجري تطبيقه في نظم السجلات الصحية الإلكترونية أساساً لتحسين اكتشاف البيانات واستخلاصها وتخصيص التوصيات العلاجية، فإنه يتمتع بإمكانات عظيمة تؤهله لأن يجعل السجلات الصحية الإلكترونية أسهل استخداماً. وهذا هدف محوري، حيث إنّ السجلات الصحية الإلكترونية معقدة وصعبة الاستعمال، وغالباً ما يُقال إنها تساهم في إنهاك الأطباء السريريين. وفي عصرنا هذا، أمسى تخصيص السجلات الصحية الإلكترونية لجعلها أسهل للأطباء السريريين عملية يدوية إلى حد بعيد، وأصبح جمود النظم عقبة حقيقية أمام التطوير. ومن الممكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي، ولاسيما التعلم الآلي، السجلات الصحية الإلكترونية على التكيف باستمرار مع تفضيلات المستخدمين، ما يحسن من النتائج السريرية وجودة حياة الأطباء السريريين.

ومع ذلك، يتطلب الأمر دمج جميع هذه القدرات بإحكام مع السجلات الصحية الإلكترونية كي تكون فعالة. إنّ غالبية خيارات الذكاء الاصطناعي الحالية "مُغلفة" مثل العروض المستقلة، ولا تقدم قيمة كبيرة كتلك التي تكلفها الخيارات المدمجة، وتفرض على الأطباء الذين ليس لديهم وقت كاف تعلم كيفية استخدام واجهات بينية جديدة. لكن موردي السجلات الصحية الإلكترونية السائدة شرعوا في إضافة قدرات الذكاء الاصطناعي كي يجعلوا نظمهم أسهل في الاستخدام. وتضيف شركات مثل إيبيك (Epic) وسيرنر (Cerner) وأول سكريبتس وأثينا قدرات كمعالجة اللغات الطبيعية والتعلم الآلي لدعم القرار السريري والتكامل مع تقنيات الخدمات الصحية عن بعد والتحليل المؤتمت للصور. وستوفر تلك الإضافات واجهات بينية مدمجة وتتيح الوصول إلى البيانات الموجودة داخل الأنظمة والعديد من المزايا الأخرى، ولو أنها ستتحقق على مهل على الأرجح.

ويتعيّن تطوير سجلات صحية إلكترونية أيضاً مع وضع دمج تقنيات تقديم الخدمات الصحية عن بعد في الاعتبار (كما هو حال السجلات الصحية الإلكترونية في شركة وان ميديكال). وبينما تزداد تكاليف الرعاية الصحية وتخضع أساليب تقديم الرعاية الصحية الجديدة للاختبار، تكتسب أجهزة منزلية كجهاز قياس الجلوكوز أو جهاز قياس ضغط الدم التي تقيس وترسل نتائج قياساتها من منزل المريض إلى السجلات الصحية الإلكترونية زخماً كبيراً. ولدى بعض الشركات أجهزة أكثر تطوراً كالقمصان الذكية قصيرة الأكمام لشركة هيكسوسكين (Hexoskin) التي بوسعها رصد العديد من المقاييس القلبية الوعائية، وتُستخدم في الدراسات السريرية وفي رصد الأمراض بالبيت. وتجد النتائج الإلكترونية الواردة من المرضى والسجلات الصحية الشخصية أيضاً تعزيزاً أكثر فأكثر إذ يشدد مقدمو خدمات الرعاية الصحية على أهمية الرعاية الصحية التي ركيزتها المريض والإدارة الذاتية للأمراض. وكل مصادر البيانات هذه أبلغ فائدة عند دمجها في السجلات الصحية الإلكترونية الحالية.

إنّ غالبية شبكات تقديم خدمات الرعاية الصحية ستسعى على الأرجح لتبني استراتيجية مختلطة، أي الانتظار إلى أن ينتج الموردون قدرات ذكاء اصطناعي في بعض المجالات والتعويل على تطويرها أو تطوير الآخرين لعروض تقنية ذكاء اصطناعي بوسعها تحسين رعاية المرضى والحياة العملية لمزودي خدمات الرعاية الصحية. ولعل البدء من الصفر ليس من بين خياراتهم. ومهما بدا الأمر ضرورياً ومنشوداً، فمن الأرجح أن الانتقال إلى سجلات صحية إلكترونية أذكى وأفضل بمراحل سوف يستغرق عدة سنوات كي يتحقق بالكامل.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!