يدرك القادة الأذكياء أن عملهم يتطلب منهم القيام بتحديد أوجه المفاضلة، من خلال اختيار الأعمال التي يجب عدم القيام بها كما هو الحال مع اختيار الأعمال التي يجب القيام بها. فتحديد مستوى أهمية مختلف المبادرات ضمن بيئة تتصف بمحدودية الموارد هو اختبار أساسي للقيادة.

ولمواجهة هذا التحدي، يلجأ القادة في أغلب الأحيان إلى تصنيف أولوياتهم حسب الرتبة، حيث يعتبر إعداد قائمة بتلك الأولويات أمراً طبيعياً وسهلاً بالنسبة لهم. أما أنا فأتوخى الحذر حيال التصنيف حسب الرتبة عند العمل مع القادة في تحديد الأولويات، فهي مهمة بالغة الأهمية. إذ يمكن أن يكون تعيين المدراء في رتبة معينة أمراً محبطاً للغاية بالنسبة لهم، وأن يؤدي ذلك التصنيف إلى حدوث خلاف بين أعضاء الفريق الواحد وإشعال مضمار حرب بينهم.

الطريقة الأفضل لتحديد الأولويات هي التخلي عن التصنيف حسب الرتبة والعودة إلى المبادئ الأولى. بعبارة أخرى، يوجد ثلاثة متغيرات مترابطة تعتبر أساسية للقيام بأي مبادرة، وهي الأهداف والموارد وعامل الزمن. ولا يمكنك تحقيق الآثار المرجوة من مشروع ما دون أهداف دقيقة ومحددة، وموارد وفيرة، وإطار زمني معقول. وإذا قمت بتغيير في إحدى زوايا هذا المثلث، يجب عليك تعديل الزوايا الأخرى.

جميع المتغيرات الثلاثة مهمة، ولكن الموارد هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة. فهي التي تمكننا من بلوغ هدف ما خلال مدة زمنية محددة، وتعتبر المبادرة مجرد وهم إن لم تتوفر لها أدوات ووسائل خاصة. فعندما يقرر أحد القادة نوع الموارد التي سيتم تخصيصها لتحقيق أهداف معينة خلال فترات زمنية محددة، لن يعود ثمة حاجة إلى التصنيف، حيث سيكون هذا القائد مجبراً على الاعتراف بأنواع ثلاثة من الأولويات: بالغة الأهمية ومهمة ومرغوبة.

تمثل الأولوية بالغة الأهمية الهدف الذي يجب تحقيقه خلال فترة زمنية محددة، مهما تطلّب الأمر. على سبيل المثال، قد يكون من المهم جداً أن تفوز الشركة بطلبية جديدة (ستوكل إلى جهة ما في تاريخ معين) من أحد كبار العملاء، أو أن يصبح أحد معاملها قيد التشغيل بالكامل بحلول يوم معين. إذا وُضع الفوز بالطلبية كهدف وكان الوقت غير قابل للنقاش، فالعنصر الوحيد الذي يمكن التلاعب به آنذاك هو الموارد (المال أو الأشخاص أو المعدات). وإذا كان القائد جاداً بشأن الأولوية، عندها يجب أن يتيح لمدير المشروع جميع الموارد المطلوبة. وعلى الرغم من احتمال عدم إدراك القادة للأمر، إلا أن الإعلان بأن مشروعاً ما يحمل صفة "بالغ الأهمية" يوحي بضرورة وجود صك على بياض بحكم الأمر الواقع، بحيث يتمكن مدير المشروع من استغلال جميع الموارد الأخرى المتاحة في المؤسسة. وتعتبر كل الأولويات بالغة الأهمية متساوية ضمن هذا التصنيف، حسب تعريفها.

ومن ناحية أخرى، تمثل الأولوية المهمة الجهد الذي يمكن أن يكون له أثر إيجابي عظيم على الأداء، حيث تكون الموارد المتوفرة للقيام بالمبادرات ثابتة، أما المتغير فهو إما الوقت أو الهدف. ومثال ذلك أن يكون لدى مؤسسة ما هدف منشود، إلا أنها تعمل على تهيئة الموارد التي تعتقد أن بإمكانها توظيفها في وقت محدد. قد يقول القائد "لنقم بتعيين خليل وعائشة للعمل على هذا المشروع بدوام كامل على مدار الأشهر الثلاثة القادمة". إذا كانت المؤسسة تعمل بعقلانية، فستكون مستعدة للقبول بأي قدر من التحسينات التي تتم من خلال ذلك الاستثمار الثابت. وفي حالات أخرى، قد تعلن إحدى المؤسسات أنها ستستثمر كمية معينة من الموارد لتحقيق هدف ما مهما تطلب الأمر من وقت، فتقول "نحن سنعين خليل وعائشة لتثبيت البرنامج الجديد، مهما تطلب الأمر من وقت". توحي الأولوية المهمة إلى أن المؤسسة ستتفهم الأمر حال كان الهدف متغيراً، وبأنها تكون صبورة عند اختلاف الوقت.

والأولوية المرغوبة هي الجهد الذي يكون فيه كل من الوقت والموارد متغيران. بحيث ترغب المؤسسة في الحصول على نتيجة ما، ولكنها لا تستطيع بالضبط تخصيص موارد معينة لفترة محددة من الوقت. "عندما لا يكون ثمة حاجة إلى خليل وعائشة للعمل على إطلاق منتجنا بالغ الأهمية، سيقومان بالعمل على تثبيت تحديث البرنامج". سيتم إنجاز التقدم فقط إذا توفرت الموارد.

لإنجاز مشروع بالغ الأهمية، فإن جميع الموارد الممكنة "الصك على بياض" التي يحتمل أن يكون ثمة حاجة لها يجب أن تأتي من المشاريع المرغوبة، نظراً لأن الموارد ثابتة لجميع الأولويات بالغة الأهمية والمهمة. ولا يمكنك تحديد أولوية بالغة الأهمية إلا إذا قمت بتعيين المشاريع المرغوبة، بحيث يتم نقل الموارد منها على الفور إلى المشروع المحدد بالغ الأهمية، عند الحاجة إلى ذلك.

عند انتهائك من تحديد المشاريع بالغة الأهمية والمهمة والمرغوبة، يمكنك البدء في تحديد الأهداف والموارد والوقت الملائم لكل مشروع على حدة. وأشجّع القادة على اتباع عملية تتكون من أربع خطوات:

ضع الموارد المتاحة (الأشخاص أو المال أو العناصر المحدودة جداً مثل حافلة عينات لعرض المنتجات) في أحد الأعمدة لكل المشاريع المقترحة. على سبيل المثال، قد يكون لديك عشرة مندوبي مبيعات في الساحل الشرقي، وسبعة في الساحل الغربي، وأربعة في الغرب الأوسط، وثلاثة في الجنوب، وميزانية سفر بمبلغ 10,000 دولار، وحافلة عينات واحدة.

في الصف العلوي من الجدول، قم بإدراج المشاريع أو التحسينات أو المبادرات التي ترغب بتنفيذها باستخدام هذه الموارد مع أي قيود زمنية موجودة. فمثلاً، يمكنك كتابة "تجديد العملاء في جميع المناطق الأربع أو الفوز بعقد مع شركة آي بي إم بحلول الوقت الذي يفتح فيه معملك الجديد أبوابه في 1 مارس/آذار أو إدخال فريق المبيعات "سيلز فورس" (Salesforce.com) في المناطق كافة ولكن حسب جدول زمني".

قم بالإشارة في الخلية الملائمة إلى كيفية تخصيص الموارد المتاحة في الحالة التي تسير فيها الأمور حسبما هو متوقع. على سبيل المثال، يمكن تكريس ثلاثة مندوبي مبيعات في كل منطقة لتجديد العقود المبرمة مع العملاء، بينما يمكن تخصيص سبعة مندوبي مبيعات وحافلة عينات ونصف ميزانية السفر إلى الفوز بعقد مع شركة آي بي إم.

حدد أي مشروع أو مشروعين هما الأهم، مع تحديد أي الموارد الإضافية من الجدول يمكن الاعتماد عليها للمشاريع بالغة الأهمية عند الحاجة. (إذا قمت بالإعلان عن أكثر من مشروع واحد كمشروع بالغ الأهمية، يجب ألا تنسى بأن هذه المشاريع لا يمكن أن تعتمد على نفس الموارد المتوفرة للاستخدام عند الطلب). على سبيل المثال، إذا كان العقد مع شركة آي بي إم بالغ الأهمية، قد تسأل مدير المشروع، وهو في هذه الحالة مسؤول المبيعات في آي بي إم، عن ماهية الموارد الإضافية التي من المحتمل أن تكون ثمة حاجة لها لو أصبحت المهمة صعبة، وعن المكان الذي يمكن الحصول على الموارد منه. وقد يتضمن ذلك بعض موارد تكنولوجيا المعلومات من سيلز فورس في الساحل الشرقي، ما يعني أن جهد سيلز فورس يُصنف الآن على أنه مرغوب، وأنك لا تتوقع من موظفيك تحقيق الهدف خلال فترة زمنية معينة. وبالنسبة للمشاريع غير بالغة الأهمية والتي ليس من المحتمل استدعاء موارد منها لمشروع يصنف كبالغ الأهمية، فتقع الآن في تصنيف المشاريع المهمة، حيث يتصف الوقت والهدف بالمرونة.

يصبح هذا الجدول بمثابة مستند للاستراتيجية، إذ يشتمل على المشاريع والموارد، وتحدد المجموعة كيفية تخصيص الموارد والقيود الزمنية بين المبادرات المحتملة. وعند انتهاء المشاريع، يستطيع القادة إعادة النظر في العملية لإعادة تخصيص الموارد التي أصبحت متاحة. كما يمكنهم إعادة تخصيص الموارد في حال حدوث كارثة، ما ينشأ عنها بطبيعة الحال أولوية بالغة الأهمية. وينطبق الأمر نفسه على تغيير الاستراتيجية.

يعمل تخصيص الموارد بشفافية وتحديد أشكال الاستجابة للظروف المتغيرة على تحقيق التوافق بين أعضاء الفريق ودرء الخلاف عنه. فلا يشعر المدراء أن  التخلي عن الموارد يقلل من هيبتهم، حيث يقومون بدور جوهري يتمثل في تنفيذ أولوية بالغة الأهمية. ويمكنهم القناعة بأن يحكمهم المنطق الثابت والعادل لإطار الأولويات الواقعي بدلاً من تصنيف حسب الرتبة لا معنى له.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!