تابعنا على لينكد إن

عندما ذهبت لتناول الغداء مع الدكتور فيل زيمباردو، الرئيس الأسبق لجمعية علم النفس الأميركية، كنت أعرف أنه صاحب فكرة تجربة “سجن ستانفورد” الشهيرة التي أجريت صيف عام 1971، حيث جمع طلاباً يتمتعون بصحة جيدة ووزعهم على مجموعتين، مجموعة حراس وأخرى سجناء، ووضعهم في سجن بديل ضمن قبو لجامعة ستانفورد. وفي غضون أيام فقط، بدأت أعراض الاكتئاب والتوتر الشديد تبدو على السجناء، وأصبح الحراس يتسيدون على السجناء، ما أجبر زيمباردو على إيقاف التجربة بسرعة. وكانت العبرة من التجربة كما كتب مهندس التصنيع الأميركي ويليام إدواردز ديمنغ: “سينتصر النظام الفاسد على الشخص الجيد في كل مرة”. وهنا طرحت على زيمباردو السؤال التالي: “هل العكس صحيح؟ هل يمكنك عكس تجربة سجن ستانفورد؟”، فكانت إجابته عبارة عن فكرة أشار فيها إلى تجربة ميلغرام سيئة السمعة، التي انصاع المشاركون فيها للأشخاص أصحاب السلطة، وأخضعوا المرضى لصدمات كهربائية قاتلة بحسب اعتقادهم.

تساءل زيمباردو، الذي كان زميلاً لستانلي ميلغرام في دراسته الثانوية، ما إذا كان بالإمكان إجراء تجربة معاكسة لتجربة ميلغرام. “هل يمكننا الارتقاء إلى الصلاح خطوة بخطوة عن طريق تحقيق سلسلة من الانتصارات الصغيرة؟”، وهل يمكن إجراء تجربة كهذه على مستوى المجتمع؟ في الواقع نحن نعرف الجواب مسبقاً:

بطاقات إيجابية

كانت إدارة فرقة شرطة الخيالة الملكية الكندية في مدينة ريتشموند إدارة بيروقراطية كغيرها من إدارات حفظ النظام لسنوات عديدة، حيث شهدت نتائج مماثلة لنتائج التجربة، إذ كانت نسبة العودة إلى الإجرام وتكرر الإساءات حوالي 60%، بالإضافة إلى نسبة الجرائم المتصاعدة لدى الشباب.

لكن عندما استلم قيادة هذه الفرقة الكندية الشاب وارد كلافام، تحدت الفرقة بتفكيرها التقدمي المزاعم الجوهرية لنظام الشرطة نفسه. ولاحظ كلافام أنّ الغالبية العظمى من عمل الشرطة كان تفاعلياً. فطرح سؤالاً: “هل يمكننا تصميم نظام يشجع الناس على عدم ارتكاب الجرائم في المقام الأول؟”، وبالفعل، كان توجه الفرقة الاستراتيجي مجرد تلاعب ذكي بالكلمات، وهو “لا تسجن أحداً”.

كانت خطته مبنية على إيجاد الشباب الذين يقومون بأعمال جيدة ومنحهم بطاقات إيجابية. إذ تمنح البطاقة الإيجابية متلقيها دخولاً مجانياً إلى السينما أو إلى أحد مراكز الشباب. فقدمت الفرقة نحو 40,000 بطاقة سنوياً. وهذا العدد يساوي ثلاثة أضعاف البطاقات السلبية في نفس الفترة الزمنية. وتبين أنّ هذه النسبة التي تبلغ تحديداً 2.9 عامل إيجابي إلى عامل سلبي واحد تدعى “خط لوسادا“، وهو ما لم يكن كلافام يعرفه. وهذه أقل نسبة يحتاجها أي فريق ليزدهر. وتزداد النسبة في الفرق ذات الأداء الأعلى (والزيجات أيضأ) لتصل إلى 5:1. لكن هل تنطبق فعلياً على أعمال الشرطة؟

وفقاً لكلافام، انخفضت عودة الشباب إلى الإجرام من نسبة 60% إلى 8%. وانخفضت الجريمة الكلية بنسبة 40% تقريباً. وانخفضت نسبة جرائم الشباب إلى النصف، وكل ذلك كلّف عشر تكلفة النظام القضائي التقليدي فقط.

يمنح إنشاء نظام الدائرة الإيجابية كما فعل كلافام قوة كبيرة. وفعلاً، استكشف مؤخراً مقال مجلة هارفارد بزنس ريفيو الذي كان بعنوان “قوة الانتصارات الصغيرة” كيف يستطيع المدراء تحقيق انتصارات صغيرة نسبياً من أجل زيادة الرضا والحماسة لدى موظفيهم بصورة كبيرة. لقد أجرى فريدريك هيرزبرغ هذه الدراسة سابقاً عام 1968 ونشرها في مقال ضمن مجلة هارفارد بزنس ريفيو بعنوان “مرة أخرى: كيف تزيد من حماسة موظفيك؟”. لقد كانت تلك المقالة إحدى أشهر المقالات في المجلة. وأوضحت هذه الدراسة أنّ الدافعين الأساسيين للإنسان هما 1- الإنجازات، و2- الاعتراف بالإنجازات وتقديرها.

انتصارات صغيرة جداً

هناك ثلاث طرق بسيطة لإنشاء ثقافة تحتفل بالانتصارات بصدق فور تحقيقها.

1- حاول بدء الاجتماع القادم مع الموظفين بقضاء خمس دقائق للإجابة عن سؤال: “ما الذي جرى ونجح كما خططنا منذ اجتماعنا السابق؟”، وليعترف كل موظف بإنجاز شخص آخر بطريقة ملموسة وصادقة. إذا تم هذا الأمر بالشكل الصحيح، يمكن أن يبدأ هذا السؤال الصغير جداً بتغيير مجرى النقاش.

2- حاول إمضاء دقيقتين يومياً لمحاولة إيجاد شخص يقوم بأمرٍ ما بشكل جيد. وتُعتبر هذه أسرع الطرق وأكثرها إيجابية ليتم تعليم الأشخاص من حولك القيام بعمل جيد.

3- أنشئ مجلساً محلياً افتراضياً يستطيع من خلاله الموظفون والشركاء والزبائن التحدث كل يوم عما أسعدهم. على الرغم من أنه يبدو أمراً مثالياً صعب التحقيق، إلا أن فيشن لاكياني، المدير التنفيذي لشركة إعلام ونشر حديثة تدعى مايند فالي (Mind Valley)، نفذه عندما أنشأ سجل الامتنان (Gratitude Log).

تُعتبر هذه بعض الممارسات فقط، لكن يمكن أن يؤدي اختبار المبدأ إلى نتائج بعيدة المدى. وفي الواقع، بدأ زيمباردو بإجراء تجربة اجتماعية كبيرة بنفسه، وتدعى “مشروع الخيال البطولي” (يمكنك مشاهدة فيديو TED عن الموضوع هنا). وتُبنى هذه التجربة على أساس أننا يمكننا زيادة احتمالات أن يتصرف الناس بشجاعة عن طريق تعليمهم مبادئ البطولة. والنتائج حتى الآن مذهلة.

لقد كانت تجربة “سجن ستانفورد” عميقة. لكن تخيل فقط ما يمكن أن يحدث إذا تعمدنا إجراء تجربة معاكسة لها بوعي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz