قد يرى بعض أعضاء فريقك أنّ فكرة استخدام البيانات في عملية اتخاذ القرارات يمكن أن تكون فكرة مخيفة. ربما قد يعتبرون أنهم لا يمتلكون مهارات تحليلية قوية، أو قد تكون دراسة مادة الإحصاء في الجامعة قد أنهكتهم، أو ربما يفضلون اتباع حدسهم، أو ربما يخافون ببساطة من فكرة الغوص في كميات كبيرة من البيانات. ولكن لا ينبغي أن يكون الأمر كذلك، فإذا أظهرت لفريقك أنّ ثمة طرقاً بسيطة ومباشرة لإحداث تأثير كبيرة بواسطة البيانات، تكون قد خطوت خطوة كبيرة نحو دفعهم إلى استخدام البيانات بوتيرة أكبر في عملية اتخاذ القرارات اليومية.

خذ ثلاثة أمثلة: يضم المثال الأول بيلي بين، المسئول التنفيذي للمكتب الأمامي في فريق “أوكلاند أثليتيكس”)، وهو موضوع كتاب “كرة  المال” (Moneyball) لمؤلفه مايكل لويس لأنه غيّر من لعبة البيسبول بواسطة البيانات ومن دون استخدام حسابات رياضية معقدة أو حتى عمل إحصائي متطور. لقد فعل ذلك عن طريق طرح سؤال مهم: ما نوع لاعبي مسابقات الدوري الذين يحافظون على أفضل المسيرات المهنية نجاحاً؟ استخدم “بين” بيانات عدة سنوات للإجابة عن هذا السؤال قبل أن يتوصّل إلى وصف اللاعبين الذين يمتلكون هذه الصفات (مثلاً كانوا يلعبون في الجامعة، يمشون كثيراً، وهكذا).

كانت فكرة “بين” سهلة للغاية ولم تعتمد على أي نوع من أنواع التلاعب الغامض بالإحصاءات، فقد أدرك أنه يستطيع التنبؤ بمن سينجح في بطولات الدوري الممتاز عن طريق دراسة الذين نجحوا في هذه البطولات؛ وهذا يُعتبر مجرد استقراء للنمط المتكرر. يمكن تطبيق منطق “كرة المال” بالطريقة نفسها في أي عمل تجاري، فثمة إمكانية هائلة للاستفادة من البيانات بقوة دون قضاء سنوات في دراسة الإحصاءات أو استخدام خوارزميات معقدة. جوهر “البيانات الكبيرة” أبسط بكثير ويتمثل في الآتي: اطرح سؤالاً مهماً، واعثر على البيانات التي قد تقدم إجابة عنه، وحدد النمط المتكرر.

المثال الثاني يأتي من صلب عملية إنفاذ القانون. عندما زعمَت الشرطة في سانتا كروز في كاليفورنيا أنّها تمكّنت من “منع جريمة قبل وقوعها”، ولم يكن هذا العمل جزء من استراتيجية مستقبلية لمكافحة الجريمة على طريقة جورج أورويل في رواياته، بل كان مجرد نمط متكرر. استخدمت شرطة سانتا كروز البيانات لتحديد مكان وتوقيت حدوث الجرائم في معظم الأحيان، ثم أرسلت عناصرها إلى تلك الأماكن. كان إحدى هذه النقاط مرآب للسيارات، حيث حصل عدد من عمليات اقتحام السيارات وسرقتها. هناك رصدَ عنصران من الشرطة امرأتين مشبوهتين تحومان بالقرب من إحدى السيارات، إحداهما مطلوبة بموجب مذكرة توقيف فيما الأخرى تحوز المخدرات. وبالنتيجة، ألقت الشرطة القبض عليهما قبل أن تدخلا السيارة على ما يبدو.

هل منعت الشرطة جريمة قبل وقوعها بالفعل؟ السؤال يتجاهل جوهر الموضوع. لقد استخدمت شرطة سانتا كروز البيانات لتحديد أنماط الجريمة، ثم أرسلت عناصرها إلى الأماكن التي تتعرض لأكبر احتمالات وقوع الجرائم. وهذه ليست عبقرية في الرياضيات بل مجرد استخدام ذكي للبيانات.

وأخيراً، عندما أرادت متاجر البيع بالتجزئة تارغيت (Target) أداة للوصول إلى النساء الحوامل (اللواتي يملن إلى تكوين ولاء كبير للمتجر خلال فترة الحمل)، طوّر المحللون “مؤشراً للتنبؤ بالحمل”. لم يكن هذا صعباً ولا تدخلياً في حياة الناس كما يبدو، فشركة تارغت لديها بيانات ذات صلة، مثل سجل هدايا الأطفال التي اشترتها الأمهات الحوامل، أي النساء اللواتي أخبرن تارغت ليس بأنهنّ حوامل فقط بل أيضاً بأنّهن على وشك الولادة. درس المحللون عادات التسوق لدى هؤلاء النساء الحوامل لتحديد المنتجات التي يُرجّح أنْ يشترينها أكثر من العميلات من غير الحوامل مثل المناديل المبللة للأطفال والمستحضرات غير المعطّرة والفيتامينات وغيرها من المنتجات التي يكون بعضها أكثر وضوحاً من غيرها. الخطوة التالية كانت منطقية: النساء اللواتي يبدأن بشراء هذه المنتجات يحتمل أن يكنّ حوامل، وبالتالي يمكن استهدافهن بمنتجات وخدمات تتعلّق بالحمل. هذا عمل ذكي وليس سحراً إحصائياً.

وبالطبع، واجهت شركة تارغيت نكسة كبيرة عندما تبيّن أنّ مؤشرها للتنبؤ بالحمل عرف أنّ طالبة في المدرسة الثانوية كانت حاملاً قبل أن يعرف والدها (فقد وصلت قسائم متعلقة بالحمل من شركة تارغيت إلى والدها، وهو ما اضطر الأب إلى طرح بعض الأسئلة المربكة على ابنته، وفقاً  لمقالة في “نيويورك تايمز عن تحليل البيانات من قبل شركة تارغيت). هذا وقت مناسب لتذكير فريقك بأنّ البيانات الكبيرة تتطلب حكمة أيضاً، فبعض الأنماط يُفضّل أن تبقى خاصة.

في معظم الأحيان، يستفيد العملاء كثيراً من المعلومات جيدة الاستهداف. فنحن نريد توصيات بمنتجات يُحتمل أن نستمتع بها، وخصومات على خدمات نستخدمها، وخدمة عملاء محسّنة من خلال ردود الفعل المستمرة. كما يجب أن يتمتع موظفوك بالقدرة على عرض هذه المزايا على العملاء، حتى إذا اعتبروا أنفسهم “غير محبين للرياضيات”.

يعود ذلك إلى أنّ ثورة تحليل البيانات في السنوات الخمس عشرة الماضية أصبحت ممكنة بفضل ثلاثة أمور: البيانات الرقمية وقوة الحوسبة الرخيصة والاتصالات. قبل خمسين عاماً، كان لدى فرق البيسبول الكثير من الإحصاءات عن أداء اللاعبين، ولكن كانت كلّها مكتوبة بقلم رصاص في ملفّات تُحفظ في مخازن رديئة. الشيء نفسه ينطبق على بيانات الجرائم وإيصالات بطاقات الائتمان والاستبانات التي تُجرى عن رضا العملاء. كانت لدينا معلومات، ولكن لم يكن لدينا طريقة سهلة لتجميعها وتحليلها. كانت هناك أنماط ولكننا لم نكن نتمكن من ملاحظتها، وإذا فعلنا ذلك فلم يكن ذلك يحدث بسهولة أو بثمن بخس.

جاء بعد ذلك كل من الكمبيوتر الشخصي والرقمنة والإنترنت وبات بإمكاننا فجأة أنْ نسحب كلّ تلك المعلومات من مخازن الطابق السفلي ودفاتر الحسابات العفنة، وأنْ نرى الأنماط الكامنة هناك – مجاناً وفي غضون ثوان. عندما أصبحت البيانات أكثر قيمة بدأنا نجمع المزيد منها، من خلال برامج ولاء العملاء ووسائل التواصل الاجتماعي وبيانات الماسح الضوئي وما إلى ذلك.
العامل الحاسم الآن هو الأسئلة الإبداعية وليس الحوسبة الصحيحة. يمكن لأي شخص تعلّم طرح أسئلة جيدة، مثل: من هم أفضل مندوبي المبيعات؟ هذا هو سؤال “بيلي بين” من جديد إنما للمبيعات فقط وليس للعبة البيسبول. يمكنك استخدام البيانات لتحديد الصفات التي تحدد أفضل الأشخاص من حيث الأداء، ثمّ توظف الأشخاص الذين يمتلكون هذه الصفات.

لكي نكون واضحين، من الصعب قياس المهارات الهامة مثل مهارة “الاستماع” وتحديدها كمياً؛ بل يجب جمع البيانات على مدى فترة زمنية كافية من أجل فصل الحظ عن المهارة؛ وهكذا دواليك. ومع ذلك، يمكن لعملية وضع البيانات مقابل الأسئلة أنْ تزيل الخرافات وتتغلّب على الصور النمطية. لقد كانت هذه واحدة من أول إحصاءات “بيلي بين”، حيث كان مستكشفوه يبحثون عن اللاعبين الموهوبين في البيسبول بناء على بديهيات لم تؤكّدها البيانات. على سبيل المثال، كانوا مفتونين باللاعبين الرماة الذين يمكنهم إرسال الكرة بسرعة فائقة، حتى بعد أنْ أظهرت عقود من البيانات أنّ دقة التصويب أكثر أهمية من السرعة.
هناك بعض المحاذير الأخرى التي يجب وضعها في الاعتبار أيضاً. أولاً، تميل البيانات الكبيرة إلى إنتاج أنماط، ولكنها أنماط غير حتمية. يعني هذا أنّ بيلي كان معرضاً لبعض الفشل، فليست كل عميلة ستشتري مناديل مبللة للأطفال ومستحضرات غير معطّرة وهي حامل بطفل.

ثانياً، جميع البيانات المجمعة بطبيعتها تأتي من الماضي، ولهذا السبب سيخلو تحليل البيانات من معرفة نقاط التحول المستحدثة. ولهذا، لا يمكن للعملاء تقديم تعليقات وأراء مفيدة حول منتج لا يمكنهم تخيله.

ثالثاً، التفكير السطحي خطر سواء مع بيانات أو من دون بيانات – وربما أكثر من ذلك. نعم، العملاء الذين يتصلون بخط الشكاوى يبلغون عن عدم رضاهم عن الخدمة التي يتلقونها، فقط لأنّ هذا خط الشكاوى. الأسئلة الصحيحة التي ينبغي طرحها هنا هي:

1) هل العملاء (حتى إذا كانوا لا يزالون غاضبين) أصبحوا أكثر رضا في نهاية المكالمة عمّا كانوا عليه في البداية؟

2) من هم الموظفون الذين لديهم أكبر قدر من النجاح في تحسين رضا العملاء؟

3) ما هي التقنيات التي يستخدمها هؤلاء الموظفون الناجحون؟

صحيح أنّ الإحصاءات الأساسية هي التي تعطي قوة للأنماط؛ فمعرفة الإحصاءات الأساسية هي مهارة من المهم امتلاكها. ومع ذلك، أفضّل تعليم شخص شغوف بالتسويق كيفية تحليل البيانات الأساسية بدلاً من محاولة توظيف خبير في الإحصاء للتفكير في تحسين تجربة العملاء. هناك إجابات مثيرة للاهتمام، والأشخاص الذين يهتمون بهذه الإجابات يحتاجون إلى البحث عنها فقط، ربما مع تشجيع بسيط. أما الطريقة الأسهل لإثارة حماسة جميع موظفيك من أجل استخدام البيانات فتكمن في تبسيط ما يحدث بالفعل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!