التاريخ القصير للراديو يشرح نجاح آيفون

10 دقائق
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

شقّ جهاز “آيفون” (iPhone) طريقه إلى ساحة السوق قبل عشرة أعوام، ليتفوق في عالم الاتصالات اللاسلكية. وقد كانت الأهمية الاجتماعية العظيمة التي اكتسبها هذا الهاتف الذكي محط إعجاب الكثيرين. ولكن ما غاب عن الأذهان هو أن هذا الجهاز اقتحم قطاعاً كان بمعزل لفترة طويلة عن أدنى خطر للابتكار المزعزع. جاء غزو آيفون ليتكلل بالانتصار بعد منعطف طويل ومطلوب لتحرير الموجات الإذاعية، الذي يُعد بحد ذاته انتصاراً مذهلاً على الصعيد التنظيمي وفي الأسواق.

ونستعرض فيما يلي الأسباب الكامنة وراء قدرة آيفون على النجاح.

قانون الراديو لعام 1927

كانت انطلاقة الراديو شيئاً من قبيل السحر، وكثيراً ما يُستشهد بكلمات لألبرت أينشتاين (ولكنه لم يقلها) مثل: التلغراف هو مثل قطة طويلة، تسحبها من ذيلها في لوس أنجلوس ويُسمع مواؤها في نيويورك. الاتصالات اللاسلكية مثلها، لكن دون قطة. لقد روّض غوليلمو ماركوني الوحش من خلال إرسال رسائل، من جهاز راديو إلى آخر، من جانب أحد أنهار إنجلترا إلى الجانب الثاني، عام 1895.

كان الطيف الراديوي، وهو المساحة الطبيعية التي تستضيف الإشارات الإلكترونية، هادئاً لربع قرن، نظراً لقلة أجهزة الراديو، وندرة الإشارات التي تستخدمه. ولكن تغير هذا مع بدء إذاعة “كيه دي كيه أيه” (KDKA) من بيتسبرغ البث “على نطاق واسع” بتاريخ 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1920. كان جهاز الإرسال المملوك لشركة وستنغهاوس يحاول زيادة الطلب على المستقبلات اللاسلكية. وهذا ما حدث.

بحلول نهاية 1922، كانت توجد قرابة 500 محطة إذاعية تبث برامجها، وفي عام 1924، أعلنت جادة ماديسون (Madison Avenue) أن أيام العطلات هي “عيد ميلاد الراديو”. كانت المحطات تباع مع حقوق ترددات البث مقابل مئات آلاف الدولارات. واشترت صحيفة “شيكاغو تريبيون” (Chicago Tribune)، على سبيل المثال، أحد المنافذ، وحوّلت إشارة النداء الخاصة بها إلى “و.ج.ن” (WGN) اختصاراً لما يعني “الصحيفة الأعظم على مستوى العالم” (World’s Greatest Newspaper). وبحلول عام 1926، كانت أجهزة الراديو موجودة في قرابة 4 ملايين منزل، وبلغت تكلفة وحدات التشغيل الكبيرة منها أكثر من 100 دولار.

وكان من شأن إرسال إحدى جهات البث أن يؤذي المستمعين الذين يتابعون محطات منافسة. ولكن وزير التجارة هربرت هوفر كان يتمتع بسلطة تمكنه من الحفاظ على النظام. فأنفذ قواعد “الأولوية حسب الأسبقية” المقتبسة من القانون العام عبر استخدام قانون الراديو لعام 1912، والذي أجاز للإدارة “تقليل التداخل إلى الحد الأدنى”.

ونجح هذا النظام. وفي عام 1925، قال هوفر إن النظام كان يسمح “باستمرار بث عدد متزايد جداً من الرسائل دون التخريب على بعضها البعض”، إلا أنه زعم أن “هناك حاجة ماسّة إلى تشريع خاص بالراديو”. أراد هوفر أن يتمتع بصلاحية تقديرية أوسع نطاقاً حول جهات البث والبرامج التي سوف تُذاع. ودعمه، أو ربما قاده، في ذلك “رجال الإذاعة” الذين يمتلكون أفضل المحطات التجارية، وأعلنتْ الرابطة الوطنية للمذيعين (National Association of Broadcasters)، التي تشكلت عام 1925، ضرورة أن يتناول تشريع جديد تأسيس وكالة اتحادية تتولى منح حقوق البث بما يراعي المصلحة العامة. وقيل إن هذه العملية تهدف إلى توفير الحماية ضد “فوضى الأثير” (etheric bedlam)، حسب تنبيه وارد في تقرير للبحرية الأميركية، أو الحماية ضد “تنوفر الأصوات المتنافسة”، على حد تعبير المحكمة العليا لاحقاً، والتي أخطأت في التهجئة، فقد كانت تعني “تنافر الأصوات”. وقد اجتمعت المصلحة السياسية، المتمثلة في التأثير على الرأي العام، مع رغبة الشركات القائمة في إسكات التهديدات التنافسية.

واحتفل هؤلاء بتاريخ 23 فبراير/شباط 1927، عندما وقعّ الرئيس كالفين كوليدج قانون الراديو الجديد، وتأسيس لجنة الراديو الفيدرالية (FRC). أصبح بإمكان الهيئات الرقابية الآن أن تقرر كيفية استخدام الطيف الترددي، ونوع التكنولوجيات المسموح بها، واعتماد الخدمات والشبكات والتطبيقات ونماذج الأعمال اللاسلكية التي يمكن أن يتم تقديمها، أو رفضها. الرواية الرسمية كان مفادها أن لجنة الراديو الفيدرالية فُرضت على الحكومة بحكم الصراعات. وحقيقة الأمر هي أن الخلافات في واشنطن أغلقت الباب في وجه المنافسة المفتوحة.

قمع “محطات الدعاية”

عند النظر في تجديد تراخيص الراديو عام 1929، حازت محطة معينة على اهتمام هوفر (الذي كان يشغل منصب رئيس الولايات المتحدة آنذاك)، والهيئات التنظيمية التابعة له. كانت محطة “دبليو سي إف إل” (WCFL) الموجودة في شيكاغو بمثابة محطة “إم إس إن بي سي” (MSNBC) لتلك الأيام. وبعد قيام شركة يملكها اتحاد عمال شيكاغو (Chicago Federation of Labor) بشرائها عام 1926 مقابل 250,000 دولار، هدفت المحطة إلى الترويج لآراء الاتحاد. قد يبدو استخدام تكنولوجيا جديدة لإشراك الجماهير في المناقشات الأيديولوجية أمراً جيداً، لكن حرية الكلمة التي مارستها محطة “دبليو سي إف إل” لم تلقَ استحساناً كبيراً لدى لجنة الراديو الفيدرالية. جرى تقويض “المصلحة العامة” عندما أصبحت المحطة “بوق دعاية عبر الأثير” يتمتع بـ “ميزة غير عادلة” تجعلها تتفوق على الأفكار المنافسة. لم تخدم “محطات الدعاية” المماثلة المستمع العادي، بل دعمتْ الأجندات الحزبية. حددت لجنة الراديو الفيدرالية عدد ساعات عمل محطة “دبليو سي إف إل” وقللت من قوتها. واضطرت المحطة إلى القبول بالوضع الراهن تجنباً لحدوث الأسوأ. نجحت المحطة في تجديد اشتراكها لكنها خسرت علامتها، فتخلصت تدريجياً من محتواها الموجّه نحو العمال، وأعادت بث برامج هيئة الإذاعة الوطنية (NBC). وفي نهاية المطاف، استحوذت عليها شركة “آمواي” (Amway).

حدّت شروط الترخيص لدى هيئة الاتصالات الفيدرالية من حرية الصحافة الإلكترونية الناشئة. وتمثلت نتيجة ذلك في محتوى متجانس يتمتع بقدر ضئيل جداً من التنوع مقارنة بما يدعمه سوق مفتوح. ولم تكن السياسات التي أدّت إلى هذه النتائج سياسات وضعها “شرطي مرور”، فقد كانت مشكلة التداخل هي الفرضية المعلنة، ولكن الهدف الذي يكمن وراء رغبة الهيئات الرقابية، والمصالح التي أحبوها أو خافوا منها جداً، كان السيطرة على أسواق التكنولوجيات اللاسلكية.

تطبيق أرمسترونغ القاتل

كان إدوين هوارد آرمسترونغ عالماً عبقرياً، وكان يمتلك مجموعة من براءات الاختراع في مجال الراديو بحلول الوقت الذي تخرج فيه من جامعة “كولومبيا” (Columbia University) في عام 1913. وفي وقت مبكر من عشرينات القرن الماضي، كان آرمسترونغ، الذي شغل عندئذ منصب أستاذ جامعي في جامعة كولومبيا، وكان رائداً في جيش الولايات المتحدة، أكبر مساهم في مؤسسة راديو أميركا (Radio Corporation of America) التي كانت تشتري ملكيته الفكرية بالأسهم.

وفي 1934، وهو العام نفسه الذي تحولتْ فيه لجنة الراديو الفيدرالية لتصبح هيئة الاتصالات الفيدرالية (FCC)، كان آرمسترونغ يُطوّر تكنولوجيا راديو جديدة وفّرت استقبالاً فائقاً “أمانة نقل عالية” (high fidelity). هذه التكنولوجيا لم تُعط اسم “أي إم” (AM)، بل “إف إم” (FM). امتدحها المهندسون واصطف خلفها المستثمرون. وكل ما احتاجه آرمسترونغ كان طيفاً راديوياً لإذاعاته.

كانت هيئة الاتصالات الفيدرالية متشككة وبطيئة، وكان آرمسترونغ رجلاً لا يفتر عزمه، فاستطاع تأمين ترددات مخصصة لإذاعات “إف إم” بحلول عام 1940، وبدأ بإنشاء المحطات الإذاعية وبيع أجهزة الراديو، وبحلول ديسمبر/كانون الأول 1941، أصبحت إذاعات “إف إم” تُسمع في أنحاء شمال شرق الولايات المتحدة كلها، وكانت أجهزة الاستقبال موجودة في حوالي 500,000 بيت.

ثم توقف آرمسترونغ، فمع الهجوم على بيرل هاربر، توقف إنتاج الراديو للمدنيين بسبب الحرب العالمية الثانية. وعاد آرمسترونغ إلى الخدمة العسكرية، ليطوّر إذاعات “إف إم” للجيش الأميركي، وجرتْ ترقيته إلى عقيد.

وعند انتهاء الحرب، كانت التوقعات عالية جداً لـ “إف إم”، فاستطاعت أن تؤسس لنفسها قاعدة من المتابعين الدائمين، وكانت الأمور كلها متهيئة لاستضافة أبراج الإرسال. وكانت هناك تقديرات ببيع 5 ملايين راديو “إف إم” سنوياً.

ولكن الطبيعة، بمعناها الواسع، تدخلت.

قدّمت هيئة الإذاعة الوطنية (NBC) و”سي بي إس” (CBS) التماساً لدى هيئة الاتصالات الفيدرالية لتعيد النظر في نطاق “إف إم” الذي يشغل ترددات بين 42 – 50 ميجا هيرتز. كما ضغطتا على الهيئات الرقابية لإنهاء الخدمة الموجودة واستبدالها بالقناة التلفزيونية الأولى (Channel 1). ووجدت هيئة الاتصالات الفيدرالية سريعاً أحد مبررات “المصلحة العامة” لهذه الخطوة، وهي البقع الشمسية. قيل إن النطاق عُرضة على نحو فريد للتوهجات الشمسية التي تقوم لسبب ما بتخريب أجهزة راديو “إف إم”، إلا أنها لا تشوش على أجهزة التلفزيون. ورفض خبراء الحكومة الفيدرالية نفسها (من غير هيئة الاتصالات الفيدرالية) هذه الحجة، واعتبروها مثيرة للضحك. شاط آرمسترونغ غضباً، وقدم دليلاً علمياً كبيراً لدحض هذه النظرية.

ولكن الأمر كان أكبر من أن يستطيع أبطال “إف إم” تحمله. شطبت هيئة الاتصالات الفيدرالية مجموعة الترددات المخصصة لـ “إف إم” في منتصف عام 1945، مما أدى إلى تعطيل إذاعات “إف إم” كلها، وأيضاً منشآت البث الإذاعي. وجرى تعيين قنوات “إف إم” جديدة بين 88 – 108 ميجا هيرتز، لكن تطوير معيار جديد سوف يستغرق سنوات، عدا عن إنتاج المعدات وبيع أجهزة الاستقبال. وسيكون المشترون أبطأ في (إعادة) الاستثمار في تكنولوجيا تركتهم مع كبائن عديمة القيمة في آخر تجربة لها.

كانت “إف إم” مدمَّرة. وكسب البث التلفزيوني القناة الأولى (Channel 1)، وتخلى عنها بعد فترة وجيزة، وأكملت هيئة الاتصالات الفيدرالية مسيرتها.

لكن إدوين هوارد آرمسترونغ، العالِم ورائد الأعمال والضابط العسكري، لم يفلح في ذلك، فأصابه اليأس بعد حيرة من خيانة إدارة هيئة الاتصالات الفيدرالية له. استسلم آرمسترونغ مع الإنهاك الذي أصابه أيضاً من قضايا براءات الاختراع ضد منافسيه. وفي يناير/كانون الثاني 1954، كتب رسالة حب إلى زوجته، وانتحر بإلقاء نفسه من شقته الموجودة في الطابق الثالث عشر في إحدى بنايات مدينة نيويورك.

“آبل” تخترع جهازاً لاسلكياً

في ستينات القرن الماضي، تحررت إذاعات “إف إم” أخيراً من القيود التنظيمية غير المجدية، وتغلبتْ بسرعة على إذاعات “أي إم” من ناحية جودة المحتوى وحجم التغطية ونسبة الجمهور. وفي منتصف السبعينات، بعد مرور حوالي أربعة عقود على طرح آرمسترونغ لفكرته بكل فخر، كانت “إف إم” تتباهى وتحتفل بصفتها وضع البث الإذاعي المهيمن على الساحة.

كان ستيف جوبز يمثل نسخة مزدهرة من آرمسترونغ، كان شخصاً منفتحاً ترك دراسته الجامعية، وتخيل معنى الروعة في عالم الإلكترونيات، ثم حفّز مهندسين عباقرة لبناء أجهزته المدهشة. بحلول عام 2005، كانت الهواتف الذكية شائعة الاستخدام بالفعل، ولكن الرجل الحالم الذي أتى من مدينة كوبيرتينو بكاليفورنيا رأى شيئاً أكثر روعة من “كراك بيري” (Crackberry).

كان الشيء اللامع البهيج مصنوعاً من المعدن المصقول والزجاج، ويتمتع برسوميات جميلة وشاشة لمس متطورة. هذا ما يستحوذ على عقول المراهقين، والمسؤولين التنفيذيين في قطاع الأعمال أيضاً. ويمكن أن يؤدي جميع الوظائف التي يستطيع الهاتف أداءها، وأن يؤدي جميع الحيل التي يستطيع الكمبيوتر القيام بها، ويمكن حمله في الجيب أيضاً.

لكن ذلك ليس ممكناً إلا إذا تم وصله بالشبكات من خلال طيف راديوي.

عند هذه المرحلة سقط اختراع آرمسترونغ في دوامة الموت، محبَطاً من الشركات القائمة والبيروقراطيين والعلم التافه. ولكن بحلول زمن “آيفون”، تسللت الإصلاحات لمراجعة قانون هوفر. لم يكن على جوبز أن يلعب دور الطفل الذي يطلب من أمه شيئاً، وعوضاً عن ذلك، اشترى عرض نطاق تردد من السوق.

كيف حدث ذلك؟ كان ذلك منذ زمن طويل ربما بدأ في عام 1959، عندما اقترح الخبير الاقتصادي رونالد كوس تعيين حقوق التردد من خلال مناقصات، فيُسمح للمنافسين باستكشاف أسواق أو تكنولوجيات أو نماذج أعمال جديدة دون حاجة لإذن من إداريين. ولم يتطلب “التداخل” إدارة جزئية للأجهزة أو الشبكات أو التطبيقات. وعوضاً عن ذلك، كان أصحاب الطيف يستطيعون الاستفادة من تقديراتهم الخاصة لتطوير تردداتهم. استهزأ صناع السياسات والخبراء في القطاع بسذاجة رونالد كوس، وكان السؤال الأول الذي طرحه عليه أحد المفوضين أثناء شهادته في هيئة الاتصالات الفيدرالية: هل كل هذا مزحة كبيرة؟ عام 1962، كلّف رونالد شركة “راند كوربوريشن” (Rand Corporation) بدراسة الطيف الترددي، لكنها رفضت نشر تقريرها الخاص عندما انتقد الحكام مقترحه بقوة.

ثم في 1990، منحته لجنة نوبل جائزتها في الاقتصاد.

في غضون هذا الوقت، ترسختْ الأفكار المتحررة التي دعمها في الولايات المتحدة وأماكن أخرى، وأصبحت حقوق البث اللاسلكي أكثر مرونة، وهو ما جعل إدارة النطاق الترددي خاضعة للسوق. رحبت هذه البيئة بالأفكار الجديدة، بما فيها تلك المنبثقة عن مشروع بحث سري أجري بعد عقود في كاليفورنيا.

سيطرت حرية واسعة في إشارة إلى ما كان دقيقاً ودراماتيكياً ذات مرة، وارتبط ذلك كثيراً، من ناحية الزمن والمضمون، بتراجع البث وتطور شبكات المحمول الخليوية، وشكلت خطوات ثلاث العوامل الأساسية لذلك.

أولاً، سُمح بدخول الشبكات المنافسة. في وقت مبكر من سبعينات القرن الماضي تنبأ مسؤولون في هيئة الاتصالات الفيدرالية بشكل أولي أن شركة واحدة فقط باستطاعتها النجاة في عالم الاتصالات الخليوية: “أيه تي آند تي” (AT&T). ولكن حصلت شركتان في كل سوق على الاعتماد عند توزيع التراخيص في الثمانينات. وبعد فترة وجيرة، زاد عدد الشركات ضمن هذه التشكيلة، ما قدّم خططاً “رقمية ذات تصنيف واحد” ودفع باتجاه انخفاض أسعار الهواتف الثمينة (وخرجت شركات الاتصالات البعيدة المتخبطة تماماً من السوق). وجرى استبعاد “الاحتكار الطبيعي” كافتراض تشغيلي.

وثانياً، أضيفتْ المرونة إلى تراخيص اللاسلكي. ومُنحت شركات الاتصالات الخليوية مساحات طيف ترددي معينة بدلاً من تحديد الإجراءات التشغيلية. ويمكن لجهاز لاسلكي جديد مثل “آيفون” أن يفصل اتصال المستخدمين الآخرين، ولكن الشبكة، وليس هيئة الاتصالات الفيدرالية، هي من تعاملت مع هذا الوضع. وكان لدى شركات الاتصالات الحافز والقدرة على الاستثمار في إذاعات وتكنولوجيات ونماذج أعمال جديدة تحد من التداخل مع جلب المزيد من القيمة من كل حيز في عرض نطاق التردد.

ثالثاً، جرى استحداث عطاءات تنافسية لتعيين حقوق البث اللاسلكي. منذ عام 1994، باعت الولايات المتحدة تراخيص بقيمة تبلغ أكثر من 120 مليار دولار. ولكن الودائع في وزارة الخزانة الأميركية لا تمثل الصورة الكاملة، فالحدث الرئيس هو إدخال الطيف الترددي إلى السوق بشكل أسرع وأكثر كفاءة، مع توفيره في متناول الشركات التي تستطيع تقديم أفضل ما بوسعها للزبائن.

وقد أدت هذه التغييرات، التي جرى تطبيقها على عناصر أساسية من الطيف السياسي، إلى إسقاط النسق الموحد الذي فرضه الوزير هوفر، وفتحت الباب على مصراعيه أمام رواد الأعمال. وعندما أراد جوبز الاستفادة من الموجات الإذاعية لتحقيق حلمه، كان متجر الأطياف الترددية مفتوحاً أمام الأعمال التجارية. وبالفعل، أحدث جهاز “آيفون” من “آبل” حماساً رائعاً إلى درجة أن شركات الاتصالات تهافتت للوصول إليه، من خلال مناقصات حول امتلاك الحقوق لاستضافته. قدّمت شركتا “فيرايزون” (Verizon) وسبرينت” (Sprint) عروضهما، لكن الفوز بحقوق “آيفون” كان من نصيب شركة “أيه تي آند تي” (AT&T) التي أطلقت “آيفون” بتاريخ 29 يونيو/حزيران 2007، ووقفت طوابير ممتدة من الناس الراغبين بالشراء حتى آخر الليل. وبعد فترة وجيزة، كان بوسع شركات الاتصالات في كل مكان أن تقدم “آيفون”، وبحلول 2011 كانت الشبكات الوطنية الأربعة في الولايات المتحدة تقدمه.

فوضى الأثير

“آيفون” هو جهاز تداخل حقيقي. وكما يقول مارتن كيف وويليام ويب، الخبيران البريطانيان في مجال سياسات الطيف الترددي “قادت شاشة اللمس الخاصة بآيفون إلى زيادة هائلة في استخدام بيانات المحمول، بلا مساعدة من “آيفون” نظراً لأنه مستخدم مفرط لموارد الشبكة.. و[كانت] زيادة كبيرة في الطلب تجري في ذلك الوقت”.

الجيد بالنسبة للمجتمع كان سيئاً في ظل نظام هوفر. وكان منع مثل هذا التداخل هو الهدف من قيام الهيئات الرقابية بالإدارة التفصيلية للأسواق. وتمثلت النتيجة في الإفراط في حماية الشركات القائمة.

النهج الأفضل هو ترك المنافسة تأخذ مجراها. يضع “آيفون” أعباء جديدة وكبيرة على الشبكات، ولكن المنافسين يوازنون بين الفوائد المتحققة والتكاليف (والاستثمارات الإضافية) التي يتكبدونها. يفرح المهووسون بـ “آبل”، وتبني شركات المحمول قدرة جديدة. وفي غضون ذلك، تنتج “آبل” إصدارات جديدة، كان آخرها أبل 7 بلس. ارتفعت قيمة “آبل” السوقية من مستواها في عام 2005، 30 مليار دولار، إلى أن وصلت قيمتها في 2017 إلى 800 مليار دولار، وتكون بذلك أعلى الشركات قيمة على مستوى العالم.

إلا أنّ أرباح المساهمين في “آبل” قليلة مقارنة بالمكاسب على صعيد رفاهة الزبائن من نظام الهواتف الذكية الناشئ. أطلقت “آيفون” متجر تطبيقاتها “آب ستور” (App Store). حاول أن تتخيل هذه البرامج في مواجهة شهادة “المصلحة العامة”، واحداً تلو الآخر. وتخيل مناقشات أصحاب القرار التي لا حصر لها، والتي تعترض على “أنجري بيردس” (Angry Birds)، أو “أوبر” (Uber)، أو “ماب كويست” (MapQuest)، أو “سناب شات” (Snapchat)، أو “سبوتيفاي” (Spotify)، أو “فيس تايم” (FaceTime)، كمناقشات مزعزعة أو غير قادرة على العمل بشكل مناسب أو عرضة بشكل فريد إلى بقع شمسية.

قضت “آبل” على شركات الهواتف الذكية التي سبقتها، مثل “نوكيا” (Nokia)، و”بلاك بيري” (Blackberry)، ثم أشعلتْ فوراً منافسة جديدة وقوية. في عام 2007، لم تُقدم أي من الهواتف الذكية في العالم نظام تشغيل “جوجل” الخاص بالمحمول، “أندرويد” (Android). وبحلول 2012، كان هذا النظام موجوداً في 75% منها. فباستخدام الشهرة الهائلة لتطبيق بحث “جوجل”، أصبحت الشركة المقبلة بقوة من وادي السيليكون عملاقة في عالم الاتصالات اللاسلكية بين عشية وضحاها تقريباً، مثل “آبل” دون امتلاك ترخيص واحد يراعي “المصلحة العامة”.

تُغير المنافسة في عالم المحمول وجه الاقتصادات والحكومات والثقافات. وقد أنتجت منصة “آبل” العالمية حوالي 2.2 مليون تطبيق منفصل منذ عام 2007، سجلت نحو 140 مليار عملية تحميل. وقدّم متجر “جوجل بلاي” (Google Play) المتصل بالأجهزة العاملة بنظام “أندرويد”، 2.8 مليون تطبيق، سجلت أكثر من 65 مليار عملية تحميل.

هذا هو الجانب الجميل لقوة الطيف التنافسي. ليت إدوين هوارد آرمسترونغ عاش ليستمع إليه بأمانة نقل عالية.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!