تابعنا على لينكد إن

ثمة صورة نمطية شائعة عن حياة مؤسسي المشاريع التجارية الجديدة، تقول إنهم مجموعة من الشباب البائس في العشرينيات من العمر يعملون في مرآب دون انقطاع في الليل والنهار، وبالطبع ليس لديهم أطفال، فلا مجال لوجود حياة لهم خارج العمل. وما يساعد على ترسيخ هذه الصورة الشائعة لمؤسسي الشركات مدمني العمل الذين لا أطفال لديهم، وجود المؤسسين الذين يسردون بدايات شركاتهم وما انطوت عليه من عمل منهك متواصل. وما أخشاه هو انتشار هذه الصورة التي تُظهر شكل الحياة عند بدء مشروع جديد وكأنها حياة غير متوازنة لا مجال فيها للأطفال، وبالتالي تنفير الموهوبين الذين يمكن أن يكونوا مؤسسين ناجحين في المستقبل من خوض غمار التجربة بأنفسهم وتأسيس شركات جديدة والمساهمة في نهوض الاقتصاد.

في الحقيقة، دائماً ما يؤكد رواد الأعمال لي عندما أتحدث معهم، أنّ مسألة إنجاب طفل مع بدء مشروع جديد في الوقت ذاته تعد مسألة مرهقة حقاً لكنها غير مستحيلة. كما أنني رأيت بنفسي كيف تمكّن هؤلاء المؤسسون من خلق ثقافة يمكن فيها للجميع، لا الرئيس فحسب، الاستمتاع بمزايا العمل التي تراعي الحياة العائلية، مثل أوقات العمل المرنة، والإجازات مدفوعة الأجر. وهم يؤمنون أنّ هذه الثقافة تُعد جزءاً من عملية إرساء سياسات مستدامة تراعي الموظف وتهدف إلى دعم الوضع المالي للشركة على المدى البعيد.

على سبيل المثال، عندما كانت كيتلين زينو مؤسسة شركة بورتر أند سيل (Porter & Sail) لخدمات الضيافة، في انتظار مولودها الأول، حاولت البحث عن تجربة مماثلة لسيدة نجحت في التوفيق بين إنجاب طفل وبدء مشروع جديد في آن واحد.

وكانت الموظفة الأولى لدى كيتلين، رئيسة قسم الإنتاج في الشركة، أيضاً في انتظار مولود جديد، وكذلك كان هناك الكثير من النساء في الثلاثين من العمر اللواتي يفكرن في الإنجاب. وفكرت أنها إذا استطاعت إيجاد حل لنفسها، يمكنها إذن مساعدتهن ورسم مسار جديد لتسهيل حياتهن، أيضاً.

وجدت كيتلين النموذج الذي كانت تبحث عنه في كاتيا بوشامب، إحدى مؤسسات شركة برتشبوكس (Birchbox)، التي نصحتها بأنّ “كل شخص يريد أن يشعر أنه الأهم في الشركة، لكن يظل الفريق هو الأهم. فعندما تؤدي عملك على أكمل وجه، يتقدم الجميع معاً”. لذلك، عندما حان الوقت، أخذت كيتلين إجازة لعدة أيام، ليرى الجميع أنه لا حرج إطلاقاً على أي شخص، حتى على رئيس الشركة، الابتعاد عن العمل لبعض الوقت من أجل طفل جديد.

أصبحت الشركة الآن في عامها الثاني، وتضم 13 فريقاً لم يغادر منهم أي آباء جديد. واستمرت كيتلين في تمثيل القدوة للموظفين ووضع سياسات مرنة تساعد على دعمهم، وهم حرصوا بدورهم على دعم الشركة بجدّهم وتفانيهم في العمل، ما ساعد على تحقيق نمو ربع سنوي كبير بمعدل 30%.

واستمرت في تطبيق ما تعلمته من كاتيا، التي أخبرتها كذلك أنّ “السبيل للنجاح هو معاملة الآخرين كما تحبين أن تُعاملي. والطريقة التي تبدئين بها مشروعك هي مؤشر لما سيكون عليه مستقبل ذلك المشروع”.

من جهته يرى فيك درابيكي، وهو أب لطفلين ومؤسس وكالة جانيوري ديجيتال (January Digital) الإعلانية التي تتخذ من دالاس ونيويورك في الولايات المتحدة الأميركية مقراً لها، والتي تتضمن 45 موظفاً، أنّ السياسات التي تراعي الحياة العائلية لابدّ أن تكون قائمة على إرساء ثقافة الثقة، ويوضح: “إذا كنت أثق في الموظفين وأئتمنهم على ملايين الدولارات من أموال عملائنا، فكيف لا أئتمنهم على استخدام أوقاتهم بالشكل الأمثل”.

وبدأت الشركة في وضع سياسات رسمية خاصة بإجازة الأمومة والأبوة عندما أعلنت الموظفة الرابعة خبر حملها. وساعدت خبرتها في تحديد وصياغة سياسة الشركة، التي استمر فيك في تعديلها مع توسع الفريق. يقول فيك: “أحب وضع سياسات تقوم بامتصاص الصدمات لا وضع القوانين الصارمة التي لا مرونة فيها”. وأخبرني فيك كذلك أنه تعلّم الكثير من تجربتي الأبوة التي مر بهما، ويقول: “تُعتبر الأسابيع الأولى حقاً صعبة، كما أنّ الشهرين الثاني والثالث أشد صعوبة وإرهاقاً، لذا أنصح الآباء الجدد باستخدام الإجازة بأي طريقة يفضلونها”. وتُقدم جانيوري ديجيتال لموظفيها إجازات مدفوعة الأجر للأمهات (لمدة 3 أشهر مع تخفيض ساعات العمل لمدة شهر إضافي) والآباء (لمدة 3 أسابيع). وبالإضافة إلى ذلك، تُقدم الشركة عدداً غير محدود من أيام الإجازات وتصاريح العمل من المنزل عند الحاجة.

يدرك فيك الظروف المعقدة المرتبطة بالحمل، إذ يقول: “أشجّع الموظفين على الذهاب لمواعيد التلقيح الصناعي أو الاختبارات، بالتأكيد هي أكثر أهمية من بيع الشركة للإعلانات على الإنترنت”. كما يوضح أنّ مراعاة ظروف الموظفين ودعم الآباء الجدد لم يؤثر على أداء الشركة إطلاقاً بل انعكس إيجابياً عليها.

وكذلك، يؤكد برايان بينيت على مزايا تطبيق سياسات تراعي الحياة العائلية ضمن استراتيجية المهارات في شركته. وبينيت هو مؤسس شركة كورتكس (Cortex) في العاصمة الأميركية واشنطن، وهي شركة ناشئة في مجال البرمجيات المعروفة بـ “البرمجيات كخدمة”، والتي تقدم حلولاً تقنية تعمل على توفير الطاقة والمال في المباني المكتبية من خلال عمليات الرصد والتحليل. وخلال ثلاثة أشهر أسس شركته الجديدة وأصبح أباً في الوقت ذاته، واليوم هو أب لطفلين رائعين. ويرى برايان أنّ تجربة الأبوة كانت ميزة كبيرة جداً بالنسبة لشركته، إذ كانت لديهم، منذ البداية، قوانين وعمليات وأدوات ذاتية ساعدت على تعزيز التطور المهني والشخصي على حد سواء. يقول: “لم أقف قط موقف المتفرج وأسأل كيف نفعل ذلك؟ إنما كنت مثالاً وقدوة، وهذا ما منحنا ميزة تنافسية واضحة في معركة المهارات”.

واليوم، أصبح ثلثا موظفي شركة كورتكس، البالغ عددهم 12 موظفاً، آباء وأمهات، لأطفال لا تزيد أعمارهم عن ست سنوات. ولتعزيز سعادة الموظفين وارتباطهم بالعمل، بدأ برايان التركيز على الاهتمام بالنتائج أكثر من العملية نفسها، وتقليل الاجتماعات والتركيز على استغلال الجميع لأوقاتهم بشكل أكثر فعالية واستراتيجية قدر الإمكان.

إلى جانب ذلك، أخبرني أيضاً أنّ “البحث عن المهارة يُعتبر أمراً هاماً وصعباً إلى حد ما، ونحن نبحث عن موظفين لديهم الخبرة الكافية التي تجعلهم متفوقين حقاً في ما يقومون به. نحن نسعى بكل السبل للحصول على موظفين يتمتعون بالرأي السديد والقدرة على التعامل مع الاستقلال المهني بشكل جيد”. أدى استثماره في الفريق إلى نمو الشركة نمواً سريعاً ومطرداً، إذ تجمع الشركة حالياً تمويلاً من الجولة الأولى، ومن المتوقع زيادة عدد موظفيها إلى 41 موظفاً بحلول 2019.

ويمكن أن تظهر بعض القضايا التي تجب مراعاتها عندما تصل الشركة الناشئة إلى حجم معين. مثلاً، شركة ثيرد لاف (ThirdLove)، شركة ملابس داخلية مقرها كاليفورنيا وأسستها هايدي زاك التي كانت تعمل في جوجل سابقاً. تقول هايدي: “تُعتبر الشركة الناشئة شركة مبتدئة بصرف النظر عن القوى المحركة فيها، حتى وإن كان من يتولى دفة القيادة فيها أماً”. أنجبت هايدي مرتين على مدار الخمسة أعوام السابقة بينما كانت تعمل على تأسيس الشركة، التي تجاوز عدد الموظفين فيها الآن 130 موظفاً. وكانت أول موظفة تحصل على إجازة لديها وأول موظفة قامت بتعيينها في الشركة، هي رائيل كوهين نائبة الرئيس للتصميم والإبداع. وفي ذلك الوقت، لم تكن سياسة الشركة اعتمدت رسمياً بعد، وحصلت رائيل على الإجازة التي أرادتها، كما أنها قامت ببعض التغييرات عند عودتها للعمل، مثل تقليل أيام العمل حتى وقت متأخر في المكتب (ولكن كانت تعود هي وهايدي إلى أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم لاحقاً أثناء الليل بعد الانتهاء من روتين نوم الأطفال). وتتمثل الأولوية الأساسية لهايدي حالياً في صياغة سياسة رسمية تمنح إجازة مدفوعة الأجر لمدة ثمانية أسابيع وإجازة غير مدفوعة لمدة أربعة أسابيع، “ومن المتوقع أن يأخذ الموظفون هذه الإجازة، ونحن نريد أن نعدّهم للنجاح”.

وتحرص هايدي كذلك على استقبال الآباء الجدد لدى عودتهم من الإجازة بجو من الاحتفال والدعم. وتشعر هايدي بالفخر الكبير بتوفير بيئة مريحة ومواتية للآباء والأمهات، إذ تقول: “نحن نتحدث عن الأطفال ونتشارك صورهم، ولا نطلب من أحد أن ينسى الأمومة أو الأبوة قبل أن يدخل الشركة”، كما تقوم الشركة باستضافة فعاليات مناسبة للعائلات، مثل حفلة النحت على اليقطين التي أقامتها الشركة مؤخراً وسمحت فيها للموظفين باصطحاب أطفالهم إلى الشركة.

ليس سهلاً تأسيس شركة جديدة في وقت تحمل حقيبة المولود الجديد في يد وفي الأخرى العرض التعريفي للشركة. إذ أنك بتّ تتعامل مع كيانين جديدين يتطلب كل منهما قدراً كبيراً من المرونة. ولكن بشكل من الأشكال، يمكن أن تكون الحياة عند بدء مشروع جديد مناسبة لظروف تربية الأطفال الصغار أكثر من الحياة في المؤسسات الكبيرة، بما فيها من قواعد صارمة وثقافات راسخة منذ زمن طويل. أكد لي جميع مؤسسي الشركات الذين تحدثت معهم أنّ ما دفعهم إلى تأسيس شركاتهم وقيادتها بطريقة قائمة على المبادئ والنظرة المستقبلية ليست الفرصة لاستحداث منتجات جديدة فحسب بل الرغبة في ابتكار أنواع جديدة من الشركات الرائدة.

وكلما قدّرنا هذا النهج وقمنا بتشجعيه، ازداد إدراك الناس لعدم حاجتهم للاختيار بين الأمرين، إما تأسيس شركة جديدة أو إنجاب طفل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz