إنّ العزلة شعور مؤلم ومؤذ يمكن تعريفه كالتالي "هو مجموعة معقدة من المشاعر التي تحدث عندما لا تتم تلبية الاحتياجات العاطفية والاجتماعية تلبية كافية". وتختلف العزلة عن الاكتئاب أو الشعور بالوحدة أو مشاعر الانزواء. إذ أنها ترتبط أكثر بنوعية علاقات الشخص الاجتماعية بدلاً من كميتها.

دُرست العزلة مطولاً في المؤلفات النفسية المتعلقة بالعائلة أو الحياة العاطفية أو الاجتماعية. ولكن عدداً قليلاً جداً من الدراسات يتحدث عن دور تجربة العزلة في مكان العمل. ومع تزايد الوعي تجاه العزلة، عيّنت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي وزيرة للعزلة في وقت سابق من هذا العام، كما كتب الجراح العام السابق للولايات المتحدة فيفيك مورثي عن هذا الموضوع لمجلة هارفارد بزنس ريفيو في العام 2017. من المهم فهم كيف يعاني الناس من العزلة في وظائفهم. كيف تؤثر على عملهم؟ كيف تشكّل علاقاتهم مع الزملاء؟ وما الذي يمكن فعله لمساعدة موظف منعزل؟

وفقاً لبحثنا، الذي نشر مؤخراً في مجلة أكاديمية الإدارة (Academy of Management Journal)، فإنّ شعور الشخص بالعزلة يرتبط بأداء منخفض في العمل. وبالإضافة إلى ذلك، يُقيّم الموظفون المنعزلون من قبل زملائهم على أنهم أقل وداً وأقل ارتباطاً بالمؤسسة. ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ العزلة ليست مشكلة الموظف المنعزل فحسب؛ بل إنها تؤثر أيضاً على زملائه ونتائج الأداء كذلك. وعلى المؤسسات أن تتعامل مع معالجة مشكلة العزلة بجدية حرصاً على الموظفين وعلى المؤسسة ذاتها.

حصلنا على هذه النتائج من دراسة ميدانية تضمنت 672 موظفاً عبر 143 مجموعة عمل ومشرفيهم الذين يبلغ عددهم 114 مشرفاً. عمل هؤلاء الموظفون والمشرفون إما في شركة خاصة ربحية أو حكومة مدنية لحاضرة الساحل الغربي في الولايات المتحدة والتي يسكنها 120 ألف شخص تقريباً. كان هنالك تنوع مهني واسع في كل عينة. قمنا بدراسة 88 منصباً مختلفاً في البلدية العامة، إذ أننا درسنا الموظفين وسائقي الشاحنات والمدراء والمهندسين وضباط الشرطة والعديد غيرهم. وهذه الشركة الخاصة الربحية هي شركة تعهدات خارجية للخدمات والتصنيع وتحتوي على أكثر من 41 منصباً، حيث تضم مدراء المشاريع والمشرفين والمساعدين الإداريين والمحاسبين ومعالجي المواد. وقد حصلنا على البيانات من عدة مصادر: من الموظفين الذين أفادوا عن مستوى عزلتهم في مكان العمل ومن زملائهم الذين أفادوا عن مدى سهولة التعامل معهم، ومن تقييمات أداء العمل من قبل المشرفين.

لقد اكتشفنا ميل الموظفين المنعزلين إلى إقصاء أنفسهم والشعور بقلة الارتباط بالمؤسسة ككل. كما يلاحظ زملاؤهم أنهم غير ودودين في العمل وأيضاً في الأمور الشخصية. وتُضاف هذه النتائج إلى المؤلفات البحثية الضخمة التي تظهر تأثير سلوك الأشخاص المنعزلين على زيادة عزلتهم. بعبارة أخرى، حتى وإن كان الشخص يرغب بالتواصل مع الآخرين فهو يرى أنّ البيئة حوله مهدّدة، ولهذا يصبح شديد الحذر ومفرط الحساسية تجاه ردات فعل الآخرين. وعندما يحدث هذا يصبحون أقل (وليس أكثر) ودّاً لزملائهم، وبهذا تستمر هذه الدورة التي تؤدي فيها العزلة إلى المزيد من الحذر الاجتماعي. وبالنتيجة تزداد احتمالية انسحاب الأشخاص المنعزلين بعيداً.

تظهر نتائجنا أيضاً، أنّ الموظفين المنعزلين يشعرون بارتباط أقل بمؤسساتهم، ما يشير إلى أنه عند هيمنة المشاعر السلبية، يقرر الموظفون المنعزلون أنّ بعض العلاقات لا تستحق الجهد المبذول. ثم ينتشر هذا القرار إلى دوائر العلاقات المحتملة الآخذة بالاتساع داخل المؤسسة. عندما تبدأ الروابط الاجتماعية بالتآكل بين الزملاء، يتلاشى كذلك الاستعداد للتواصل والتعاون المبنيّين على المشاعر والثقة. وعندما يُبنى العمل على هذه العلاقات يمكن أن تعاني فرق وأقسام بأكملها ضمن المؤسسة أيضاً. بهذه الطريقة لن تكون العزلة متعلقة بالأفراد وحسب؛ ستؤثر على المجموعة والمؤسسة ككل.

لحسن الحظ أنّ هنالك حلولاً لهذه المشكلة؛ إذا استطاعت الشركة تقديم دعم فعال في الوقت المناسب للموظفين المنعزلين، سيساعد هذا على كسر الدائرة السلبية لعزلة العمل. لقد وجد الباحثون في تحليل إحصائي لإحدى استراتيجيات التدخل الشائعة لتقليل العزلة أنّ أكثر التدخلات فعالية هي تلك التي تستهدف المعارف الاجتماعية غير القابلة للتكيف مثل التصور السلبي للمنعزلين حول الكيفية التي يراهم بها الناس أو مدى جدارة الآخرين بالثقة. وقد تبيّن أيضاً انتفاعهم كثيراً من برامج التدخل التي تركز على إيضاح احتياجات المشاركين المتعلقة بالصداقة وتحليل شبكاتهم الاجتماعية الحالية ووضع أهداف متعلقة بالصداقة وتطوير استراتيجيات لتحقيق هذه الأهداف. وبالإضافة إلى ذلك، ولأن العزلة تعيق محفزات ومهارات الأشخاص المنعزلين عن التواصل، فإنّ أي تدخل يتطلب جهداً هائلاً ومتابعة، ومن غير الكافي ربط الأشخاص المنعزلين مع الآخرين مرة أو مرتين ومن ثم توقع تشكّل العلاقات بينهم تشكلّاً سحرياً. فبدلاً من التقريب بين الناس، ارتبطت إحاطة هؤلاء الأشخاص بزملاء أكثر عزلة بارتباط عاطفي أقل مع المؤسسة وهو ما يسمى أيضاً بالالتزام الفعال.

تلعب ثقافة الشركة أيضاً دوراً في التعبير عن القيم والمعايير المتعلقة بالمشاعر التي يُسمح بالتعبير عنها في العمل. في دراستنا، وجدنا أنّ ثقافة الحب الوفاقي العاطفية القوية مقابل الضعيفة (التعبير عن التأثير والرعاية والشفقة والرقة بين الموظفين) تُضعف العلاقة السلبية بين عزلة العمل والالتزام الفعال مع المؤسسة. كما أنّ ثقافة الغضب العاطفية القوية مقابل الضعيفة (الغضب والغيظ والإحباط والإزعاج) تقوي العلاقة السلبية بين عزلة العمل والالتزام الفعال مع المؤسسة والزملاء.

تُعد نتائجنا مفيدة، ولكن ما زال علينا أن نتعلم المزيد عن العزلة في العمل. كيف يمكن للمؤسسات أن تساعد الموظفين في التخفيف من إحساسهم بالعزلة؟ هل يميل الناس بشكل عصبي إلى تجاهل الموظفين المنعزلين؟ كيف يمكن أن يتعلم الموظفون معالجة مشاعر العزلة لديهم؟ كم مرة تحدث عزلة العمل؟ وكم من الوقت يلزم لتغيّر شعور الموظف بالعزلة؟ كيف يمكن للمؤسسات أن تمنع العزلة من الأساس؟ من الحكمة أن يدرك المدراء أنّ العزلة في الواقع تحدث فعلاً بين موظفيهم. وهي لا تعد مشاعراً مؤلمة للشخص الذي يشعر بها وحسب؛ بل لها أيضاً تداعيات على المؤسسة والتي بدأنا لتونا بفهمها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!