تابعنا على لينكد إن

إنّ قلة من الناس اليوم يتصلون بالطبيب عند شعورهم بنوبة من الحنين، لكن على مدى 200 عام، كان الحنين يُعد من الأمراض الخطيرة، ويؤدي إلى تشكل الأوهام واليأس وحتى إنه يؤدي إلى الموت. ولقد صاغ طبيب سويسري عاش في القرن السابع عشر كلمة “ألغوش” (algos) والتي تعني “ألم”؛ لوصف الشعور الذي يسبب وهناً حاداً في العزيمة؛ ذلك الألم الذي يشعر به الأشخاص الذين يبتعدون عن “موطنهم الأصلي” والذي أُطلق عليه قديماً اسم “نوستوش” (nostos). في الولايات المتحدة وخلال الحرب الأهلية، أبلغ أطباء جيش الاتحاد عن 5,000 حالة خطيرة من الحنين، وأدى ذلك إلى 74 حالة وفاة. وفي أوروبا، حاول الأطباء بجدية إيجاد علاج لمرض “الحنين إلى الوطن” والعمل على الحد من انتشاره.

بدأ خطر المرض بالتراجع مع نهاية القرن التاسع عشر، حيث اعتقد الخبراء أنّ ظهور “الصناعات الحديثة” و”الاتصالات السريعة” جعلت الناس أكثر انفتاحاً للتغيير، وبالتالي أكثر مقاومة للمرض. وبحلول القرن العشرين، بدأ الباحثون يتعرفون على الشكل الأكثر اعتدالاً من الحنين والذي يعتبر صحياً تماماً: وهو التوق إلى استعادة “الشعور” الذي كان يمر به الشخص خلال حياته مع أصدقائه أو عائلته؛ بدلاً من العودة “حرفياً” بأحاسيسهم وأفكارهم إلى مكان أو زمن سابق. هذا النوع من الحنين يجعل الناس يشعرون بأنهم أكثر حميمية تجاه أنفسهم ويتصرفون بإيجابية أكثر تجاه الآخرين؛ بمن فيهم الغرباء.

إلا أننا شهدنا في العقود الأخيرة ظاهرة إحياء الشكل الأكثر ضرراً من الحنين، وهو ما يمكن أن نسميه “مرض الماضي”؛ وهو يعني الرغبة العارمة في استعادة مرحلة تعتبر مثالية من التاريخ. عندما يشعر الناس بالحنين الجمعي إلى تجاربهم السابقة ويرون أنفسهم أشخاصاً ينتمون إلى مجموعة ما أو حقبة ما، وعوضاً عن الحنين الفردي إلى تجاربهم الشخصية، فإنهم يبدأون بالتماهي بشكل كبير مع مجموعتهم الخاصة والحكم على المجموعات الأخرى بسلبية أكثر، كما أنهم يصبحون أقل تفاؤلاً بشأن قدرتهم على إقامة علاقات جديدة، وأكثر عدائية تجاه الأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم من الخارج. وعندما يتم تسييس مثل هذا الحنين، فإنه يمكن أن يؤدي إلى تشكل الوهم حول العصر الذهبي الساحر والأسطوري للوطن الأم، الذي يُفترض أنه مُنتهك من قبل المتطفلين.

إنّ الحنين الجمعي ينطوي دائماً على إنكار وجود العنصرية والإثنية والتنوع الأسري في الماضي، فضلاً عن المظالم الاجتماعية، ويخلق أساطيراً رومانسية يسهل دحضها من قبل أي شخص مستعد للغوص في الحقائق التاريخية. وعلاج مرض الماضي لا يكمن في إضفاء الطابع الرومانسي “أيضاً” على الحداثة والابتكار اللتين قُدمتا لنا على مدى الأربعين سنة الماضية، وهو ما قد يسمى: “الحنين إلى المستقبل”، أو “مرض الحداثة”.

لمدة طويلة من القرن العشرين، كان يمكن القول أنّ انعدام المساواة بين الناس والمجتمعات نجم عن الانتشار غير المكتمل للتكنولوجيا والصناعة والأسواق، وأنه سوف يتم حل هذه القضية من خلال مواصلة عملية التحديث، ولكن ما أصبح واضحاً بمرور عقود من الزمن أنّ مكاسب الحداثة بالنسبة للبعض قد أسفرت عن خسائر كبيرة بالنسبة للآخرين، وفي حين أنّ الابتكارات في الأربعين سنة الماضية قد فتحت أبواب المزيد من الفرص للمتخصصين ورواد الأعمال الأثرياء أكثر مما أغلقت، لم يكن الحال نفسه بالنسبة للعديد من أبناء الطبقة العاملة والبلدات الصغيرة والريفيين سواء كانوا رجالاً أم نساء. إنّ فشل صنّاع السياسة وقادة الرأي في الاعتراف بخسائرهم ترك ألم “الخاسرين” يفسد في خليط سام من القومية والعنصرية ونظريات المؤامرة في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة.

على الرغم من التمييز المؤسسي، فإنّ الأميركيين من الطبقة العاملة من جميع الأعراق قد حققوا تقدماً اقتصادياً هاماً في السنوات الـ35 التي تلت الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من أنّ العمال الذكور أصحاب البشرة البيضاء كان لديهم الأفضلية على الأقليات والنساء من حيث التوظيف والأجور، إلا أنّ المكاسب التي حققوها في تلك المرحلة لم تكن نتيجة تفوقهم المهني على الأقليات، بل بسبب قدرتهم الأكبر على التفاوض أمام أصحاب العمل. كان الانتشار الكبير للنقابات وقوتها عاملاً كبيراً، وإن كان العمال من الأقليات والنساء تم قبولهم تدريجياً فقط، إذ أنّ النقابات القوية منها تميل إلى رفع الأجور في قطاعات أخرى من الاقتصاد وتعمل كقوة موازنة لقطاع الأعمال للتأثير على سياسة الحكومة.

في تلك البيئة، ساهم العمال في دخل أسرهم بحصة من النمو الاقتصادي أكبر بكثير مما يحصل اليوم، فمنذ عام 1947 وحتى بداية السبعينيات، كسبت أجيال متعاقبة من الشبان، في المتوسط، ثلاثة أمثال الدخل، بالقيمة الثابتة للدولار، الذي كسبه آبائهم في نفس العمر. وفي كل خطوة من التقدم الاقتصادي في نفس تلك السنوات، ذهب 70% إلى 80% من نمو الدخل إلى الشريحة الأفقر الـ90% من السكان، ما أدى إلى تقلص مستمر للتفاوت الاقتصادي بين مراكز المدن الكبيرة والصغيرة والمناطق الريفية.

منذ أواخر السبعينيات، سادت أوضاع مختلفة جداً من التطورات على الصعيد الاقتصادي، فبين عامي 1980 و2007، حتى قبل أن يحل الكساد الكبير، انخفض متوسط الدخل الحقيقي للرجال من عمر 25 إلى 34 والحاصلين على شهادة المرحلة الثانوية بنسبة 28%، حيث كسب كل جيل من الشبان منذ عام 1980 دخلاً “أقل”، في المتوسط، من الذي كسبه آباؤهم في نفس العمر. في الوقت نفسه، في مراحل التوسع الاقتصادي، استحوذت الشريحة الأغنى الـ10% من أصحاب الدخول على 95% أو أكثر من نمو الدخل، كما شهدت أوروبا وأماكن أخرى ارتفاعاً مماثلاً لمعدلات انعدام المساواة. أفادت دراسة حديثة لمنظمة أوكسفام أنّ الشريحة الأغنى الـ1% في العالم استحوذت على 82% من الثروة التي تم خلقها في العام 2017.

كان رد فعل “الطبقة الخلاقة” على هذه التطورات، أقل ما يمكن قوله، متعجرفة؛ فعلى الرغم من المؤشرات الواضحة على معاناة الطبقة العاملة في الثمانينيات وأوائل التسعينيات، أصر معظم المثقفين على أنّ ما يحصل في هذا العصر هو “انفجار” لاستهلاك تقنيات وسائل الراحة الحديثة والرخيصة أكثر من أي وقت مضى، والتي أنتجتها التطورات التكنولوجية والعولمة. ووصف الخبير الاقتصادي روبرت سامويلسون المخاوف من فقدان الوظائف وتخفيض الأجور بأنها “تهويل لا داعي له”، والذي جعل العائلات الأميركية “تشعر بالقنوط حيال تحسين وضعهم المالي”. وكان رأي الكاتب المحافظ جورج ويل أنّ الرخاء الحالي أنتج “أوقات فراغ ووفرة وأمان” لدرجة أنّ عقولنا، التي هي أصلاً لغرض التعامل مع الأخطار المستمرة، قد أصبحت “ضجرة”. وحتى مؤسس شركة مايكروسوفت بيل غيتس، المهتم بالقضايا الاجتماعية كان راضياً حيث قال: “ستختفي الوظائف والصناعات بأكملها؛ لكن، في المقابل، سوف تزدهر وظائف وصناعات جديدة، والنتيجة الخالصة هي إنجاز المزيد؛ والذي سيرفع من مستوى المعيشة على المدى الطويل”.

خلال مرحلة الكساد الكبير، اكتشف المثقفون لفترة قصيرة أنّ الزيادات “المتوسطة” في الدخل غالباً ما تخفي حالة خطيرة من انعدام المساواة، ولكن سرعان ما تم نقض ذلك بمجرد أن بدأ الاقتصاد بالنمو مرة أخرى. في الخريف الماضي، تجاهل كبير خبراء الاستراتيجيات العالمية في مصرف مورغان ستانلي (Morgan Stanley) الاستثماري المخاوف بشأن فقدان الوظائف بسبب الأتمتة، قائلاً إنه “عندما تدمر التكنولوجيات الحديثة؛ فإنها تخلف طبقة من الرماد التي تنمو فيها وظائف جديدة”. وفي يناير/كانون الثاني الماضي، بعد عام آخر من مكاسب في الوظائف دون مكاسب في الأجور، أعلن محرر في وكالة الأنباء بلومبيرغ نيوز (Bloomberg News) ببساطة أنّ “النمو السريع الذي لا يتم مشاركته مع الجميع أفضل من عدمه”. وأضاف بارت فان آرك، كبير الخبراء الاقتصاديين في مؤسسة مجلس المؤتمرات (The Conference Board) في الحقيقة، لا يوجد بلد في العالم لا يكون فيه المستهلك على ما يرام”.

ماذا عن أولئك الأشخاص الذين يقدمون بالفعل تلك السلع والخدمات الاستهلاكية بأسعار معقولة؟ في الولايات المتحدة، أدى “الانتعاش” الاقتصادي إلى ازدياد ارتفاع معدلات انعدام المساواة وانعدام الاستقرار الذي استمر 40 عاماً، حيث أظهرت دراسة استقصائية حول مكاسب الوظائف والأعمال التجارية في الولايات المتحدة بين عامي 2011 و2015 أنّ معظمها كانت محصورة ضمن الشريحة الأغنى الـ20% في مناطق معينة من البلاد. وحصلت الشريحة الأفقر الـ60% من باقي أغلب المناطق مجتمعة على واحدة فقط من بين أربع وظائف جديدة والتي تم خلقها في تلك السنوات، و20% من سكان المناطق التي كانت أكثر تعاسة قبل الكساد استمرت في فقدانها للوظائف والأعمال التجارية خلال مرحلة “الانتعاش”. في عام 2007، كانت الشريحة الأفقر الـ90% من السكان تحصل على 28.6% من إجمالي الثروة الأميركية، أما في العام 2016، فقد انخفضت تلك النسبة إلى 22.8%.

على الرغم من التنبؤات المستقبلية بأنّ ثورة المعلوماتية ستؤدي إلى “تقريب المسافات”، فإنّ بعض المناطق الساحلية والمراكز السياسية أو التقنية استمرت في الحصول على حصة غير متناسبة من الموارد، وعكست اتجاه الأربعين عاماً من التقارب الاقتصادي بين المناطق الذي ظهر بعد عام 1940. إذ تضاعف متوسط دخل الفرد في واشنطن العاصمة ومدينة نيويورك على بقية البلاد بين عامي 1980 و2013، ويبلغ الآن متوسط أسعار تذاكر السفر جواً إلى المناطق “الخاسرة” ما يقرب من ضعف السعر إلى “المناطق الرابحة”، كما فقدت العديد من المدن خدمة السكك الحديدية بشكل كامل.

ومثل وباء الحنين الذي كان يضرب الناس قديماً، فإنّ مرضنا في هذه الأيام سبّبه شعور الخسارة والتضليل غير الخفي عن أحد، ولكن هناك فرق جوهري بين الماضي والحاضر في المجموعات الأكثر عرضة للمرض. فمن القرن السابع عشر حتى التاسع عشر، كان يُلاحظ مرض الحنين في حالات كثيرة على الأشخاص الذين ابتعدوا عن المجتمعات التي ترعرعوا فيها، وغالباً ما حسنّوا من أوضاعهم الاقتصادية ولكنهم كانوا يشعرون بالضياع والعزلة في محيطهم الجديد. أما اليوم، فإنّ الهاتف النقال يمكنه الاتصال بسهولة بالتقنيات الحديثة والشبكات المهنية وأجهزة العمل التقنية والاستهلاكية المرنة التي تسمح لهم بالتنقل عبر الأراضي غير المألوفة والشعور كأنهم في موطنهم.

بيد أنّ تلك الابتكارات نفسها قد همشت الأفراد الذين ترتبط هويتهم وأمنهم ومصدر رزقهم بمعرفتهم بمكان معين وبمجموعة من المهارات، و”مكانهم” هو ضمن شبكة معارفهم الشخصية القائمة منذ زمن طويل، والتي تنطوي على علاقات تبادلية ومعاملة بالمثل، ويشمل هذا؛ العمال الصناعيين الذين يحصلون على وظائف في مصنع محلي لأن أحد الأقارب قام بتزكية ذلك العامل لدى رئيس العمال أو المزارعين أو الموردين أو ميكانيكيي المعدات الزراعية الذين يعتمدون على العملاء أو الموظفين الذين هم أيضاً من جيرانهم؛ كما يشمل ذلك الأعمال التجارية المحلية التي تعتمد على العلاقات الشخصية مع عملائها.

تبين اليوم أنّ أكثر أنواع الحنين إنهاكاً للقوى موجود بين أولئك الذين لا يستطيعون أو لا يرغبون في الانتقال (ولا ينبغي عليهم ذلك)، ولكنهم يرون المصادر التقليدية لأمانهم والتي قدمتها لهم مواطنهم الأصلية قد تم التخلص منها أو عملوا على إعادة توطينها، كما أنّ عاداتهم ومهاراتهم وعلاقاتهم الاجتماعية تم اعتبارها بلا قيمة، فبدلاً من هجر مواطنهم، يشعرون بأنهم قد تم هجرهم فيها.

وكما هو الحال دائماً، يعاني الأميركيون من الطبقة العاملة ومن الأصول الأفريقية؛ واللاتينيين منهم ويعاني الأميركيون الأصليون بشكل كبير من فقدان الوظائف وتخفيض الأجور وانعدام الاستقرار. وسكان المناطق التي يكون معظمهم من الأقليات العرقية أو الإثنية معرضون لضعف احتمال أن يكونوا في ضائقة اقتصادية من سكان المناطق ذوي البشرة البيضاء. ومع ذلك، فإنّ ذوي البشرة البيضاء يمثلون نسبة كبيرة (44%) من أكثر من 52 مليون أميركي في أكثر المجتمعات تعاسة. يجب أن يكون هذا الإقصاء المشترك عن مكاسب الحداثة سبباً للتكافل، وليس للتفرقة؛ إلا أنه تتشكل تلك التفرقة عندما تقوم مجموعة واحدة بإضفاء طابع رومانسي على المكان الذي جاءت منه، وطابع رومانسي آخر على المكان الذي ستذهب إليه، بدلاً من دراسة المكاسب والخسائر والمقايضات الصعبة بعناية لهذا المكان وهذا الوقت.

ولعلاج مرض الماضي، يجب على الفائزين في إطار هذا النظام أن يتوقفوا عن الادعاء أكثر بأنّ الإجابة هي نفسها، مع وجود مزيد من التنوع في القمة. ولجعل الحداثة تناسب الجميع، يجب أن نلقي نظرة أكثر تعمقاً على كيفية قياس التقدم الاقتصادي والتكنولوجي، حيث أنّ السيارات ذاتية القيادة والطائرات من دون طيار قد توفر على بعض الناس الوقت والمال، لكنها في المقابل تسلب سبل عيش الآخرين. ومن أجل وقف عدوى الحنين المرضي، نحتاج إلى تلقيح أنفسنا بجرعة من الحنين الصحي الذي يحفزنا على دمج أفضل قيم وأفكار الماضي مع التطورات والإنجازات التي نحرزها.

إنّ واحدة من تلك القيم هي الاعتقاد الديموقراطي التقليدي بأنّ أعمال الناس الذين يزرعون غذائنا، ويصنعون قهوتنا، ويصلحون سياراتنا، ويعلّمون أطفالنا، ويرعون مرضانا، ويجمعون القمامة من شوارعنا هي على الأقل مهمة جداً لصحة مجتمعنا؛ وهي بذات أهمية أعمال أولئك الذين يبتكرون خوارزميات جديدة لتداول الأسهم ولمواقع التواصل الاجتماعي وللتسويق. إنهم يستحقون العيش في مجتمعات مزدهرة، وإرسال أطفالهم إلى مدارس جيدة، وكسب أجور كريمة، والعودة إلى منازلهم باكراً للاستمتاع بالعشاء مع أحبائهم.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الأزمات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz